كان من أهداف الإمام البنا الوصول بدعوة الإخوان للعالمية، ونشر هذه المفاهيم الشاملة في كل مكانٍ على وجه الأرض، وكانت انطلاقته لذلك مع أول رحلة حج له عام 1936م، ولقد تفاوتت الشعوب والحكومات في تقبل هذه الدعوة، غير أنه من المعروف أنها أخذت طريقها لكثيرٍ من الدول العربية والإسلامية، ومنها سوريا، والتي حظيت بكوكبة كبيرة من رجال الدعوة والحركة الإسلامية أمثال الدكتور مصطفى السباعي، وبهاء الدين الأميري، والشيخ مصطفى الزرقا، وعبد الفتاح أبو غدة، وغيرهم الكثير.

 

ولقد عرفت الدعوة طريقها لسوريا عام 1936م فيقول في ذلك الأستاذ بهاء الدين الأميري:
"وفي عام 1355ﻫ الموافق 1936م كان للدعوة تشكيلاتها غير المرخص بها، ومراكز اتصالات ضمن نطاق ضيق، وفي أكثر البلاد السورية، وفي عام 1356ﻫ/ 1937م، أُسِّس في حلب أول مركز مرخص للجماعة، وذلك رغم تضييق الاستعمار الفرنسي الغاشم، وبدأت منذ ذلك الوقت الاتصالات الوثيقة مع الإخوان المسلمين ولا سيما فضيلة المرشد العام".

 

ولقد بعث الإمام البنا الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي والأستاذ محمد أسعد الحكيم إلى سوريا وفلسطين ولبنان؛ لنشر الدعوة وتوضيح الفكرة في بلاد الشام، فكانت أول بعثة للإخوان المسلمين في الأقطار الشقيقة، وكان ذلك في 5 من جمادى الأولى 1354ﻫ الموافق 5 أغسطس 1935م، وكان في صحبتهما الزعيم التونسي الأستاذ الثعالبي، ولقد خطب الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي خطبة الجمعة على منبر المسجد الأموي.

 

وفي حصر شعب الإخوان الصادر في يونيو 1937م وجد أنه في سوريا 4 شعب، وهي شعبة دمشق ومندوبها الشيخ عبد الحكيم المنير الحسيني، وشعبة دير الزور ومندوبها محمد سعيد العارفي، وشعبة حيفا ومندوبها محمود أفندي عزت النحلي، وشعبة حلب ومندوبها الشيخ محمد جميل العقاد.

 

يقول الأستاذ جمعة أمين عبد العزيز: بداية من عام 1933م كانت بداية ظهور الفكرة الإسلامية عامة، والتي غذَّتها الأفكار الإخوانية وعملت على نموها وازدهارها، ومرورًا بعام 1935م ذلك العام الذي حرصت فيه قيادة الإخوان على إرسال مندوب لها إلى الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية تأصيلاً لجذور الدعوة الإخوانية.

 

أما بداية عام 1937م فقد استطاع الإخوان تأسيس أول مركز مرخص للجماعة في حلب تحت اسم: دار الأرقم، أي أن النشأة الرسمية للإخوان في سوريا كانت عام 1937م، وكان من أبرز المؤسسين: الأستاذ عمر الأميري، والأستاذ عبد القادر الحسيني، والأستاذ أحمد بنقسلي، والأستاذ فؤاد القطل، والشيخ عبد الوهاب الطونجي، والأستاذ سامي الأصيل.

 

أما في دمشق فتأسست جمعية الشبان المسلمين، وكان على رأسها الشيخ محمد المبارك، ومن أعضائها الدكتور فايز الميت، والأستاذ محمد خير الجلاد، والأستاذ بشير العون، والدكتور زهير الوتار.

 

أما في حمص فأُسست جمعية الرابطة، وكان سكرتيرها العام الدكتور مصطفى السباعي.

 

أما في حماة فأُسست جمعية "الإخوان المسلمون"، وكان من أبرز مؤسسيها الشيخ محمد الحامد الحموي، والتي أُنشئت عام 1939م، وكان الشيخ محمد الحامد يرتبط بعلاقة قوية مع الإمام البنا.

 

ويقول عنه الأستاذ سعيد حوى: "كان الشيخ محمد الحامد يعتبر الإخوان المسلمين هم الفئة التي يجب أن تدعم، وكان حريصًا على إيجاد صيغة من التلاقي بين الإخوان المسلمين والعلماء والصوفية".

