مصطفى كمشيش

 

إن المتأمل لأحوالنا العامة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، ويقارنها بما كانت عليه منذ سنوات ليست ببعيدة؛ يرى ارتباكًا شديدًا في منظومة القيم، فالعدو أصبح صديقًا، والصديق والأخ والجار صار عدوًّا، نبني جدارًا لنمنع دواءً وحليبًّا عن الصديق لإجباره على القبول بما نراه.

 

نعيب على نفق تحت الأرض أقامه الصديق، دون أن نتألم ونتساءل: وما الذي أجبر الأخ والصديق أن يقتات طعامه منا عبر نفق تحت الأرض؟ ومن الغرائب أن نرى فنانًا مجاهدًا طيلة حياته بين أحضان الفنانات وهو يتلبس الآن ثوب الوطنية فيهاجم الجار الأخ والصديق ويهاجم جهاده, ويصيغ لنا قيمًا!.

 

ومن الغرائب أن نرى على أرض مصر سلسلة محال تسمى (drinks) لبيع الخمور جهارًا عيانًا طيلة اليوم، وبل وتسليم للمنازل، بينما نرى الخمور لا تُباع في أمريكا وأوروبا لمن هم أقل من 18 سنة، وإذا سألت عن سبب الترخيص لهذه السلسلة أجابوك: إنها السياحة، وقد رصد الأخ العزيز هيثم أبو خليل في مقالته الرائعة ( بيرة مصر.. في صحة مَنْ؟) 28 فرعًا في القاهرة والإسكندرية في غير الأماكن السياحية!! التي لا تكاد تجد فيها أثرًا لهذه المحال، ومن الغرائب أن يُعتقل الشرفاء أصحاب القيم، ويتم تكريم الفاسدين منزوعي القيم، وأن يتم إغلاق شركات أسسها أصحابها من حر مالهم، بينما يتم التغاضي عن ناهبي البنوك وسارقي المال العام !! والأغرب أن تجد إعلامًا وأبواقًا تدافع عن البطش والاستبداد والظلم والفساد والرذيلة بينما يُحارب دعاة الحق والخير والحرية!!

 

وإذ نرى بريئًا مظلومًا سجينًا، ونرى وطنيًّا شريفًا مضطهدًا، لكننا في المشهد نفسه نرى جاسوسًا حرًّا طليقًا، ونرى فاسدًا عزيزًا مكرمًا، ونرى مستبدًا محاطًا بهالات الوقار والتكريم والرفعة!!، وكأن "الجنون" هو الذي يسود عالمنا، إذ يحكم بعض الناس على الصواب أنه خطأ وعلى الخطأ أنه صواب، في اختلال كبير لمنظومة القيم، ولعل ما صاغه الراحل الكبير توفيق الحكيم في رائعته "نهر الجنون" تمثِّل أبلغ تصوير لهذا الاختلال، وهي مسرحية قصيرة من فصل واحد، أترك القارئ الكريم معها، وليستنتج منها ما يشاء، ويسقط أحداثها على من يشاء، وسيرى كيف يتطابق الواقع (السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإعلامي والقيمي بل وحتى شكل المرور في الشوارع) في معظم مفرداته مع جوهر هذه المسرحية، وإليكم ملخص لها:

 

