اجتاز لبنان واللبنانيون النصف الأهم من مراحل الانتخابات البلدية والاختيارية، من محافظة الجبل التي تمتد من شمال لبنان إلى جنوبه يوم الأحد مايو، إلى محافظتي بيروت والبقاع يوم 9 منه، ليرتاح اللبنانيون يوم الأحد (16/5) بانتظار مرحلتي الجنوب ثم الشمال.

 

وقد نجحت الحكومة وقواها الأمنية في الإشراف على انتخابات كانت حرة ونزيهة وشفافة إلى حدّ كبير، بصرف النظر عن تدخل المال السياسي عندما كانت تدعو الحاجة، وعن مدى القدرة على تقديم الخدمات للناخبين، سواء بنقلهم من بيروت إلى قراهم أو العكس، أو تسديد أثمان شرائح هاتفية أو بونات وقود لسيارات لم تتحرك، أو"بدل أتعاب" لتمثيل المرشح داخل قلم الاقتراع أو الانتشار في ساحة المدرسة.

 

وإذا كانت المعارك الانتخابية في الجبل والبقاع حامية الوطيس بين أطراف القوى المسيحية الموالية والمعارضة سابقًا!! فإنها كانت في بيروت (الغربية) أو بمعنى آخر (الدائرة الثالثة) باردة راكدة، مما اضطر لوائح السلطة أو المعارضة إلى تسيير طبّالين وراقصي دبكة (منذ الصباح) حتى يوقظوا المواطنين النائمين يوم عطلة الأحد، أو سيارات تعلوها مكبرات الصوت كي تستنهض الهمم وتطلق الأناشيد الوطنية، مذكرة بشعارات 8 أو 14 آذار/ مارس السالفة. فلماذا هذا الركود السياسي، في العاصمة تحديدًا؟، ولماذا هذا الفتور في الإقبال على ممارسة الواجب الانتخابي، مع أن اللبناني معروف أنه سياسي بطبعه، وتشكل السياسة خبزه اليومي؟!

 

إن لهذا الركود أسبابًا كثيرةً، لكن أهمها هو تفريغ الحياة السياسية وحتى القوى السياسية من مضمونها السياسي، بدءًا بتيار المستقبل الذي كان يوظف كل خطابه السياسي من أجل الوصول إلى "الحقيقة"، حقيقة من قتل الرئيس الشهيد.. فلما تصالح مع خصوم الأمس، وقام الرئيس سعد الحريري بزيارة دمشق وأقام علاقات ودودة مع الرئيس السوري بشار الأسد.. وقبلها سبقه وليد جنبلاط إلى طيّ صفحة الماضي، وجرى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي ضمت معظم القوى السياسية في البلد.. لم يبق ساعتئذٍ سوى القوى المسيحية منقسمة على نفسها، من "التيار الوطني الحر" إلى حزبي "الكتائب" و"القوات اللبنانية".

 

وبما أن المواجهة بين هذه القوى تبقى مقتصرةً على دائرتي الأشرفية والصيفي وتوابعهما، فإن الدائرة الكبرى (الثالثة) من المزرعة والطريق الجديدة إلى البسطة والمصيطبة ورأس بيروت وزقاق البلاط، معظم أصواتها تدعم تيار المستقبل ولائحته الموحدة، المؤلفة من 24 عضوًا، فضلاً عن حشد من المخاتير، وبما أن هذه اللائحة ضمت معظم القوى البيروتية، فإن لوائح غير مكتملة تشكلت، وحاولت قوى المعارضة المنقسمة تسويقها والترويج لها، لكن هذا لم يستطع تحريك الساحة السياسية أو إضفاء طابع سياسي على الانتخابات البلدية والاختيارية.

 

بقيت عوامل بارزة تسببت في ركود المعركة الانتخابية: أولها الحرص على وحدة العاصمة بيروت، مع أن التمثيل المتوازن للمسلمين والمسيحيين فيها يبدو غير منطقي؛ لأن المسلمين يشكلون أغلبيةً في بيروت، والتوازن الطائفي ينبغي أن يعكس واقعًا معاشًا على الأرض.