 

كما أُسست مراكز في بعض بلاد الغرب، والتي كان يجتمع فيها بعض الدارسين، وكان من أبرزها جمعية دار الأرقم في حلب وباريس، والتي أسسها الأستاذ عمر بهاء الأميري.

 

وكانت هذه الجمعيات المختلفة الأسماء وثيقة الصلة بجميع الحركات الوطنية والإصلاحية العربية والإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، وكانت تشكل بمجموعها جماعة واحدة مع تعدد الأسماء، واتفقت فيما بينها على التسمي بـ"شباب محمد".

 الصورة غير متاحة

 عبده مصطفى دسوقي

 

وعقدت هذه الجمعيات عدة مؤتمرات، منها: مؤتمر في حمص سنة 1937م، ولما عُقد المؤتمر الثالث بدمشق سنة 1938م كانت الجماعة قد قطعت شوطًا بعيدًا في التنظيم، وقد قرَّرت في هذا المؤتمر اتخاذ مركز رئيسي لسائر الجمعيات يكون مركزه دار الأرقم في حلب، وأخذ نطاق الأعمال يتسع تدريجيًّا، ومؤسسات الجماعة تتركز مع الأيام.

 

وفي سنة 1943م عُقد مؤتمر رابع في حمص اشترك فيه ممثلو المراكز في سوريا ولبنان، وأقر بقاء (دار الأرقم) في حلب مركزًا رئيسيًّا، واتخذ قرارات ذات لون جديد، كإحداث منظمتي السرايا والفتوة في كل مركز، والعناية بالناحيتين الرياضية والاقتصادية إلى جانب النواحي الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والقضايا الإسلامية والعربية العامة.

 

وفي صيف 1944م انتدب قسم الاتصال بالعالم الإسلامي الأخوين الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي أفندي والأستاذ عبد الحكيم عابدين أفندي لزيارة الأقطار العربية الشقيقة بالشام والعراق، وقد أشار الأستاذ عمر الأميري لذلك فقال: "ومنذ عام (1364ﻫ/ 1944-1945م) ازدادت العلاقات والاتصالات بين إخوان مصر وسوريا على إثر تبادل الزيارات والوفود والبعثات التي أفادت كثيرًا في توحيد أساليب العمل، وتنسيق وجهات النظر العامة والخاصة، حتى أصبحت دعوة الإخوان في مصر اليوم دعامة معنوية عظيمة للإخوان في سوريا ولبنان".

 

وبالفعل عقدت الجمعيات المختلفة لشباب محمد مؤتمرها الخامس في حلب في ذي الحجة سنة 1364ﻫ، الموافق نوفمبر 1945م، وقررت إلغاء المركز الرئيسي في حلب، وتأليف لجنة مركزية عليا في دمشق مشكلة من ممثل عن كل مركز أو جمعية، واتخذت لها مكتبًا دائمًا، وجعلت على رأس هذه اللجنة مراقبًا عامًّا، هو الشيخ مصطفى السباعي، وتعقد اجتماعات دورية لتباشر الإشراف على الفروع المختلفة، كما تم الاتفاق- بالتنسيق مع الإخوان في مصر وفلسطين- على توحيد أسماء الجمعيات باسم (الإخوان المسلمين)، وعلى توحيد النُّظم فيها، وبذلك دخلت دعوة الإخوان في سوريا ولبنان مرحلة جديدة موحدة الاسم والأهداف والنظم القوية الفاعلة.

 

وعندما حضرت الوفود العربية إلى مصر عام 1945م لدعم سوريا ولبنان في محنتيهما ضد فرنسا استقبلها الإخوان، وحيَّاهم الأستاذ السكري باسم الإخوان، وفي اليوم التالي احتشد الإخوان المسلمون في جامع الكخيا بميدان الأوبرا في صلاة العصر، وصلى بهم الأستاذ المرشد إمامًا وخرجت مظاهرة تطالب باستقلال سوريا ولبنان.

 

وفي نفس العام أرسل الإخوان بعثة طبية، وكان على رأسها الدكتور محمد سليمان رئيسًا، وصاحبهم الأستاذ عبد الحكيم عابدين سكرتيرًا للبعثة، وسافرت البعثة بعد أن ودعهم مكتب الإرشاد وإخوان القاهرة وفرق الجوالة.

 

وقد وصلت البعثة الطبية إلى دمشق، وافتتحت عيادة خارجية بلغ عدد الذين يختلفون إليها يوميًّا نحو مائتين، يُجرى لهم الكشف الطبي، ويمنحون الدواء بلا مقابل، وقد أقامت بعض الجمعيات حفلات تكريم للإخوان منها "الجمعية الغراء"، و"جمعية الشبان المسلمين"؛ حيث أقامتا حفلتي شاي تكريمًا للبعثة التي حضرها الوزراء والعلماء والأعيان.

