بقدر ما تألمنا وحزنّا لما حدث من عدوان صهيوني غاشم على أسطول (الحرية لغزة) مما أسفر عن ارتقاء شهداء وإصابة العشرات من المتضامنين مع شعب فلسطين المحاصر في غزة الأبية، واستيلاء الجيش الصهيوني على السفن وما تحمله من دعم ومؤن ومساعدات إنسانية، رغم كل هذا فإنني أثقُ بأنّ الله تعالى أراد لهذه القضية أن تبعث من جديد وأن تتسع الدوائر المساندة للحق الفلسطيني والمناهض للكيان الصهيوني الغاصب.

 

المنح تأتي في طيات المحن، بل تأتي معها كما نفهم من قول الحق تبارك وتعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح)، ونحن على يقين أن الدماء الزكية التي سالت لن تضيع سُدى، بل هي وقود انكسار الحصار وانحسار الاحتلال وزوال دولة الباطل، لقد تعرت إسرائيل أمام الضمير العالمي الذي طال انخداعه فيما مضى والذي كان يناصر دومًا الموقف الإسرائيلي، لقد كشف الاعتداء الغاشم وجه إسرائيل القبيح أمام العالم وأوقع حلفاءها في مأزق يصعب الفكاك منه.

 

 ومن هنا نفهم ردود الأفعال التي أعقبت العدوان على أسطول الحرية والتي أدهشت الكثيرين مما يجعلنا أمام لحظة تاريخية كافية لتصحيح الأوضاع في المنطقة وقد تنقلنا إلى مواقف متقدمة ما كان يحلم بها المتفائلون، على سبيل المثال لا الحصر: ما صرح به نائب رئيس الوزراء البريطاني نك كليغ بأن ما يحدث في غزة كارثة إنسانية، وإذا كنا في حاجة لأي تأكيد على أن الحصار المفروض على غزة غير مبرر وغير مقبول، فقد ذكرنا الهجوم على قوارب المساعدة بذلك وبضرورة رفع هذا الحصار.

 

 وقريبًا من هذا ما صرحت به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بضرورة إنهاء الحصار المفروض من جانب العدو الصهيوني على غزة ووصفت الوضع هناك بأنه غير سليم لدواعٍ إنسانية، واليوم يطالب الأمين العام للأمم المتحدة برفع الحصار عن غزة فورًا، وهو ذات الطلب الذي أكده وزير الخارجية الصيني، وغير ذلك كثير.

 

ما دلالات هذه التصريحات الجديدة على الساحة الدولية؟

العدوان الأحمق على سفن المساعدة أحدث هزة عنيفة وصدمة تاريخية أوقفت الجميع أمام الحقيقة دون خداع أو تضليل وهم يسارعون لغسل أيديهم من خطايا إسرائيل والتبرؤ من عدوانها الأحمق، ومن هنا أقول إنّ الدعوة لإنهاء الحصار على غزة تزداد قوةً واتساعًا وأنصارًا وهذه بعض تجليات المحنة التي ألمت بالشرفاء الكرام أصحاب الضمير الحي الحر الذين شاركوا في أسطول الحرية، فإن كانوا لم يصلوا إلى غزة كما أرادوا لكسر الحصار عنها فقد تحقق لهم ما هو أكثر من هذا؛ تحقق لهم ولفلسطين وأهلها عودة الروح للقضية الأم وتصحيح بعض الأوضاع والمواقف الحاسمة.

 

فداحة العدوان شجعت الدول العربية على اتخاذ مواقف جادة

وهذا ما حدث في اجتماع مجلس الجامعة العربية بالقاهرة أمس وأسفر عن عدة قرارات منها: اتفاق وزراء الخارجية العرب على رفع موضوع الحصار على غزة إلى مجلس الأمن، في الوقت الذي فتحت فيه مصر معبر رفح لأجل غير مسمى.

 

أما الموقف التركي فهو الأقوى والأشرف سواء التصريحات المنسوبة للسيد رجب طيب أردوغان- رئيس الوزراء التركي- أو وزير الخارجية التركي مما زاد الموقف سخونةً واشتعالاً لا سيما وأنّ السفينة الرئيسية في الأسطول تركية وترفع العلم التركي وعلى متنها عدد كبير من المواطنين الأتراك سقط منهم عدة شهداء وجرحى مما أغضب الشعب التركي كله وليس الحكومة وحدها.

 

توقفت أمام التصريح الأخير لوزير الخارجية "أوغلو" حيث ربط بين عودة العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني لطبيعتها وبين رفع الحصار عن غزة وتشكيل لجنة تحقيق دولية لبحث اعتداء البحرية الصهيونية على أسطول الحرية، وضرورة تعويض كافة الشهداء والجرحى والمتضررين من جراء هذا العدوان الأحمق.

 

ما سبق يجعلنا نقرر أنّ العدو الصهيوني وحلفاءه في مأزق، وخسارتهم فادحة، وربّ ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.

 

العدوان الأحمق أزعج الداخل الصهيوني وخاصة الإعلام

 بقدر ما أصابنا الألم من جراء هذا العدوان تعرض لمثله الداخل الصهيوني وخاصة الإعلام، ومن ثمّ لاحظنا حالة الانزعاج والقلق تسيطر على بعض وسائل الإعلام وخاصة الصحف الرئيسية مثل (هاآرتس)، و(يديعوت أحرونوت) حيث خرجت العناوين الرئيسية بالأمس تتهم حكومة نتنياهو بالفشل الذريع في التعامل مع أسطول الحرية، وتؤكد أنّ ما حدث هو فشلٌ استخباراتي أتبعه فشل عملياتي وفشل عسكري قاد إلى فشل سياسي.

 

 وتدعي صحيفة (يديعوت أحرونوت) "أن حركة حماس قد حققت نصرًا هائلاً دون أن تطلق صاروخًا واحدًا".

 

وعبرت الصحف الصهيونية عن خيبة أملها في وحدة النخبة ووصفت العدوان بالورطة والكمين وأنه النحس ووصمة العار في جبين الكيان الصهيوني، بل وطالبت باستقالة وزير الدفاع إيهود باراك فورًا وفتح تحقيق رسمي لتحديد المسئولية عن هذا الفشل الذريع.

 

ونحن نتمنى على الله تعالى أن يديم عليهم الفشل الذريع حتى يصلوا إلى الزوال السريع وما ذلك على الله بعزيز.

-----------------------

عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين