القدوة الصالحة وأثرها في التربية

يقول الأسلاف رضي الله عنهم في تصوير أثر القدوة الصالحة في التربية والسلوك: "إنْ عمل واحدٌ في ألف أفضل وأجدى من وعظ ألف لواحد".

 

ومن هنا وضع الحق تبارك وتعالى لنا معلمًا ثابتًا في القدوة الحسنة أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

وهناك تكاليف وواجبات يفرضها الإسلام على كل مسلم ومسلمة، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في ضرورة تصحيح الإيمان وصيانة القلب ومحاربة الشيطان وتطبيق شرع الله في الحياة يبين الضرورة الملحة لكل كائن من بني البشر خلقه الله عز وجل بيده، وأسجد له ملائكته (إن حاجة الناس إلى الشريعة أعظم من حاجتهم إلى التنفس فضلاً عن الطعام والشراب؛ لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس موت البدن، وأما ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت)، مفتاح دار السعادة وهذه حقيقة قال بها الدستور الخالد؛ القرآن العظيم.

 

قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)﴾ (الأنعام).

 

وفي هذه الظروف الحالكة والآلام القاسية التي تعاني منها البشرية، وباتت تتخبط في الظلام، فلقد حطمت المادية الفطرة الربانية في الإنسان وحجبته عن الله، إلا من رحم ربك.

 

في ظل هذه الظروف يسأل الحيارى الذين يشفقون على مصير البشرية التي بعدت عن فطرتها، وبعدت عن ربها: ما الخلاص للبشرية؟ وأين سفينة الإنقاذ التي تنجينا من هذا الطوفان؟ والجواب واضح ومفهوم ويقين عند الذين أضناهم السهر وعاشوا في الضيق والعنت، وهو واضح نمر عليه جميعًا، ويجب أن نعيه، وهو قديم من يوم أن هبط آدم عليه السلام إلى هذه الأرض، وسيظل كذلك إلى يوم القيامة ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125)﴾ (طه).

 

فالخلاص في العودة الصادقة إلى الله، والإسلام هو طريق الخلاص والنجاة، وهو منقذ البشرية إن صدقت مع ربها وآمنت به حقًّا، ولا منقذ سواه، ولا حادي غيره، قال تعالى في هذه الأمة التي وضع الله في عنقها القدوة الحسنة والأمانة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

 

يقول المفسرون في هذه الآية: إن القرآن الكريم يحدث الأمة كلها (رجالاً ونساءً) عن دورها ورسالتها الأولى والأخيرة في هذا الكون، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض، وعن مكانها العظيم في هذه البشرية، وعن دورها الأساسي في حياة الناس، ويقتضي هذا أن تستمع إلى ربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم، وأن تنصت إلى رسولها النبي المختار والرحمة المهداة والسراج المنير، فتستضيء به، فهو رائدها وهو حاديها وهو قائدها وهو زعيمها وهو قدوتها، بل والرسول المختار من رب العالمين مالك هذا الكون إلى البشرية كلها، وهو الشهيد على الشهداء يوم القيامة؛ لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقاموا بأداء الأمانة التي ائتمنهم الله عليها، وبالواجب الذي افترضه الله عليهم؛ ألا وهو تبليغ هذا الحق كاملاً وقدوة حسنة في الالتزام والصدق إلى البشرية كلها.

 

إن حقيقة هذه الأمة ووظيفتها خطيرة وكبيرة، وإن دورها إذا أدته كما رسمه المولى تبارك وتعالى لها لهو دور لا مثيل له.

 

إن هذه الأمة إلى وصفها الله سبحانه وتعالى بالوسطية في كل شيء قد تخلت اليوم- إلا من رحم الله وعصم- عن دورها الذي اختاره الله لها وخلقها من أجله، بل اختاره لجميع المخلوقات من الإنس والجن فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ (الذاريات).

