تابعت باهتمام الأخذ والرد الإعلامي حول مسلسل "الجماعة" الذي كتبه الأستاذ وحيد حامد، والذي يتناول سيرة الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيرة الجماعة في الفترة من 1928-1948م؛ أي فترة التأسيس الأولى، وهي الفترة الزمنية التي كانت مليئةً بأحداث تاريخية مهمة كان الإخوان طرفًا مهمًّا فيها، ولأن جماعة الإخوان المسلمين تحيا إلى الآن بكامل قوتها الفكرية والحركية رغم مرور ثمانين عامًا على تأسيسها، ورغم الأحداث الصعبة التي واجهتها على مدار ثلاثة عقود متتالية وإلى الآن؛ فإن الكتابة عنها- سواء كان بحثيًّا أو دراميًّا- تعدُّ من الأمور غير العادية في الحياة المهنية للباحثين والكتاب لأسباب كثيرة:

 

- فهناك جمهور عريض ينتظر- سواءٌ من الإسلاميين أو من غيرهم- معرفة تاريخ الجماعة كما هو، وممن عاشوا الأحداث وعاصروها.

- وهناك مثقَّفون اختلفوا واتفقوا حول ظاهرة الحركة الإسلامية (فكريًّا وسياسيًّا)، ويودُّون لو أن هذه الظاهرة المدهشة تفتح على مجالات أوسع في البحث والنقاش.

- وهناك أجهزة معنية ومهتمة تودُّ لو أن الكتابة والتأليف عن الإخوان تصبُّ في أوانيها، وهذه الأجهزة بالمناسبة ليست كلها ضد الإخوان، بل فيها رجال نابهون يعتبرون الإخوان جزءًا مهمًّا من نسيج الحركة الوطنية وصمام أمن مهم للمجتمع.

 

بالأعم الأشمل فإن التصدي لكتابه عمل عن الإخوان موضوعٌ شاقٌّ.

 

ولأن الموضوع والمادة التي ستُقدَّم سيفترض فيها أنها تتناول الشأن الفكري والأيديولوجي، سواء من حيث ما أحدثه من تجديد أو من حيث خلفيته التاريخية.. ذلك أن حركة الإخوان المسلمين لم تنشأ من فراغ، بل كانت امتدادًا أمينًا وعميقًا لأفكار التجديد والإصلاح التي سبقتها، وتكاد تكون نهلت من كل الينابيع من جمال الدين الأفغاني ومدرسة "العروة الوثقى"، ومن محمد عبده ومدرسة الإصلاح التربوي والتعليمي، ومن رشيد رضا والمدرسة السلفية، وأزيد فأقول إن من سبقهم وعاصرهم من الإصلاحيين خارج مصر كان لهم حضور واسع في المجال الفكري والحركي لجماعة الإخوان، مثل شكيب أرسلان (الدرزي الذي كان يتعبَّد على مذهب أهل السنة) إلى خير الدين التونسي وابن باديس والسنوسية والمهدية وأهل التصوف الأمين.

 

وما زاد عليهم البنا رحمه الله إلا أمرين:

الأول: البعد عن مواطن الخلاف الفقهي.

والثاني: الغوص في قاع المجتمع وحواريه ونجوعه وقراه؛ إذ كان لا بد أن يحمل التيار الشعبي نصيبه من المسئولية في النهوض والإصلاح.. فقد ولَّى زمن اقتصار الإصلاح والنهضة على النخبة المثقفة والصفوة المتعلمة.. وتلك كانت النقلة النوعية الهائلة التي أحدثها البنا في تيار الإصلاح والنهوض، وهي التي أكسبت الإخوان هذا الحضور الشعبي العريض الذي كان يصفه البنا بأنه تيار التلاوة والطاعة والبساطة والنظافة.

 

أنا من المؤمنين بأهمية الفن في تطور المجتمعات، وأفهم جيدًا معنى أن الفن هو (وقْع الوجود على الوجدان)، وأرى رباطًا وثيقًا بين الفن والدين، وفي تاريخ الأمم نجد أنهما كانا دائمًا سابقيْن للعلم والحضارة، والفن بطبيعته محلق في الخيال، وإن كانت مادته من الواقع المحسوس، ويتحرك دائمًا في أفق الحلم والتمنِّي وإن كانت مادته من الألم والمعاناة، وفن الدراما من الفنون القديمة في تاريخ الأمم والحضارات اتخذ مادته من أحداث الناس وواقع حياتهم معتمدًا على الرصد والمبالغة والتركيز.. لذلك فمن الطبيعي أن نرى صورة الواقع على مرآة الدراما بها بعض الاختلاف يزيد وينقص، بحسب أمور كثيرة؛ أهمها بطبيعة الحال عين الفنان؛ فالفنان ليس ساعي بريد، بل له عقله الناقد وعاطفته الشاعرة، وحول كل ذلك ثقافته ورؤاه وميوله ومنطلقاته الفكرية والأيديولوجية، وهو وفق كل ذلك يضع نفسه أمام محكمة الرأي العام والتي عادةً ما تكون مفطورةً على العدل الطبيعي، ولا أظن أن هناك فنانًا إلا وتتطلَّع نفسه إلى مكان عالٍ في قلوب الجماهير من جانب وإلى مكان خالدٍ في وعي التاريخ من جانب آخر.

 

على خلفية كل ذلك تصورت العمل الفني المنتظر الذي كثر حوله الحديث للأستاذ وحيد حامد، والذي يتناول فيه سيرة الإمام الشهيد، ورغم ثقتي في إخلاص الأستاذ وحيد ووطنيته فإنني كنت أتمنى أن يوسِّع من دائرة مصادره عن هذه الفترة التاريخية الأهم في تاريخ مصر الحديث، وعن موضوع من أكثر الموضوعات تركيبًا في حياتنا الفكرية (الدين والسلطة والمجتمع) وعن شخصية من أهم شخصيات تاريخنا المعاصر، وكأن فرصة هذا العمل الدرامي الكبير من أكثر الفرص مناسبةً لتغطية هذه الموضوعات.

 

فالفترة التي أعقبت ثورة 1919م والتي مهَّدت لدستور 1923م وما ترتب عليه من تكوين للحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في مصر على أسس ليبرالية يعدُّها دارسو التاريخ من أخصب الفترات في تاريخنا المعاصر، وهي الفترة التي أنتجت زعماء وقاده وأعلامًا في كل المجالات، لا نزال إلى الآن نتظلل بظلهم ونرتوي من ريِّهم، ولعلنا نرى في أحداث المسلسل كيف كانت الأسرة المصرية، فيها الأب وفدي، والخال من الإخوان المسلمين، والابن اشتراكي، والجار مسيحي، وكانت حياتهم الاجتماعية في غاية الودِّ والتسامح والمشاركة.

 

ونتبصر ونتساءل: كيف اختفت هذه الفترة من حياتنا ولم تؤسس لمستقبل مليء بالتفاعل والاندماج والتعاون لصالح الوطن الحبيب؟ وحلَّت محلَّها أيام وسنون كئيبة خانقة.. نعم كانت بها أخطاء وعيوب لكنها كانت آخذةً في التقويم والإصلاح.

 

كانت هناك الأجهزة السرية التي تكونت لمواجهة الاحتلال واغتصاب فلسطين والتي سرعان ما ظهرت عيوبها الفادحة واتجهت العقول الرشيدة إلى استدراكها وتحجيمها، والاعتبار من أشد الأخطاء فداحةً، وهو تأسيس نظام سري مسلح داخل تنظيم شعبي، وقد روى لنا الأستاذ العلاَّمة فريد عبد الخالق حجم الخطأ الذي سرعان ما أدركه الأستاذ البنا، وسرعان ما بدأ في تصحيحه إلا أن موعده مع ربه كان أسبق.