 

كما شارك بعض أبطال الدول العربية في مباريات الإخوان في الملاكمة مثل اللاعب عبد الوهاب الدكسي بطل سوريا الذي شارك مع فريق ملاكمة إخوان الإسماعيلية.

 

وعندما اندلعت حرب فلسطين شارك الإخوان في مصر وسوريا وكثير من البلاد في التصدي للصهاينة، كما زار فضيلة الإمام البنا سوريا؛ وذلك صباح يوم الأربعاء 13 من جماد الأول 1367هـ الموافق 23 من مارس 1948م، كما استقبل في فندق أوريان كوكبة من رجالات سوريا وعلمائها مثل الأستاذ مصطفى السعدني سكرتير المفوضية المصرية بدمشق، والأستاذ كامل الحمامي، والأستاذ بهاء الدين الأميري، والأستاذ معروف الدواليبي أحد نواب الإخوان في البرلمان السوري، والأستاذ محمد المبارك الأخ النائب البرلماني، والأستاذ عبد الحميد الطباع عضو جمعية القراء، والأستاذ مصطفى الزرقا الأستاذ بمعهد الحقوق، والدكتور عارف الطرقجي رئيس مؤسسة الطب الشرعي، وغيرهم.

 

وقرّر الإخوان خوض انتخابات عام 1947م بمباركة الإمام حسن البنا بـ4 مرشحين فاز منهم: الشيخ معروف الدواليبي عن حلب، ومحمود الشقفة عن حماه، ومحمد المبارك عن دمشق، وأمام صعود الإسلاميين قام الزعيم حسني الزعيم بالانقلاب الأوّل مدعومًا ببقايا ضباط جيش الشرق الفرنسي وبتخطيط أمريكي، ثم قام العقيد سامي الحناوي بالانقلاب الثاني وأجرى انتخابات نيابيّة فاز الإخوان فيها بعشرة مقاعد، وشكّلوا مع حلفائهم كتلة برلمانيّة كان لها تأثيرٌ كبيرٌ على مجرى الأحداث الداخلية والخارجية.

 

وعني الإخوان بالتعليم، ودافعوا عن حقوق الفلاحين، ورفضوا استغلال كبار الملاكين لهذه الطبقة المحرومة، وحالوا دون توسّع الزحف التبشيري بإنشاء عدد من المعاهد والمدارس في المدن السوريّة، واستعانوا بعددٍ من المربِّين والمدرّسين الأكفاء، وهيَّأ الإخوان الفرص للالتحاق بمدارسهم الليليّة.

 

أمّا القضيّة الفلسطينيّة فقد كانت القضيّة المركزيّة للجماعة وشغلها الشاغل، وبعد حل الإخوان في مصر واعتقال قادتهم واغتيال مرشدهم حسن البنا عمل الإخوان على مبايعة الدكتور مصطفى السباعي؛ ليكون مرشدًا عامًّا غير أنه رفض وقال: إن مصر بها رجال يستطيعون تحمل هذا الأمر.

 

وبعد انقلاب حسني الزعيم في 30/3/1949م أرسل الإخوان المسلمون له مذكرة في 9/4/1949م طالبوا فيها العمل بمبدأ الشورى، والإسراع بعودة الحياة الدستوريّة، وتطهير أجهزة الدولة من الفاسدين، وتقوية الإيمان وبثِّ الأخلاق، وتعبئة الأمّة لمواجهة الأخطار، والاهتمام بالجيش وتحصينه بالمثل العليا، وتوجيه الثقافة بما يتوافق ومواريث الأمّة، وتطوير نظام اقتصادي عادل.

 

وبعد الانقلاب الثاني في 14/8/1949م بقيادة سامي الحناوي كان موقف الإخوان كما ذكر الأستاذ سعد الدين عدنان: شكَّل الإخوان مع بعض الجماعات الإسلاميَّة جبهةً موحّدةً خاضت الانتخابات تحت اسم: الجبهة الاشتراكيّة الإسلاميّة، وأعلنت في بيانها الانتخابي أنّها سوف تعمل لتحقيق الاشتراكيّة- العدالة الاجتماعيّة- التي دعا إليها الإسلام، وإلى توثيق الروابط بين الدول العربيّة، وحماية استقلالها ضدّ المؤامرات الإمبرياليّة.