 

وما يعوق هذه الأمة وما يقعدها اليوم عن أخذ المكانة التي اختارها الله لها إلا بقعودها وتفريطها في حمل هذه الأمانة وإيثارها الفانية على الباقية، فتحولت إلى أشتات بلا هدف ولا غاية ولا وحدة في الصف ولا في الهدف، يقول الشاعر في هذا الأمر المحزن:

وتفرقوا شيعًا فكل قبيلة     فيها أمير المؤمنين ومنبر

 

ولكي تقوم الأمة بهذا الدور العظيم لا بد لها من تربية صادقة تصلها بالله عز وجل، ولا بد أن تكون قدوة صالحة في كل عمل تؤدي الواجب إرضاءً لله وحده، وطاعةً له، سواء وجد من يراقبها أو يحاسبها أم لم يوجد، فهناك من هو أقرب إليها من حبل الوريد والذي يعلم ما توسوس به النفس، ويجب أن ترتفع هذه الأمة عن تقديس الأشخاص، وعن تعظيم فلان وعلان، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الناس بعض هذه الجوانب فقال لهم بقوة: "لا تعظموني كما تفعل الأعاجم، إنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد بمكة"، وعندما قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "أجعلتني لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله ثم شئت".

 

إن القدوة الصالحة حينما تنبع من العقيدة تنتقل من صاحبها إلى غيره، فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر صفات من يعملون لله وفي سبيله، وبقدر إخلاصهم، وبقدر صدقهم تخلص الطريق من العقبات، ويتضح الأمر ويستبين.

 

إن للقدوة والأمانة والصدق في الموجه والمعلم صفات، لا بد أن يتحلى بها الجميع حتى ترتقي هذه الأمة مرة أخرى، وتصبح أهلاً لحمل الأمانة، ومنها:

 

1- تقوى الله في عمله، في وظيفته أيًّا كانت ما دام قد رضي بها وأن يستشعر مراقبة الله له، فالحق تبارك وتعالى معه في الليل قبل النهار، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: من الآية 4).

 

2- أن مهمة القدوة والموجه الأولى أن يجمع القلوب على الله، وأن يصل بها إلى مرضاته سبحانه وتعالى، ويكون صاحب القلب الكبير في بيته ومع أولاده، ومع جيرانه، ومع زملائه في المدرسة أو في المعهد أو في الجامعة، أو في أي عمل هو فيه، يصبح قدوة في أمانته وفي إخلاصه لعمله وتجويده له، وأن يكون العقل الناضج الذي يحسن توجيه النصح وتقبله من غيره، والنزول دائمًا على حكم الله وأمره دون أن تأخذه العزة بالإثم، أو الغرور بمكانته والتعالي على الحق، فعندها يكون قد فقد الصلاحية وفقد المكانة في قلوب الناس، بل تحولوا إلى كراهيته والبراءة منه.

 

3- وهذا النموذج الرائع المتجدد دائمًا والذي يجب أن يكون عليه الرؤساء وغيرهم، وكل من يلي أمرًا من الأمور مهما كان حجمه؛ فبصلاحهم يصلح من حولهم من غير خطب ولا مواعظ، شوهد عمر بن الخطاب، وهو أمير المؤمنين جميعًا في شتى بقاع الأرض يحمل قربة مملوءة بالماء، ويضعها على ظهره، ويذهب إلى بيته حاملاً لها، ولما سألوه قال: إن نفسي قد تأبت عليَّ تريد أن تخدعني فأردت إذلالها بهذا العمل.

 

وعمر بن الخطاب هو هو الخليفة الذي كان ذاهبًا إلى الشام لاستلام بيت المقدس، فاعترضت المسلمين مخاضة، فكان أول من نزل وخلع خفيه وقاد ناقته وعبر المخاضة، فلما رآه أبو عبيدة بن الجراح قال: يا أمير المؤمنين ما يسرني أن أهل الشام رأوك على هذه الصورة، فتعجب منه ومن منطقه وقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة لجعلته نكالاً لأمة محمد.

 

ثم لقنه درسًا لن يُنسى إلى قيام الساعة فقال: إن الله أعزنا بالإسلام فإذا طلبنا العز في غيره أذلنا الله.