الملك ووزيره منفردان في بهو من قصر الملك، الملك مخاطبًا وزيره: ما تقص عليَّ مُريع! الوزير: قضاء وقع يا مولاي، الملك في دهش وذهول: (الملكة أيضًا) شربت من ماء النهر؟ الوزير: كما شرب أهل المملكة أجمعين، الملك: أين رأيت الملكة؟ الوزير: في حديقة القصر، الملك: ما كان ينقص الخطب إلا هذا! الوزير: لقد حذَّرها مولاي أن تقرب ماء النهر وأوصاها أن تشرب من عصير العنب, لكنه القدر! الملك: قل لي كيف علمت أنها شربت من ماء النهر؟ الوزير: سيماؤها، حركاتها, إذ لم أكد أن أقبل عليها حتى ابتعدت عني في شبه روع، كذلك فعلت وصائفها وجواريها، وطفقن يتهامسن وينظرن إليَّ نظرات غريبة، الملك: كل ذلك رأيته في رؤياي، إذ رأيت النهر أول الأمر في لون الفجر, ثم أبصرت أفاعي سوداء قد هبطت فجأة من السماء وفي أنيابها سم تسكبه في النهر فإذا هو في لون الليل، وهتف بي من يقول: حذار أن تشرب بعد الآن من نهر الجنون، الوزير: ويلاه! الملك: وقد رأيت الناس كلهم يشربون.. الوزير: إلا اثنين.. الملك: أنا وأنت.. الوزير: وافرحتاه، الملك: علامَ الفرح أيها الرجل, وقد أُصيبت الملكة، الوزير مستدركًا: عفوًا مولاي، إن حزني لعظيم، ليتني كنت فداء الملكة، الملك: نعم، أنت دائمًا تردد ما أقول ولا تفعل شيئًا، عليَّ برأس الأطباء! لعله يجد لها دواء.. الوزير: مولاي نسي أن رأس الأطباء كان من الشاربين من النهر.. لقد رأيته كذلك بين يدي الملكة وقد تغيرت نظراته وحركاته، وكلما لمحني هزَّ رأسه هزًّا، لا أدرك له معنى، الملك: رأس الأطباء قد جن؟!.. الوزير: وفي وقت نحن أحوج ما نكون إلى علمه وطبه، الملك: ليس في هذه المملكة الآن غير واحد يستطيع إنقاذنا مما نحن فيه، الوزير: مَنْ يا مولاي؟ الملك: كبير الكهان، الوزير: واحسرتاه! الملك: ماذا؟ الوزير: لقد شرب من النهر أيضًا يا مولاي، الملك: هذا ولا ريب ما يسمى بالخطب الجلل؛ حتى كبير الكهان أُصيب بالجنون وهو أحسن الناس رأيًا وأبعدهم نظرًا وأثبتهم إيمانًا وأطهرهم قلبًا وأدناهم إلى السماء! إنها لكارثة شاملة، ليس لها من نظير لا في التواريخ ولا في الأساطير، مملكة بأسرها قد أصابها الجنون دفعة واحدة ولم يبق بها ناعم بعقله غير الملك والوزير!

 

