وضعنا العدو أمام حجمنا الحقيقي، رسم بأصابع وحشيته صورةً لوجوهنا، رمانا بقواته البحرية ومروحياته الجوية أمام مرآة الواقع لنطالع ملامحنا.

 

أعرفها وتعرفونها.. إنها صورتنا "نحن" بضمير الجمع ليستوي في ذلك الجميع، لا تستثني أحدًا.. "نحن" الحكام والمحكومين.

 

"نحن" الكبار والصغار..

 

"نحن" الجلادين والمجلودين..

 

"نحن" السجانين والمسجونين..

 

"نحن" القضاة والمتهمين..

 

"نحن" المتظاهرين وعساكر الأمن المركزي المترقبين..

 

"نحن" الصانعين لقانون الطوارئ وتعديلات الدستور وتوريث الدول والشعوب.

 

و"نحن" المحكومين بالطوارئ والصامتين على دساتير وقوانين ولوائح مفروضة والمُسلّمين أمرنا لأمراء رقيق جدد في مزاد إنسان القرن الحادي والعشرين!

 

نحن المشاركين للسفاح في مجازره بانكسارات عيوننا أمام أنظمةٍ لا تعرف الخجل..
نحن مَن سنَّ للقاتل نصاله الغادرة ساعة بعنا فلسطين بلقيمات عيش مملوءةٍ رمالاً دفنا رءوسنا فيها.

 

نحن مَن لطخت دماء فلسطين ثيابهم فسارعوا للسفاح يطالبونه بمساحيق غسيل لإزالتها فأهدانا مسحوقًا يزيل الدماء من على الملابس ويبرد ما تبقَّى منها في العروق.

 

نحن مَن يجمع أشلاء فلسطين ليعيد تمزيقها بمقصات السياسة والرقابة والمعاهدات والمحادثات وضبط النفس، وبيعها أحيانًا ووأدها أحيانًا أخرى.

 

نحن مَن تتسع عيوننا أثناء حواراتنا مع بني جلدتنا وتسجل آذاننا كل نجوى تدور في العقول دليل إدانة على معارضة أنظمتنا، بينما نصاب بالعمى حين يرتع العدو في شوارعنا وأزقتنا وغرف نومنا؟؟ ونقطع آذاننا حين تحاول أن تسمع صوت صراخ أطفالنا، والعدو يسرق ما تبقَّى من أعضائهم التي لم يأكلها جوع الحصار، أو حين يعلو خوار المذبوح على مذبح الصمم المقدس.

 

نحن مَن يمد يده للعدو حين يتعثر في مشيته على أرضنا حتى لا يسقط بينما نقطع أيدينا إن امتدت إلى قصعتنا تطلب لقمة تسد بها رمق جوع طويل.

 

نحن مَن يأوي إلى فراشه آخر كل يومٍ فلا تدفئ أطرافه كل أغطية العالم بفعل صقيع السلبية واللا مبالاة، ولا تبرد حرارة الجو من حوله أقوى أجهزة التكييف بسبب سعير عمليات الاغتصاب التي نتعرض لها على كافة حرمات حياتنا التي كانت ذات يوم مقدرات وخيرات وأعراضًا ومقدسات وحرية.. التي كانت ذات يوم: حياة.

أليست هذه هي ملامحنا؟؟؟

 

كلنا في ذات القفص، دجاج مذعور.. وثانٍ جائع.. وثالث متألم.. ورابع ثائر.. وخامس يظن أنه ديك ليس ككل الديوك.. وسادس مستبد.. وسابع يدَّعي أنه الديك الشركسي.. وثامن يرتدي ثوب الزعامة، وتاسع يبتهل، وعاشر يفاوض مباشرةً أو بغير مباشرة، وغيرهم كثر من دجاج يلعب الأدوار إلى أن تمتد يد الثعلب للقفص لتسرق دجاجة أو تغتال ديكًا أو تغتصب كتكوتًا.. إنه مصير الفراخ في قفص الفخاخ!

 

وحدهم قرروا الفرار من القفص.. من الحظيرة.. من ملامحنا.

 

ركبوا السفينة قاصدين ملامحهم..

 

ركبوا السفينة حاملين مددًا للجوعى وروح الإنسان..

 

ركبوا السفينة متسلحين بإرادةٍ ودعناها "نحن" وبدروعٍ من رحم حواء الأم الأولى لنا "نحن".

 

ركبوا السفينة ووجهوا وجوههم صوب إلهٍ واحد كل يصلي له صلاته دون كفر بقدرته على نصرة المظلوم حين يسلمه بنو البشر.

 

ركبوا السفينة فطوع لهم البحر موجه ساعة استشعر أنهم موجة جديدة تسري فوق ظهره.. موجة لا تنكسر.

 

وتمنيتُ أن أكون تركيًّا يهرب من مواتنا بالحياة مع رصاصات العدو حين يستقبلها بصدرٍ ينتفض لإنسانيته في مواجهة وحوش النجمة السداسية.

 

أو أكون إنسانًا يهرب من شراك تسلب منه إنسانيته إلى رحابة الإحساس على ظهر إحدى سفن أسطول الحرية.

 

أو أكون شربة ماء على ظهر هذا الأسطول لتنال شرف السريان في أحشاء حية وعروق متقدة وقلوب نابضة.

 

أو أكون مجرد مسمار في سفينة عز تجري نحو مرسى الحياة.

 

تمنيتُ أن أكون هناك لأثبت لنفسي أن لديَّ مشاعر الإنسان وعواطف الإنسان وإصرار الإنسان وقدرة الإنسان على البقاء.

 

تمنيتُ أن أكون هناك.. ولكن المصيبة أني لم أكن هناك ولا أنتم كذلك، والطامة الكبرى أنني أيضًا- شأني شأن كثير من المسلمين والعرب- لستُ هنا!.

-------------------

* رئيس تحرير (إخوان أون لاين).