ما جدوى البكاء والشكوى؟ ما جدوى الذهاب إلى مجلس الأمن؟ ما جدوى أن يُصدر مجلس الأمن قرار إدانة العدو الصهيوني- وهو لن يفعل-؟ ما جدوى اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية؟ ما جدوى فضح الكيان الصهيوني أمام المجتمع الدولي؟

 

هذه مصطلحات لا معنى لها- إذا كان العدو الصهيوني هو المجرم المطلوب محاكمته، وهذه هيئات أنشئت للضحك على الأغبياء والضعفاء.

 

هذه الهيئات لم تقدم لنا في التاريخ كله شيئًا ينصفنا، أو يدفع العدوان عنَّا، أو يحرر أرضًا لنا.

 

هذه هيئات اخترعها الغرب كما اخترع الكيان الصهيوني ضمن منظومة صراعه التاريخي ضد أمتنا.

 

وحتى لو كانت لهذه الهيئات بعض الحسنات الإنسانية، فهي مقصودة لكي يقل حجم الغضب عند الضحايا، ويفلت المجرم من ردِّ الفعل الحقيقي الذي قد يفكر فيه المجني عليه.

 

وماذا بعد كل هذه الاجتماعات، والمناظر الفخمة؟ لا شيء سوى كلام في كلام، حتى تتآكل القضايا في دروب المفاوضات والخطب والصياغات، ثم يطويها النسيان.

 

والكيان الصهيوني يدرك ذلك جيدًا، فهو يعمل ما يريد- بمنتهى الوحشية، وبأقصى درجات الإجرام-، وهو آمن تمامًا من جانب هذه الهيئات التي لم يعد للعرب سبيل سوى اللجوء إليها من أجل البكاء والصراخ.

 

إذًا؛ فكيف يكون الردُّ الحقيقي؟

القوة.

لن نحمي أنفسنا إلا بالقوة.

ولن نحفظ حقنا إلا بالقوة.

ولن ننتقم لشهدائنا وأطفالنا ونسائنا إلا بالقوة.

ولن نسترد ما ضاع منَّا إلا بالقوة.

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، وصدق الله العظيم.

 

والقوة تشمل القوة الاقتصادية والعلمية والإعلامية والسياسية وغيرها، لكن تظل القوة العسكرية هي الحاسمة وقت الأزمات، وهي الرادعة للعدو، وهي الداعمة لأنواع القوى الأخرى.

 

وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها الصهاينة.

واستعمال القوة مع العدو الصهيوني الذي يدَّعمه الغرب الأوروبي والأمريكي ليس بالأمر الهين أو الساذج، ولكن لا مفر ولا مهرب منه.

 

ومواجهة بني صهيون عسكريًّا لها طريقان:

طريق المقاومة الشعبية.

وطريق الحرب النظامية.

وطريق الحرب النظامية- اليوم- لا توجد دولة عربية أو إسلامية على استعداد لخوض غماره للأسف، ولكن لا بد من إيجاد حلول.

 

أما طريق المقاومة الشعبية فقد بدأ بالفعل، وظهرت له ثمرات في منتهى الإبداع، وأثبت المقاومون رجولةً وعزمًا وتصميمًا وإرادةً، ولم يبخلوا بالتضحيات.

 

هذه حرب لبنان- حزب الله- أوصلت الصواريخ إلى قلب العدو، وهذه حرب غزة قادتها حماس، وشاركت فيها كل الفصائل المقاومة، وصمدوا وحرموا الصهاينة من تحقيق أي هدف، وأرعبوا قوات العدو البريَّة من التقدُّم إلى غزة ولو كيلومتر واحد، ووصلت صواريخهم أيضًا إلى قرب تل أبيب، وأبقت مليونًا ونصف المليون صهيوني في الخنادق شهرًا كاملاً، ولم يقدر الصهاينة على إسكات الصواريخ.

 

إذًا، فطريق المقاومة الشعبية هو الطريق الأمثل في هذه المرحلة، ولقد دعمت إيران حزب الله، ودعمت جزئيًّا حماس، وكان الواجب على مصر أن تدعم حماس، لو كنا نملك رؤية إستراتيجية واحدة، ونعمل لصالح الوطن لا لصالح رجال الأعمال الذين يتشاركون مع الصهاينة.

 

ودعم المقاومة يجب أن ندرك أنه فرض عين على المسلمين كلهم، كلّ بما يستطيع، ووسائله عديدة: جهاد بالمال، ودعم إعلامي وسياسي، ومظاهرات، ووقفات؛ للضغط على الحكومات من أجل كسر الحصار، وقطع العلاقات مع العدو، ومن أجل التبرُّؤ من خيار السلام المزعوم المسمى بالإستراتيجي.

 

أما على مستوى الدول، فعلينا أن نتذكر بعض حقائق التاريخ وتغيراته الهامة:

فعلى مدار مرحلة طويلة من مراحل الصراع التي كان العرب- بقيادة مصر- يواجهون الكيان الصهيوني، كان العالم الإسلامي مغيبًا تمامًا على مستوى الدول والحكومات.

 

ولعلنا نتذكر أن إيران في عهد الشاه، وتركيا في العصر العلماني العسكري كانتا أهم حليفين إستراتيجيين للصهاينة في المنطقة.

 

واليوم تغيرت الرياح واستيقظت الأمة وأصبحت الدولتان في بؤرة الصراع، في الوقت الذي يقدِّم فيه العرب مبادرة السلام والعدو يقابلها بمنتهى الاحتقار واللامبالاة.

 

ألا يستحق ذلك منا تحالفًا جديدًا بين الدول العربية وإيران وتركيا، وننبذ أسباب الفرقة بين السنة والشيعة، وتعود للأمة وحدتها في مواجهة هذا الخطر الماحق؟.

 

لقد خطت تركيا خطوات كبيرة في طريق التحوُّل، وولت وجهها صوب القضية الفلسطينية، قضية المسلمين الأولى.

 

وبقى على مصر أن تعود إلى الشقيق العربي والمسلم، وأن تنبذ التبعية للعدو الصهيو أمريكي.