نشأت دعوة الإخوان في لبنان متزامنةً مع نشأتها في سوريا؛ حيث تأسست مراكز الإخوان في دمشق وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور في محافظات سوريا، في الوقت الذي أسس مركز بيروت وطرابلس في لبنان.

 

وبعث الإمام البنا الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي والأستاذ محمد أسعد الحكيم إلى سوريا وفلسطين ولبنان؛ لنشر الدعوة، وتوضيح الفكرة في بلاد الشام، فكانت أول بعثة للإخوان المسلمين في الأقطار الشقيقة، وكان ذلك في 5 من جمادى الأولى 1354هـ الموافق 5 أغسطس 1935م، وبعد تلك الرحلة المباركة رشَّح الإمام الشهيد أحد كبار الإخوان وهو الأستاذ محمد الهادي عطية المحامي ليقوم بتدريس الشريعة الإسلامية والفلسفة بكلية المقاصد الخيرية في القطر الشقيق بيروت، فسافر في أكتوبر سنة 1935م، وقد ودعته جريدة الإخوان تحت عنوان: "الأستاذ الهادي في طريقه إلى بيروت".

 

وفي صيف 1944م، انتدب قسم الاتصال بالعالم الإسلامي الأخوين الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي أفندي والأستاذ عبد الحكيم عابدين أفندي لزيارة الأقطار العربية الشقيقة بالشام والعراق، وقد كان لهذه الزيارات والوفود المتبادلة بين مصر وبلاد الشام الأثر الكبير في توحيد العمل بينهما بعد ذلك، وقد أشار الأستاذ عمر الأميري لذلك فقال: "ومنذ عام (1364ﻫ/1944-1945م) ازدادت العلائق والاتصالات بين إخوان مصر وسوريا على أثر تبادل الزيارات والوفود والبعثات التي أفادت كثيرًا في توحيد أساليب العمل، وتنسيق وجهات النظر العامة والخاصة، حتى أصبحت دعوة الإخوان في مصر اليوم دعامة معنوية عظيمة للإخوان في سوريا ولبنان".

 

وقد اهتم الإخوان بقضية سوريا ولبنان ضد فرنسا، فنجد الإخوان يدعمون قضيتهم، فيقول الإمام البنا في خطاب أرسله إلى سعادة وزير لبنان المفوض بتاريخ 28/5/1945م، يعلن فيه استعداد الإخوان لإرسال 10000 متطوع للجهاد بجانب إخوانهم اللبنانيين"، كما أرسل بعثة طبِّية لسوريا ولبنان بعد اعتداء فرنسا عليهما وكان على رأسها الدكتور محمد سليمان.

 

حتى إن الشاعر إبراهيم عبد الفتاح حيَّا سوريا ولبنان على ما نالاه من الاستقلال عن فرنسا، فقال:

قف حيي سوريا بما نالت ولبنانا     قطرين قد لبسا بالفوز تيجانا

حيي العروبة في القطرين حافظة        تراث قحطان أو ميراث عدنانا

 

وفي نهاية عام 1945م قامت فرق جوالة الإخوان بتكريم وفود الجوالة العرب أعضاء وفود الكشافة بلبنان ويافا بفلسطين، وفريق التهذيب الإسلامي، وفريق الكشافة بحيفا، وقد حضر هذا التكريم لفيفٌ من أعضاء مكتب الإرشاد.

 

وشارك إخوان سوريا في حرب فلسطين عام 1948م تحت قيادة الشيخ مصطفى السباعي، حتى دخلت الجماعة في مصر في محنى الحل والاعتقال.

 

وفي مطلع الخمسينيات كانت الحركة الإسلامية في عدد من أقطار العالم العربي قد نمت وباتت تشكل تيارًا فكريًّا وسياسيًّا واضحًا على الساحة العربية، وكانت مؤلفات حسن البنا وسيد قطب ومصطفى السباعي وما جرى تعريبه ونشره من كتب أبي الأعلى المودودي في باكستان، وإصدارات الإخوان المسلمين كمجلة "الدعوة" و"المسلمون" من مصر و"الشهاب" من سوريا و"الكفاح الإسلامي" من الأردن بدأت تشكل تيارًا فكريًّا وسياسيًّا إسلاميًّا في مختلف المناطق اللبنانية، وقد ساعد على بلورة هذا التيار في لبنان لجوء الدكتور مصطفى السباعي (المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا) إلى لبنان عام 1952م خلال فترة حكم العقيد أديب الشيشكلي في سوريا؛ حيث استطاع تأصيل الفكر الإسلامي الملتزم لدى صياغة دراسات فكرية وحركية لكل من "جماعة عباد الرحمن" التي تشكلت في بيروت وكان أسسها الأستاذ محمد عمر الداعوق عام 1950م، ولدى مجموعة من الشباب بطرابلس كان أبرزهم النائب السابق فتحي يكن.

 

وتأكدت صلات هذا التيار الإسلامي اللبناني بحركة الإخوان المسلمين خلال زيارة المرشد العام للإخوان في مصر (حسن الهضيبي) إلى لبنان عام 1953م، وانعقاد المكتب التنفيذي لقادة الإخوان المسلمين في مصيف بحمدون؛ حيث حضره إضافة إلى الهضيبي (مصر) والسباعي (سوريا) ومحمد عمر الداعوق (لبنان) كلٌّ من الشيخ محمد محمود الصواف (العراق) ومحمد عبد الرحمن خليفة (الأردن) وغيرهم.