 

أول مَن اعتمد هذا المبدأ كان الرئيس الراحل رفيق الحريري، واستطاع بوزنه السياسي ضمان نجاح مجلس بلدي مشكل من اثني عشر مسلمًا (سنة وشيعة)، واثني عشر عضوًا مسيحيًّا (من كل المذاهب)، وعلى الرغم من أن هذه المناصفة الطائفية ضمنت وحدة العاصمة واكتساح الساحة البيروتية وأراحت المسيحيين من خلال تمثيلهم لنصف المجلس البلدي، إلا أنها كافأت القوى المسيحية المتحالفة مع تيار المستقبل وأثارت حفيظة خصومهم السياسيين (التيار العوني) بحجة أنهم لا يريدون صدقة من أحد، وأن الأعضاء المنتخبين يمثلون وجهة نظر سياسية واحدة معادية لهم.

 

يُضاف إلى هذا أن هناك أسبابًا موضوعيةً للركود السياسي الذي طبع المعركة الانتخابية، مثل أن تكون الانتخابات يوم الأحد، وهو يوم عطلة، وأن تكون على مشارف فصل الصيف، فإن كثيرين من الناس يغتنمون هذه الفرصة من أجل الذهاب إلى المصايف في الجبال منذ مساء الجمعة، ولا يجد هؤلاء مبررًا يستحق أن يتحركوا بسياراتهم إلى زحمة العاصمة يوم الأحد، طالما أنه لا معركة سياسية تستحق الذكر.

 

أما القول بأن أصحاب الشأن أرادوها معركة إنمائية، فإن الإنماء لا يحتاج إلى معركة ولا إلى انتخابات، وما يبرر هذا التوجه هو أن معظم المرشحين على اللائحة الرئيسية "وحدة بيروت" غير معروفين لدى معظم شرائح المجتمع البيروتي، لا سيما النساء منهم.

 

هناك واقع جديد- قديم، فرض نفسه في معركة الانتخابات البلدية الأخيرة، هي عودة الوزن الكمّي للناخبين المجنسين، بعد أن غابوا، أو غيّبوا، بقرار سياسي عن الانتخابات النيابية السابقة.. ففي شهر يونيو عام 2009م حين جرت الانتخابات النيابية، لم يشاهد المواطنون البقاعيون أرتال الباصات التي قدمت عبر الحدود وهي مشحونة بالناخبين المجنسين المقيمين على الأراضي السورية، وكان ذلك نتيجة تفاهم سوري- سعودي من أجل الوصول إلى توازن نيابي لا يخل بالمعادلة اللبنانية المعروفة "لا غالب ولا مغلوب"، بينما عدّل هؤلاء الناخبون ميزان القوة في قضاءَي زحلة والبقاع الغربي، وتسببوا في دعم تيار سياسي فقد الكثير من وزنه الانتخابي في الدورة النيابية السابقة.

 

وإذا كنا نسترجع ما جرى يومي الأحد من أجل أخذ العبرة، فإن يوم الأحد 30 آيار/ مايو (في انتخابات محافظة الشمال) سوف يشهد حضورًا بارزًا لهذه الظاهرة، خاصةً أن التداخل السكاني في طرابلس وقرى عكار أكبر مما هو قائم في بيروت أو البقاع أو الجبل، خاصة أن الخلل الذي أصاب العلاقات السورية- المصرية والسعودية، تجلى في انعقاد عدد من القمم، السورية الإيرانية، والسورية التركية القطرية، والسورية الروسية.. بينما تعذر عقد أي لقاء سوري مع الرئيس مبارك، مع أن مبرّره كان عيادة الرئيس الأسد للرئيس مبارك في شرم الشيخ بعد الجراحة التي أجراها في ألمانيا.. وهذا ما ينعكس حكمًا على الساحة اللبنانية، نظرًا لأن لبنان عاد ساحة تستقبل ردود الأفعال وتتأثر بها سلبًا أو إيجابًا.

 

بقي القول إن مرحلتي الانتخابات السابقتين مرّتا بسلام، وبتسليم من جميع الأطراف بنزاهتها وحيادية الدولة فيها، وهذا نادر الوقوع ليس في العالم العربي فقط ولكن في معظم انتخابات أقطار العالم. وعلى الرغم من أن كثيرين يعتبرون أن انتخاباتنا- النيابية أو البلدية- تحولت إلى مجرد ملهاة، فلا بأس في ذلك، شرط أن ندفع باتجاه تطويرها، سياسيًّا وإنمائيًّا، على أمل الوصول إلى الأفضل إن شاء الله.

 ---------------------

* الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان