- "الله.. محمد.. الجهاد.. غزة" كلمات وحَّدت المتضامنين

- رائحة الشهداء الزكية خفَّفت عنا وحشية وإجرام الصهاينة

- قوافل فك الحصار عن غزة لن تتوقف وفتح معبر رفح لا يكفي

 

حوار- شيماء جلال:

هو أحد الفرسان الذين كانوا على متن أسطول الحرية، ملابسه البيضاء تحوَّلت إلى اللون الأحمر، بعد أن مزجتها دماء الشهداء والمصابين، دموعه اختلطت بين الفرح لإيصال رسالته التي كادت أن تكلفه حياته، والحزن على مأساة الأمتَيْن العربية والإسلامية وما وصلوا إليه من ضعف؛ إنه الدكتور حازم فاروق عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، والذي صاحب الدكتور محمد البلتاجي في رحلة العزة والكرامة، رحلة أسطول الحرية.

 

عندما سألناه عن رحلته وما حدث فيها أجاب بهدوئه المعتاد إننا أردنا أن نحرِّر العصفور الذي حبسه القفص، طلبنا منه أن يوضِّح أكثر فقال إن الرحلة كانت للحرية، ولعل بدايتها خير دليل على ذلك؛ حيث منحنا العصفور الذي اصطحبناه معنا حريته بفتح باب القفص له، في إشارةٍ للانطلاق نحو غزة التي أردنا أن نفتح بابها ليخرج العصفور من قفصه الحديدي الذي أحكم الصهاينة إغلاقه منذ أكثر من 3 سنوات، ورغم أن عصفور غزة لم يستطع الخروج، إلا أنه لم يمت رغم التجويع والحصار، بل قاوم وصبر ليقول للعالم كله يجب أن تفتحوا باب القفص، وإلى تفاصيل اللقاء بالدكتور حازم فاروق:

* كيف كانت بداية الانطلاق نحو تحرير العصفور؟

** المشهد كان صعبًا للغاية، ولكن بالرغم من صعوبته فأنا أرى أنه كان بداية الفجر المشرق، فنحن توجهنا من مطار القاهرة يوم الأحد قبل الماضي، ووصلنا إلى مطار إسطنبول في حدود الساعة السابعة والنصف صباحًا، بعدها صعدنا لطائرة أخرى متوجهة إلى مدينة "أنطاليا"، وقد شعرت بأحاسيس لأول مرة أستشعرها في حياتي وكأنها بمثابة صدمات كهربائية، فمنذ أن وصلت إلى تركيا؛ حيث اجتماعنا مع بقية الوفد، أحسست كما لو كنت أنتقل من عالم مليء من الفساد إلى عالم نوراني شفاف آخر لم أره من قبل.

 

* أكثر من 750 ناشطًا أوروبيًّا وعربيًّا من أكثر من 40 دولة هدفهم كان واحدًا وهو الوصول إلى غزة.. كيف قرأ الدكتور حازم هذا الحشد؟

** بدأ تجمع الوفود المشاركة، وتمَّ عقد مؤتمر صحفي كبير بملعب التنس بمدينة "أنطاليا"؛ من أجل التقريب بين الوفود المشاركة، وبمجرد أن دخلنا للملعب شاهدنا أعدادًا لا حصرَ لها، وهنا استشعرت معاني أخرى فكأننا في معتكف أو مسجد أو أننا في الحرم نعتمر، فالبحريني واليمني والموريتاني واليوناني والتركي بجوار بعضهم البعض، وبعد أن انتهى مشهد التعارف كبَّر أحد الوفود الأتراك للصلاة، واصطففنا جميعًا بجوار بعضنا البعض، ليرتسم أمام الجميع مشهد واحد؛ وهو أن النصر قريب لا محالة رغم أنف الجميع، فإذا كان معبر رفح مغلقًا والقوافل تُحبس في العريش فإن البحر يحمل معه الفرج.

 

* ما اللغة المشتركة التي اجتمع عليها كل مَنْ شارك في الأسطول رغم اختلاف العرق والدين والجنس؟!

** ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء) هذه الآية التي جرت على لساني بمجرد رؤيتي لهذا العدد ولتلك الجنسيات، ولقد كان معنا مترجمون، تقريبًا 4 مترجمين؛ ولكن كان هناك كلمات تفهم بيننا بلا تفسير أو ترجمة كانت تجمعنا مثل "الله، محمد، الجهاد، غزة"؛ ما جعلنا نشعر وكأن معرفة مسبقة فيما بيننا، فتآلفت القلوب سريعًا.

 

* صف لنا اللحظات التي سبقت انطلاق الأسطول؟

** تجمعنا في حدود الساعة الخامسة مساءً من يوم الجمعة، وقبل انطلاقنا أحضر الوفد التركي قفصًا به عصفور في إشارة إلى غزة الحبيسة، معلنًا أن تلك القافلة ستكون هي مَنْ سيطلق سراح هذا العصفور عما قريب، بعدها ونحن متوجهون للمغادرة وجدنا الشعب التركي، وقد جاء ليودعنا في مشهد رائع، الكبار والصغار والنساء والرجال ملوحون بأعلام النصر، وكأنه مشهد لتوديع المجاهدين.