 

في عام 1956م تأسس أول مركز لجماعة عباد الرحمن في طرابلس، وكانت الجماعة في بيروت تنشر فكرها وتوسع نطاق عضويتها دون أن تعتمد مسارًا سياسيًّا محددًا، في حين كان مركز طرابلس يصدر مواقف سياسية من الصراع الداخلي اللبناني خلال فترة حكم الرئيس كميل شمعون، ومن القضايا الإقليمية كالموقف من الوحدة العربية ومشروع إيزنهاور وحلف بغداد والصراع العربي الإسرائيلي، وأصدرت نشرات غير رسمية كمجلة "الفجر" عام 1957م و"الثائر" عام 1958م.

 

وعندما اندلعت أحداث 1958م وما صاحبها من فرز وطني وطائفي كان لجماعة عباد الرحمن بطرابلس موقع سياسي وعسكري واضح، فأنشأت معسكرًا للتدريب، وأقامت محطة إذاعة "صوت لبنان الحر" كانت هي الوحيدة في الشمال حتى الشهور الأخيرة للأزمة، بينما اكتفت الجماعة في بيروت بدور اجتماعي إغاثي؛ ما أدَّى أوائل الستينيات إلى أن يستقل العمل الإسلامي في الشمال عن عباد الرحمن، وأن يبدأ تشكيل جماعة جديدة تلبي تطلعات الحركة الإسلامية بشكلها الشمولي تحت مسمى الجماعة الإسلامية، وكان من قادة الجماعة أمينها العام المؤسس الشيخ فتحي يكن، إضافة إلى بقية المؤسسين ومنهم القاضي المستشار الشيخ فيصل مولوي (الأمين العام، ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء)، والأستاذ إبراهيم المصري (نائب الأمين العام ورئيس تحرير مجلة الأمان)، والكاتب الإسلامي محمد علي الضناوي، وهكذا أبصرت الجماعة الإسلامية النور بشكل رسمي في 18/6/1964م حيث نالت الجماعة موافقة وزارة الداخلية على تأسيس تنظيم إسلامي وفق القانون الأساسي والنظام المقدم إليها، وذلك بموجب علم وخبر رقم (224).

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مركز طرابلس أصدر أول مجلة إسلامية أسبوعية (المجتمع) في 5/1/1959م استمرت في الصدور حتى صيف 1965م.

 

وفي عام 1964م برزت "الجماعة الإسلامية" بشكل رسمي، وافتتحت مركزها في بيروت، وأصدرت مجلة "الشهاب" في 1 كانون الأول 1966م، وكان أول أمين عام للجماعة هو الأستاذ فتحي يكن، إضافة إلى بقية المؤسسين: فايز إيعالي، محمد كريمة، محمد دريعي، وإبراهيم المصري، وأصدرت الجماعة مجموعة من النشرات الدعوية توضح فيها رسالتها.

 

وفي عام 1966م رشحت الجماعة ثلاثة من أعضائها لعضوية مجلس الأوقاف بطرابلس هم: المحامي محمد علي ضناوي، والمهندس عصمت عويضة، والمهندس عبد الفتاح زيادة وفق منهج إصلاحي نُشر على الملأ في ذلك الحين، وقد فاز بعضوية المجلس المهندس عصمت عويضة.

 

وفي عام 1967م رشحت الجماعة اثنين من أعضائها لعضوية المجلس الإسلامي الأعلى هما: الشيخ سعيد شعبان والمحامي محمد علي ضناوي ثم تكرر الترشيح عام 1971م لعضوية المجلس ففاز بالعضوية الأخ المحامي محمد علي ضناوي، وبعدها تكرر الترشيح كذلك ففاز بالعضوية الأخ المهندس عبد الله بابتي.

 

وقد لعبت الجماعة الإسلامية دورًا بارزًا في تنظيم المؤتمر الإسلامي الكبير الذي انعقد في بهو المسجد المنصوري الكبير والذي انبثق عنه (المجمع الإسلامي) في 18 رمضان 1392هـ الموافق 25 تشرين الأول 1972م.

 

وعندما اندلعت الحرب اللبنانية عام 1975 قامت الجماعة بواجبها الإسلامي في كشف خيوط المؤامرة وتوعية المسلمين عليها، وفي تعبئة القوى الإسلامية والتصدي معها للهجمة الطائفية الرهيبة.

 

ولقد انطلقت المقاومة الإسلامية (قوات الفجر) جناح الجماعة الإسلامية المقاوم في لبنان عام 1982م إثر الاجتياح الصهيوني للبنان، والذي نجم عنه احتلال كثير من المناطق اللبنانية، ووصل العدو إلى العاصمة اللبنانية بيروت.

 

مراقبو الإخوان المسلمين في لبنان

الأستاذ محمد عمر الداعوق (1949م- 1962م) كان رئيس جماعة عباد الرحمن عندما كانت الجماعة الإسلامية تحت هذا الاسم.

 

الشيخ الدكتور فتحي يكن (1962- 1992م).

 

القاضي المستشار الشيخ الدكتور فيصل مولوي (1992- 6 ديسمبر 2009م)

 

إبراهيم المصري (6 ديسمبر 2009- حتى الآن).

--------------

للمزيد:

1- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

2- أمل عيتاني، وعبد القادر علي: الجماعة الإسلامية في لبنان، مركز الزيتونة.

3- موقع الجماعة الإسلامية بلبنان.

-----------------

* [email protected]