 

وضمّت قوائم الإخوان في دمشق وبقيّة المحافظات عددًا من الشخصيّات البارزة المشهود لها بالوطنيّة من المسلمين والنصارى.

 

وفازت قائمة الجبهة في دمشق فوزًا ساحقًا، وكانت النتائج خارج العاصمة مشجّعة، وفَشِل عفلق وبكداش، وتشكّلت حكومة برئاسة خالد العظم، شارك الإخوان فيها بحقيبة الأشغال العامّة والمواصلات التي أُسندت لمحمد المبارك، الذي كان مرفأ اللاذقيّة في مقدمة إنجازاته، ومن الجدير بالذكر أنَّ المبارك تقلَّد 4 وزارات كان فيها مثلاً طيبًا في تمثيل الإخوان المسلمين في البرلمان من حيث الأداء والإبداع، والتصدي للفساد والانحراف، والدفاع عن حقوق العمال.

 

ولقد خاضت الجماعة معارك سياسيّة وفكريّة للحفاظ على الهويّة العربيّة الإسلاميّة ضدّ المتغرّبين والعلمانيين من فلول اليسار السوري.

 

وبعد انقلاب الشيشكلي أُصدر قرار بإغلاق مراكز الإخوان المسلمين في سوريّا في 17/1/1952م، وزُجَّ بقادتها في السجون، وقُمعت المظاهرات الطلابيّة بقسوة، وأُصدر مرسوم حظر بموجبه على الطلاب ممارسة أي نشاط سياسي.

 

وانتهى نظام الشيشكلي كما ينتهي كل نظام متسلّط فاسد، واستسلم الشيشكلي لقادة التمرّد دون مقاومة في 24/2/1954م، وكان الإخوان في طليعة القوى السياسيّة التي أيَّدت الانقلاب، ودخل الرئيس هاشم الأتاسي دمشق، واستأنف سلطاته الدستوريّة كرئيس للجمهوريّة.

 

وعمل الدكتور مصطفى السباعي على توحيد الصفوف وتنظيم الإخوان في سوريا حتى عام 1963م.

 

قفز حزب البعث إلى السّلطة من خلال انقلاب 8 من مارس 1963م الذي عمد بعدها إلى مصادرة الحريّات العامة، فحلّ الأحزاب السياسية، وأغلق الصحف، وفرض الأحكام العرفيّة، وحجر على حرية الفكر والتعبير، واحتكر جميع وسائل الإعلام لنفسه، وألغى كل دور للمعارضة السياسية.

 

وعلى الرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين لم تبدِ خلال هذه الفترة أي معارضة عنيفة ضد النظام، إلا أن السجون لم تَخْلُ من معتقلين إسلاميين (وخاصةً من الإخوان)، كانوا يتعرضون لأقسى أنواع التعذيب، وكانوا يُعتقلون في أسوأ الظروف التي تُهدر فيها آدمية الإنسان.

 

وعمد النظام في هذه المرحلة إلى عمليات تصفية متعمدة لبعض المعتقلين دون أن يُقدموا لأي محكمة.. نذكر منهم، الشّهيد حسن عصفور، والشّهيد مروان حديد، والفتاة المسلمة غفران أنيس، وغيرهم.

 

كما أصدر القانون (49) وذلك في 7 من يوليو عام 1980م، والذي تنصّ مادّته الأولى على ما يلي: "يُعتبر مجرمًا ويُعاقب بالإعدام كلّ منتسبٍ لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين".

 

وظل يمارس سياسة الأرض المحروقة في المحافظات السوريّة، فكانت مذابح تدمر وجسر الشغور وجبل الزّاوية وحلب وسرمدا، وكانت كبرى هذه المجازر مجزرة حماة المروّعة عام 1982م، والتي ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء.

 

ومراقبو الإخوان المسلمين منذ نشأتها في سوريا هم:

1- الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (1945-1964م) أول مراقب عام للإخوان المسلمين بسوريا ولبنان.

2- الشيخ سعيد حوى (1979-1982م).

3- الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (1986- 1991م).

4- الدكتور حسن هويدي (1980) و(1991م).

5- الأستاذ علي صدر الدين البيانوني (1996- حتى الآن).

----------

* للمزيد:

1- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

2- إسحاق موسي الحسيني: الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة، دار بيروت، الطبعة الأولى، 1952م.

3- سعيد حوى: هذه تجربتي وهذه شهادتي، مكتبة وهبة، 1987م.

4- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

5- المركز الإعلامي لجماعة الإخوان في سوريا.

--------------------

** [email protected]