 

وقد صحبت مرة أحد الزملاء من الطلاب، وكنا وقتها في كلية أصول الدين، حسب رغبته، أنه يريد زيارة أحد العلماء من الإخوان في بيته، فذهبنا إليه وجلسنا معه، ثم حان وقت صلاة المغرب فقال الزميل: أريد أن أتوضأ! فقلت للأستاذ: فلان يريد أن يتوضأ، فأخذه وذهب به إلى مكان الوضوء، وأخذ الطالب يخلع حذاءه، ثم ذهب الأستاذ الكبير العظيم رحمه الله وحمل بين يديه (شبشبًا) يقدمه للطالب بنفسه ليتوضأ، فارتبك هذا الطالب من تواضع الرجل العظيم، وصلينا المغرب وخرجنا، فقال لي: علماء الإخوان بهذا التواضع! هذه عظمة من الشيخ، ذكرنا بالأسلاف.

 

هل يوجد في الإخوان مثل هذا أيضًا، فقلت له: نعم كل الإخوان بهذه الصورة، فقال: أنا طالب بأصول الدين، وآسف على عمري الذي قضيته بعيدًا عن هذا الطريق، طريق الدعاة، والتفت إليَّ ونحن في الشارع، ونظر مليًا وبكى وقال: أشهد الله أني من الآن حتى ألقى الله من الإخوان، أخدمهم وأتشرف بالقرب منهم.

 

ومرة أخرى قال لي أحد الزملاء في عام 1960م أريد منك أن أشاهد فرحًا من أفراح الإخوان، وبعد فترة جاءتني دعوة لحضور زفاف بنت الأخ صلاح شادي رحمه الله وكان في السجن، فأخذته معي وذهبنا إلى هناك وجلس في مكان بجواري يرقب كل شيء، فلم يشاهد إلا الحب والتواضع والكلمة الطيبة والتصرف الحسن، وانتهى الحفل الذي كان في المنزل، وخرج معي أيضًا وهو مندهش، قال لي: هكذا أفراح الإخوان؟ قلت له: نعم، قال: لم أسمع كلمة واحدة غير مفيدة، لكني رأيت الصدق، والبشاشة، والحب، والتواضع، والرحمة، هكذا كل حفلات الإخوان ولقاءاتهم؟ قلت له: نعم، فنظر إليَّ مستغربًا، وقال: كل ما تقوله الصحف من تصوير للإخوان غير صحيح، وكل ما ينزل بهم افتراء لا أساس له؟ قلت له: نعم، فأطال النظر إليَّ كسابقه.

 

أيها الإخوان القدوة.. القدوة مع جميع الناس والرحمة الرحمة مع عباد الله، والإيثار والسخاء هي أدوات القدوة في دعوته، وفي حياته.

 

ولقد كان الإمام البنا عليه الرضوان يسير في الشارع مع بعض الإخوان متجهًا إلى المركز العام، وهناك بعض الصغار يلعبون الكرة فقذف أحدهم الكرة فجاءت في وجهه رحمه الله، فأسرع من حوله إلى محاولة معاقبة الصغير الذي قذف الكرة، فنهاهم الإمام البنا بشدة، ثم أحضر الكرة بنفسه وأعطاها للصبي، ومسح على رأسه وقال له: العب كما كنت تلعب، فأسرع الطفل إلى بيته وقصَّ على أبيه ما حدث، فقال الرجل: أنا نفسي تقول لي دائمًا إن هذا الرجل على حق، وأنه صاحب دعوة، وإني مسرع الآن إلى المركز العام- وكان قريبًا من داره- لمبايعته على العمل للإسلام، وهناك وقف أمام الإمام البنا يقول له: أنت صاحب دعوة، وموقفك من ابني أكد ما كان يدور في نفسي من أنك رجل صادق، وأنا أعاهد الله من الآن أن أكون جنديًّا معك.

 

أيها الأحباب أيها الإخوان أيها المسلمون أيها الناس أجمعون هذه بعض توجيهات عن أخلاق السلف الصالح التي تلقوها من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم الذي قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 

هذا ما يجب علينا جميعًا أن نتأسى به، وأن نكون في الطريق الصحيح الذي يوصلنا إلى ربنا جل جلاله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: من الآية 135) ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إلى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر) صدق الله العظيم.

----------------

* من علماء الأزهر الشريف