د. محمد جودة

 

يروج النظام المصري بأن طلبه مد قانون الطوارئ لاحتياج مصر له لضبط الأمن والنظام، بالرغم من أن البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك يشمل إلغاء قانون الطوارئ الذي تعيشه مصر منذ عهد الرئيس مبارك؛ أي 30 عامًا، وأن قانون الطوارئ معروف أن احتياج الأنظمة له في حالة الحروب والكوارث والأزمات، ولمدة محددة وبمنطقة محددة وليس فرضه بهذه العمومية الزمانية والمكانية كما في الحالة المصرية.

 

والعجيب أن رئيس مجلس الوزراء تعهَّد أمام مجلس الشعب المصري باقتصار قانون الطوارئ على مكافحة الإرهاب وتجار المخدرات.

 

والملاحظ أن مصطلح الإرهاب غير محدد التعريف والتوصيف القانوني حتى على المستوى العالمي والنظام المصري يمد تعريفه للإرهاب على المعارضين السياسيين، خاصةً جماعة الإخوان المسلمين والحركات الاجتماعية الاحتجاجية في الشارع المصري، ولكن للإخوان المسلمين النصيب الأكبر في تطبيق قانون الطوارئ عليهم لمجرد الاشتباه سواء عن طريق الاعتقال أو العرض على النيابة من خلال قضايا يصطنعها الأمن من خلال محاضر تحريات واهية لا تصلح أن ينظر إليها القضاء.

 

وحينما يعجز الأمن عن تحقيق هدفه من خلال القضاء المصري الشامخ تحول القضايا لمحاكمات عسكرية، ولم نسمع في العصر الحديث عن دولة حتى أقاصي إفريقيا تحيل مدنيين لمحاكمات عسكرية؛ بتهمة قلب نظام الحكم عن طريق التغيير السلمي الديمقراطي الذي تقره الأعراف والمواثيق الدولية، والتي تعطي الحق لجميع الأفراد والهيئات والأحزاب للتحول الديمقراطي وسلاسة الانتقال السلمي للسلطة، كما نرى في جميع دول العالم، ومن يستأثر بالسلطة لا يحافظ على أمن بلده واستقرارها.

 

إن المتتبع لحالة الطوارئ في تاريخ مصر الحديث منذ الحرب العالمية الأولى يجد أن في وقت النظام الملكي كانت تعلن الطوارئ في حالة الحرب مع دولة أجنبية عدا إعلانها أثر اندلاع حريق القاهرة، وفي عهد الرئيس مبارك لا توجد أي حروب أو كوارث أو ظروف استثنائية، فضلاً عن أن الاغتيالات السياسية في العهد الملكي حدثت في وقت الأحكام العرفية، والتي لم تمنع الفدائيين في عهد الاحتلال البريطاني، ولم تمنع الإطاحة بالنظام الملكي، وحوادث العنف المسلح كلها حدثت بمصر فترة التسعينيات في ظل إعلان الطوارئ.

 

والشاهد في ذلك أن قانون الطوارئ لا يحقق أمنًا لمصر، ولكن يحقق أمنًا محدودًا للنظام الحاكم ويُكرِّس الفساد والاستبداد والفقر وقتل الانتماء للمواطن بسبب التجاوزات الأمنية الصارخة.

 

- إن الاستقرارَ بمصر والنظرة الأمنية المحدودة له عن طريق فرض قانون الطوارئ ليس بالرؤية الصحيحة فنشر الديمقراطية بمصر والتداول السلمي للسلطة ومحاربة الفساد والفقر والأمن الاجتماعي هو الذي يحقق الاستقرار وعدم وقوع مصر في فوضى أمنية.

 

- وما حدث في انتخابات الشورى الحالية خير دليل على ذلك، فالأمن يمنع المسيرات الانتخابية، ويعرقل الدعاية لمرشحي الإخوان المسلمين بالرغم من تعهد النظام بعدم استخدام قانون الطوارئ إلا في حالتي الإرهاب والمخدرات.. لقد رأينا جحافل من الأمن المركزي في خمس عربات ومصفحة في دائرة- طوخ-  تحاصر مسيرة مرشح الإخوان المهندس/ محمد دسوقي، وتكرر نفس الوضع في كفر الشيخ والبحيرة والمحافظات الأخرى فأين مصداقية، وتعهَّد النظام أمام مجلس الشعب المصري يوم 14/5/2010م.

 

- وهذا يؤكد ما ذهبت إليه أن قانون الطوارئ الغرض منه إحكام قبضة النظام الحاكم وتفرده بالحكم، ويوصف هذا الشكل القانوني بأنه سيادة بالقانون وليس سيادة للقانون ومعروف أن التعديلات التي أدخلها النظام المصري على العقوبات بدعوى مكافحة الإرهاب منقولة عن قانون موسوليني سيء الذكر؛ حيث ساوت في العقوبة بين الشروع والجريمة التامة ووضعت نصوصًا هلاميةً مثل سلامة المجتمع والإضرار بالبيئة والوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والمحاسبة على النوايا؛ وذلك بهدف تكميم الأفواه والتفرد بالسلطة، وإطلاق يد الأجهزة الأمنية لقمع المعارضة، خاصةً الإخوان المسلمين.

 

خلاصة القول:

إن قانون الطوارئ لا يخدم مصر ولا يحقق أمنها، ولكن يحقق تفرد النظام الحاكم بالسلطة بشكلٍ قانوني، وأن النظام لن يقصر تطبيق قانون الطوارئ على الإرهاب والمخدرات، كما يدعي لأن هناك نصوصاً كثيرةً في قانون العقوبات؛ لذلك فلا حاجة لقانون الطوارئ.

 

وأهمس في أذن النظام المصري أن الأمن لا يتحقق بذلك، ولكن بالحوار المجتمعي والتداول السلمي للسلطة ومحاربة الفساد وقيامه بأعباء الحكم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي إن كان النظام يريد لمصر الخير والأمن والأمان.. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام).