عيون تترقرق شوقًا فاض من يقين سكن بين الضلوع، وأنفس تترفع عزةً، جادت بها قلوب ملأها الثبات، وأجساد أبت حياة الرغد بعد أن منَّ الله عليها بنور البصيرة، فارتفعت الأيدي لتحمل كتاب الله وتبتهل إليه أن تطأ الأقدام أرض غزة عبر أسطول الحرية.

 

صورة تعطَّر بحملها الأثير، وتناقلتها وسائل الإعلام لأولئك "البشر" الذين خلَّفوا الدنيا وراءهم، لم يشغلهم ملء البطون فاكتفوا ببضع جرعات من الماء ولقيمات يقتاتون بها، ولم يأبهوا براحة الأجساد، فافترشوا ما يسهل حمله؛ مخبتين لأمر ربهم بأن ﴿انفِرُوا خِفَافًا﴾ (التوبة: من الآية 41)، فهم أبناء محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يتوسد حصيرة تترك أثرًا بين جنبيه، وأخوهم علي رضي الله عنه الذي كان يقول: (يا دنيا غرِّي غيري).

 

اجتمعوا من شتى أرجاء المعمورة فهذا جدّه محمد الفاتح، وهذه أخت موسى بن نصير، وهؤلاء جيران طارق بن زياد، وهم جميعًا أحفاد آدم، وسارعوا إلى بحرٍ لجِّيٍّ تعلو أمواجه رافعة آمالهم بقرب المآل إلى غزة، ومع تلاطم الأمواج تطفو على سطح البحر صورة رسمتها أحاديث النفس متسائلة عن أولئك البغاة الذين عثوا في الأرض فسادًا، هل سيمتد بغيهم ليعكر صفو البحر بطغيانهم؟ هل حقًّا سيمنعون أولئك الفرسان من اللحاق بالشعب الصامد خلف الحصار الظالم؟!

 

لكن سرعان ما تأتي موجة أخرى تلطم وجه الظالمين، وتتناثر منها قطرات معطرة بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قاله لأم ملحان مستبشرًا مبتسمًا "أناس من أمتي عرضوا علي يركبون هذا البحر كالملوك على الأسرة"، فنغبطهم ونسأل الله لهم بأن يكونوا من أصحاب البشرى ويَمُنُّ عليهم بإحدى الحسنيين.

 

مرَّت الساعات وهم على حالهم لا يلقون سمعًا لتلك التهديدات التي طالت الآذان، لكنها أبدًا لم تنل من العزائم.

 

وحان موعد صلاة الفجر، وحانت معه فرصة الجبناء الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ومع ارتفاع الأيدي بتكبيرة الإحرام، ازدادت لهفة مصاصي الدماء من أحفاد القردة بالانقضاض على بني البشر، فجاثوا خلالهم يقتلون ويجرحون ويأسرون، فتبت أيديهم بما اقترفوا وظنوا بإفكهم أنهم انتصروا، وقد خسروا وخسئوا من حيث لم يحتسبوا!

 

فقد انكشف وجههم القبيح أمام العالم، وتعالت الأصوات تطالب بلفظهم حتى أننا ولأول مرة نسمع في أمريكا معقل اللوبي الصهيوني من ينادي بقطع العلاقات مع هذا الكيان اللقيط؛ لأنها علاقات تضر بالولايات المتحدة.

 

وأما الشهداء فقد أرادوا إحدى الحسنيين، وأراد الله لهم كليهما، وها نحن قاب قوسين أو أدنى من رفع الحصار عن قطاع غزة الصامد.

 

وأما الجرحى والأسرى فقد أرادوا غزة، وأرد الله لهم أسدود وهي الأقرب إلى القدس، ثم عادوا معافين مأجورين بإذن الله.

 

فقد أرادوا عزَّ الآخرة فمنَّ الله عليهم بشرفي الدنيا والآخرة، وحفرت أمواج البحر أسماءهم على صخر غزة بمدادٍ من دمائهم الزكية.

 

فاللهم تقبلهم ولا تحرمنا أجرهم، "ولا تسلط بني صهيون على أحد بعدهم"، دعوة دعاها سعيد بن جبير على الحجاج بن يوسف الثقفي فمات الحجاج، وسيدعو بها رجل صالح على المسيح الدجال فيكون آخر من يقتلهم، ويُنزل الله عيسى عليه السلام لقتل الدجال، وها نحن ندعوها على بني صهيون مستبشرين بقُرب النصر.