- في مشهد آخر، تجلس الملكة ومعها رأس الأطباء وكبير الكهان، الملكة: إنه لخطب فادح! كبير الكهان: أجل إنها لطامة كبرى! الملكة لرأس الأطباء: أما من حيلة للطب في رد نور العقل إلى هذين البائسين!. رأس الأطباء: لقد تفكرت مليًّا يا مولاتي، إن ما أصابهما لا يسعه علمي، الملكة: أأقنط إذن من شفاء زوجي، رأس الأطباء: لا تقنطي يا مولاتي، هنالك معجزات تهبط أحيانًا من السماء هي فوق طب الأطباء. الملكة: يا كبير الكهان استنزل لي واحدة منها الآن.. الآن.. الآن.. كبير الكهان: إن السماء يا مولاتي ليست كالنخيل يستطيع الإنسان أن يستنزل منها ما شاء من ثمار! الملكة: ألا تستطيع إذن أن تصنع شيئًا. إني زوجة تحب زوجها، إني امرأة تريد إنقاذ رجلها، أنقذوا زوجي، أنقذوا زوجي! رأس الأطباء: بعض الصبر يا مولاتي.. الملكة: احذروا أن يعرف الناس الخبر، كبير الكهان: نحن أصمت من قبر يا مولاتي غير أني أخشى عاقبة الأمر، إنا مهما أخفينا الخبر لا بد أن يظهر يومًا من الأيام، وأيُ مصيبة أفدح من علم الناس بأن الملك والوزير قد أصابهما الجنون الملكة: ما المخرج؟ لا تقفا من الأمر موقف اليائس. افعلا شيئًا، كبير الكهان: لو أن في مقدوري فهم ما يدور برأسه، الملكة: إنه يذكر النهر في فزع ويزعم أن ماءه مسموم، كبير الكهان: وماذا يشرب إذن؟ الملكة: عصير العنب ولا شيء غيره، رأس الأطباء: يغلب على ظني أن الإدمان قد أثر بعقله، الملكة: إن كان الداء فيما تقول فما أيسر الدواء: نمنع عنه هذا العصير رأس الأطباء: وماذا يشرب؟ الملكة: ماء النهر، رأس الأطباء: أتحسبينه يرضى يا مولاتي؟ الملكة: أنا أحمله على ذلك، رأس الأطباء: يلتفت إلى صوت قريب ها هو ذا الملك قادم، الملكة تشير إلى رأس الأطباء وكبير الكهان: اتركونا وحدنا، الملك يتأملها في حزن: ويلي! إن قلبي يتمزق، لو تعلمين مقدار ألمي أيتها العزيزة، الملكة تتأمله لحظة في إشفاق: اجلس إلى جانبي على هذا الفراش ولا تحزن كل هذا الحزن، لقد آن لهذا الشر أن يزول عنا، الملك: ماذا تقولين؟! الملكة: نعم ثق أنه سيزول، الملك يتأملها بدهشة: إنك تحسين ما حدث؟! الملكة: كيف لا أحس أيها العزيز وهو يملأ نفسي أسى، الملك ينظر إليها مليًّا: هذا عجيب! الملكة: لماذا تنظر إليّ هذه النظرات! الملك متوسلاً في إشفاق: أيتها السماء! الملكة: تدعو السماء؟ لقد استجابت السماء! الملك: ماذا أسمع..؟ الملكة: في فرح لقد وجدنا الدواء، الملك: وجدتم الدواء؟ متى؟! الملكة في فرح: اليوم، الملك في حرارة: وافرحتاه..! الملكة: نعم وافرحتاه! إنما ينبغي لك أن تصغى إلى ما أقول وأن تعمل بما أنصح لك به، يجب عليك أن تقلع من فورك عن شرب عصير العنب وأن تشرب من ماء النهر، الملك ينظر إليها وقد عاد إلى يأسه وحزنه: ماء النهر! الملكة بقوة: نعم، الملك كالمخاطب نفسه: ويحي أنا الذي حسب أن السماء قد استجابت!! الملكة في قوة: اصغ إليّ واعملِ بما أقول، الملك يخرج سريعًا: أيها الوزير! عليّ بالوزير! الوزير يدخل من باب آخر متغير الوجه: مولاي! مولاي! الوزير: جئتك بخبر هائل، الملك: ماذا أيضًا؟ الوزير: أتدري ما يقول الناس عنا؟ الملك: أي ناس؟ الوزير: المجانين، الملك: ماذا يقولون؟ الوزير: يزعمون أنهم هم العقلاء وأن الملك والوزير هما المصابان... الملك في تهكم حزين: نحن المصابان وهم العقلاء..! أيتها السماء رحماك! إنهم لا يشعرون أنهم قد جنوا، الوزير: صدقت الملك: يخيل إليّ أن المجنون لا يشعر أنه مجنون، الوزير: هذا ما أرى. الملك: إن الملكة واحسرتاه كانت تحادثني الآن وكأنها تعقل ما تقول، بل لقد كانت تبدي لي الحزن وتسدي إليّ النصح، الوزير: نعم، نعم. كذلك صنع بي كل من قابلت من رجال القصر وأهل المدينة، الملك: أيتها السماء رفقًا بهم! الوزير في تردد: وبنا، الملك متسائلاً في دهشة: وبنا؟! الوزير: مولاي! إني أريد أن أقول شيئًا, إنهم... الملك: مَنْ هم؟! الوزير: الناس، المجانين، إنهم يرموننا بالجنون، ويتهامسون علينا ويتآمرون بنا، ومهما يكن من أمرهم وأمر عقلهم فإن الغلبة لهم، بل إنهم هم وحدهم الذين يملكون الفصل بين العقل والجنون؛ لأنهم هم البحر وما نحن إلا حبتان من رمل، أتسمع مني نصحًا يا مولاي؟ الملك: قل، الوزير: هلم نصنع مثلهم ونشرب من ماء النهر! الملك: ينظر إلى الوزير مليًّا: أيها المسكين! إنك قد شربت! أرى شعاعًا من الجنون يلمع في عينيك، الوزير: كلا لم أفعل بعد، الملك: أصدقني القول، الوزير في قوة: أصدقك القول, ولكنني سأشرب, وقد قررت أن أصير مجنونًا مثل بقية الناس، إني أضيق ذرعًا بهذا العقل بينهم، الملك: تطفئ من رأسك نور العقل بيديك! الوزير: نور العقل! ما قيمة نور العقل في وسط مملكة من المجانين! ثق أنا لو أصررنا على ما نحن فيه لا نأمن أن يثبت علينا هؤلاء القوم، إني لأرى في عيونهم فتنة تضطرم، وأرى أنهم لن يلبثوا حتى يصيحوا في الطرقات (الملك ووزيره قد جنا، فلنخلع المجنونين!) الملك: ولكنا لسنا بمجنونين، الوزير: إنك قد قلتها الساعة يا مولاي! أن المجنون لا يشعر أنه مجنون، الملك صائحًا: ولكني عاقل وهؤلاء الناس مجانين! الوزير: هم أيضًا يزعمون هذا الزعم، الملك: وأنت، ألا تعتقد في صحة عقلي؟ الوزير: عقيدتي فيك وحدها ما نفعها؟ إن شهادة مجنون لمجنون لا تغني شيئًا، الملك: ولكنك تعرف أني لم أشرب قط من ماء النهر، الوزير: أعرف، الملك: وأني قد سلمت من الجنون لأني لم أشرب، وأُصيب الناس لأنهم شربوا، الوزير: هم يقولون بأنهم إنما سلموا هم من الجنون لأنهم شربوا وأن الملك إنما جُنّ لأنه لم يشرب، الملك: عجبًا! إنها لصفاقة وجه، الوزير: هذا قولهم وهم المصدقون، وأما أنت فلن تجد واحدًا يصدقك! الملك: أهكذا يستطيعون أيضًا أن يجترئوا على الحق؟! الوزير: الحق؟ يخفي ضحكة!! الملك: أتضحك؟! الوزير: إن هذه الكلمة منا في هذا الموقف غريبة، الملك في رجفة: لماذا؟ الوزير: الحق والعقل والفضيلة، كلمات أصبحت ملكًا لهؤلاء الناس أيضًا، وهم وحدهم أصحابها الآن.

 

هل تتذكر الآن أيها القارئ الكريم تصريحات بعض قيادات الحزب الوطني الحاكم وأجهزة إعلامه؟

 

(الملك: وأنا؟ الوزير: أنت بمفردك لا تملك منها شيئًا، الملك يطرق في تفكير وصمت، ثم يرفع رأسه أخيرًا: صدقت إني أرى حياتي لا يمكن أن تدوم على هذا النحو، الوزير: أجل يا مولاي، وأنه لمن الخير لك أن تعيش مع الملكة والناس في تفاهم وصفاء، ولو منحت عقلك من أجل ذلك ثمناً! الملك في تفكير: نعم إن في هذا كل الخير لي، إن الجنون يعطيني رغد العيش مع الملكة والناس كما تقول، وأما العقل فماذا يعطيني! الوزير: لا شيء، إنه يجعلك منبوذًا من الجميع، مجنونًا في نظر الجميع! الملك: إذن فمن العقل أن أختار الجنون! الوزير: هذا عين ما أقول، الملك: ما الفرق إذن بين العقل والجنون! الوزير: (وقد بوغت) انتظر... يفكر لحظة: لست أتبين فرقًا! الملك في عجلة: عليّ بكأس من ماء النهر!!

------------------

* [email protected]