 

كانت هناك الحياة الحزبية الغضَّة، والتي تداخل فيها الطابع الريفي مع العائلي مع السياسي مع المال والوجاهة، وكانت في طريقها للاكتمال والنضج والاعتبار بالمصالح العليا للأمة.

 

وإذا تصورنا موضوع العلاقة بين الدين والسلطة والمجتمع لوجدنا أن الأستاذ البنا كان شديد القلق من تطور مفهومه، وإن لم تواتِه الفرصة الكاملة لوضع تصوره له، خاصةً بعد التكوين الشعبي الكبير للجماعة، وهو الذي ما فتئ يكرر دائمًا أن الأمة مصدر السلطات.

 

ولا شك أن ما انتهى إليه روَّاد الإصلاح من ضرورة الفصل التام بين السلطة السياسية والسلطة الدينية (إذا صح الوصف) كان حاضرًا في المشهد التاريخي لتطور هذه العلاقة المركبة، خاصةً أن السلطة في التاريخ الإسلامي كثيرًا ما استبدَّت وطغت وتجبَّرت على المجتمع باسم الدين، وتجربة أوروبا في النهوض بعد قطع الصلة بين الكنيسة والدولة والمجتمع كانت تلقي بظلال كثيفة على هذا المفهوم، فكانت المسألة بها من التفصيل ما يحتاج إلى التوضيح، خاصةً أن الإسلام دين يتسم بالشمول للشأن الإنساني كله ولا يعرف الفصل بين الدين والمجتمع والسلطة، لكنه يعرف التمييز بينهم، فالحاكم خادم للأمة بموجب عقد اجتماعي وليس ظلاًّ لله في الأرض، وهو خاضع للمسألة والعزل، كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عهد الأمة كلها في إطار تنظيمي ضابط لعلاقات الناس (المجتمع المدني والجمعيات الأهلية)، كما أنه ليس من الأدب أن ندفع بالإسلام إلى قضايا لم يتعرض لها وتركها رخصةً مفتوحة للعقل، فالإسلام ليس حكمًا جامدًا غير قابل للتطابق مع الأمور بل هو دعوة حية متواصلة مع الزمن.

 

ثم إن شخصية الإمام الشهيد حسن البنا من الشخصيات التي يندر تكرارها في التاريخ، وهي مقولة الشيخ علي طنطاوي رحمه الله، والذي قال فيما قال عنه: (إنني تأملت فوجدت أن الرائد الديني في قومه يفتقد إلى عقل السياسي النابه، وتأملت فوجدت أن الزعيم السياسي في قومه يفتقد إلى قلب المؤمن، وما وجدت رجلاً له قلب الولي وعقل السياسي النابه مثل حسن البنا)، وهذا الوصف الصادق العميق كثيرًا ما يجعلني أسيفًا حزينًا على فقده المبكر، وعلى غياب القيادة الموصوفة بمثل ذلك، وإن أنسى فلا أنسى جملة قالها الأستاذ الدكتور رجب البيومي رئيس تحرير مجلة (الأزهر) وهو الرائد في دراسة تراجم الزعماء والمصلحين من أن هناك أناسًا ذكْر المرض والمصائب أحب إلى أسماعهم من ذكر كلمة مديح في حسن البنا.

 

رحم الله الإمام حسن البنا وتقبله الله شهيدًا مع الصديقين والنبيين، وبارك الله في نبتته التي غرسها ورواها بدمه لصالح دينه ووطنه، ورحم الله من سار في طريقه بكله أو ببعضه، وسامح الله من أساء به ظنًّا أو أساء به فهمًا.

 

وكل التوفيق للأستاذ وحيد حامد وزملائه الكرام، وكلنا شوق وأمل لنرى عملاً كبيرًا يُشرِّف أصحابه ويُشرِّف مصر وأهلها الطيبين.

--------------------------

* عضو مكتب الإرشاد السابق لجماعة الإخوان المسلمين، والأمين العام لاتحاد الأطباء العرب.