د. محمد أحمد جميعان

 

في التاريخ أحداث تشكِّل مفصلاً تحيي أمة، وتشكِّل منعطفًا، وكأنها قدر يساق لأمر عظيم سوف يحدث في الكون، ولكن القدر حين يساق لا بد من بشر يستثمره ويحمل رسالته، والصالحون الشرفاء الذين هم عنوان أمتهم في كل مرحلة هم المكلفون بحمل الرسالة، وهم الذين يعمر الإيمان قلوبهم، يؤمنون بالقدر، ويحملون الأمانة في مقارعة الشر والظلم وأهله.

 

لقد سال الدم التركي والعربي الطاهر معًا على سفينة "مرمرة" التركية في سبيل غزة المحاصرة في مشهد بطولي خالد قلَّ نظيره يذكِّرنا بأمجاد العثمانيين الذين وحَّدوا الأمة تحت راية الإسلام؛ أربعة قرون لم يساوموا ولم يهادنوا ولم يبيعوا مترًا واحدًا من الأمانة ومن أرض فلسطين، ونحن نتذكر ما عُرض على السلطان عبد الحميد من إغراءات لإعطاء جزءًا من فلسطين.

 

هذا الدم العزيز هو عنوان مرحلة عنوانها إحياء الأمة؛ لتعود من جديد، لا مذهبية دينية، ولا عنصرية قومية، بل أمة إسلامية واحدة، توحد دمها، وهي تلتقي على أرض فلسطين التي لعب بها من لعب، ولغ فيها من ولغ، وها هو التاريخ يعيد نفسه في حدث يشكِّل منعطفًا، وكأنه قدرٌ يساق لأمر عظيم؛ ليلتقي دم حزب الله في لبنان وحماس والجهاد في غزة مع الترك العثمانيين وكل الشرفاء الذين سالت دماؤهم من حرب الكرامة وأبطالها وشهدائها إلى أبطال أسطول الحرية وشهدائها، وما بينهما من بطولات وشهداء سطَّرتها المقاومة تحت عنوان واحد.. إحياء أمة وتحرير فلسطين.

 

لقد اعتدى الكيان الصهيوني بعنجهيته المعهودة على مدنيين وبرلمانيين ورجال دين وحقوق إنسان في مهمة إنسانية من 30 دولة إلى بقعة محاصرة وضعها الكيان الصهيوني في سجن مغلق لأكثر من مليون ونصف المليون من البشر، وأقدمت على حماقة صهيونية معهودة، ولكن هذه المرة جلبت على نفسها غضب الروس والصين والأوروبيين وشعوب العالم قاطبةً، وأصبحوا يطالبون لأول مرة وبقوة لرفع الحصار فورًا، ولكن الأهم دماء الشهداء التي سالت أحيت أمة، وحرَّكت الشعوب ووضعت الكيان الصهيوني في مأزق يضاف إلى حال الارتباك الذي تعيشه.

 

فلا نجهد أنفسنا في رجاء في غير محله، وهتافات في غير مكانها، فالأنظمة الرسمية حسمت أمرها ولن تغير مواقفها مهما بحت الحناجر، ولوحت الأيدي واتعبت الخطى بالمسيرات، إلا إذا أدركت أن مصلحتها المباشر في معاقبة الكيان الصهيوني أو مقاطعته أو دعم المقاومة على الأقل، وهذا لن يكون إلا بعد أن يرى الكيان الصهيوني يتهاوى أو ينهزم أمام عيونها، وعندها لا حاجة لنا بمواقف هذه الأنظمة.

 

فاتجهوا بالرجاء إلى المقاومة ورجالها وكل الشرفاء في العالم الذين يقفون معها ويساندونها، فهم يحملون الأمانة، وهم من يضحُّون بدمائهم، وهم من يصنعون النصر القادم.. إن زخم الرجاء للمقاومة والشرفاء يوفِّر لهم قاعدةً شعبيةً وسياسيةً ومعنويةً، تجعلهم قادرين على العمل من أجل إدامة ظل هذا الدم العزيز الذي أريق وهمْ من سوف يشعل وقوده، ولهم الرجاء للقيام بهذه الأمانة.

 

وليكن العمل في اتجاهين؛ الأول: يتولاه الشرفاء في العالم ليسيروا مزيدًا من القوافل والأساطيل والسفن إلى غزة بشكل أكبر وأعظم، ولنرَ ما يفعله الكيان الصهيوني مع هذا الإصرار، وقد كان الشريف رئيس الوزراء التركي أردوغان في خطابه أمام البرلمان حاسمًا وحازمًا في هذا المجال، عندما أكد أنهم لن يديروا ظهرهم إلى غزة، بل إنهم مصممون على رفع الحصار عنها، ولنكن سندًا لهذا الصوت والفعل القوي من تركيا وقيادتها الرسمية.

 

والثاني: تتولاه المقاومة، وللمقاومة أقول: أنتم أدرى بتقدير الموقف لديكم، وتقييم الواقع الميداني والاستخباري مع العدو، إضافةً إلى الوضع السياسي في المنطقة، ولكن حجم الزخم التعبوي الذي صنعه الأبطال على متن أسطول الحرية، وشعلة الشهداء ودماؤهم الزكية الذي وحَّد الأمة وأحيا فيها الروح يجب أن يستثمر، وأنتم الأقدر على إدامة هذا الزخم التعبوي واستثماره في عمليات مؤلمة ومؤثرة وكبيرة في عمق هذا الكيان الغاصب، وأنتم بهذا تديمون ظل الدم الذي أزهق ظلمًا وجورًا، وتعظِّمون الزخم التعبوي الذي نتج من ذلك، وتشعلون وقوده لاجتثاث كيان تجبَّر وتمادى وفقد البوصلة وكل قواعده، ولقد أصبح انهياره حقيقةً يصنعها الشرفاء.

----------------- 

* www.drmjumian.co.cc