 

* وفي أي شيء كنت تفكر؟

** كنت أبحث عن العصفور الحبيس أين انطلق، وكنت أتساءل كيف سيكون اجتماع جميع الوفود، وجلست في آخر المركب أحدث نفسي أن النصر بات قريبًا للغاية، وعندما رآني أحد الصحفيين الجزائريين سألني: هذه جلسة شاعرية لأحد النواب، فقلت له إنها لحظة شعور بالعزة والفخر والفرح وعدم الخوف من أي عائق تجاه حلم تحرير الأقصى؛ حيث تمكَّنا بهذا الأسطول أن نكسر حاجز الخوف عند المسلم بل وعند الجميع من أن الكيان الصهيوني كيان لا يقهر، وكذلك عند العالم بأكمله، مؤكدين أن الأمة الإسلامية واحدة ولا بد أن تكون هكذا دومًا.

 

تراب غزة

 الصورة غير متاحة

 د. حازم فاروق على متن السفينة التركية

   * هل في هذا الوقت كنت تفكر فيما يمكن أن تفعله عندما تصل لغزة؟

** راودني حلمان: أولهما أن أذهب وأشاهد قبر الإمام الشهيد أحمد ياسين والشيخ الرنتيسي، أما الحلم الثاني فكان أن أحمل بين يدي حفنة من تراب غزة الحبيبة، كي أجدد به بيعتي في الشهادة على أعتاب المسجد الأقصى إن شاء الله.

 

* صف لنا برنامجكم على متن الأسطول البحري؟ وكيف كان يومكم؟

** مع انقضاء اليوم الأول كان دكتور محمد البلتاجي قد وضع برنامجًا يبدأ منذ صلاة الفجر وينتهي بالعشاء وحفلة السمر؛ حيث كنا نستيقظ قبل الفجر بنصف ساعة لقيام الليل والذكر والتسبيح، وتأمل قبل الظهيرة ثم العصر والمغرب فالعشاء، يليها حفلة السمر للتعارف، وخلال حفلة السمر مُنحت الكلمة لفردٍ من الوفد اليوناني وكان "مسيحيًّا"، فقال أنا جئت لأن صديقي الذي أعرفه منذ أكثر من 15 عامًا دعاني وقد لبيتُ دعوته إيمانًَا مني بضرورة نصرة قضيته، وهي القضية الفلسطينية، ثم تحدث المطران كابوتشي وكان المشهد بمثابة سيمفونية عزف إنسانية ليس لها مثيل، وكانت الأناشيد لا تنقطع، الجميع يهتف بجميع اللهجات واللغات باسم غزة والعزة والجهاد.

 

* حينما بدأت تهديدات الكيان الصهيوني تتوالى وتزداد تجاه أسطول الحياة.. كيف كان حال الوفود؟

** كانت تصل إلينا التهديدات الصهيونية عبر وسائل الإعلام قبل أن تنقطع الاتصالات مساء يوم الجمعة، ولكن لم يشعر أيٌّ منا بالخوف أو الاهتزاز، ولم نكترث بما كان يُقال بأن هناك اعتقالات أو أسر، ووقتها خرج أحد النواب اليمنيين مرتديًا جلبابه ولباسه الوطني كاملاً، واضعًا خنجره أمام صدره، مؤكدًا للكيان الصهيوني أن هذا ما سوف يلاقيهم به، وكان لسان حال الأتراك أن هذا هو ما وعدهم به الله ورسوله، وقام الشيخ حماد بإقامة صلاة المغرب وقرأ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ (آل عمران)، وكأننا في حلقة من حلقات الجهاد في سبيل الله.

 

* وماذا حدث ساعة احتلال السفينة؟

** عندما كنا نُصلي الفجر بدأت الطائرات التي كانت تحوم فوق السفينة بالاقتراب أكثر من السفينة، حتى بدأت أول طائرة في إنزال عددٍ من الجنود على متن السفينة، فقمنا بحصارهم وأسرهم والاستيلاء على الأسلحة التي كانت في حوزتهم، وبعد حوالي30 دقيقة فوجئنا بإنزال آخر للجنود الصهاينة، وكان عددهم يتجاوز 15 جنديًّا، إلا أن هؤلاء قاموا بإطلاق الرصاص الحي والمطاطي والقنابل الدخانية والمسيلة للدموع علينا قبل نزولهم على متن السفينة؛ حيث أطلقوا النار علينا وهم في الهواء، كما أطلقوا النار بشكلٍ عشوائي؛ ما أدَّى إلى استشهاد عددٍ كبيرٍ في الحال، وإصابة العشرات أيضًا، ولم يراعوا أي نداءاتٍ وجهها قائد السفينة لهم بأننا لا نحمل سلاحًا، وأن جنودهم بحالةٍ جيدة، ويمكنهم استلامهم، وقد وجه لهم هذه الرسالة باللغات العربية والتركية والإنجليزية، كما قام عددٌ من أعضاء القافلة من عرب 48 بإبلاغهم نفس الرسالة في مكبرات الصوت باللغة العبرية، وبعدها تمت السيطرة على سطح السفينة ثم غرفة القيادة، وبعد ذلك تمت السيطرة الكاملة على السفينة من خلال البوارج والزوارق التابعة لسلاح البحر الصهيوني، التي أحاطت بالسفينة بشكلٍ كامل، في حدود الساعة 9 صباحًا؛ أي أن عملية الإنزال والسيطرة استغرقت 5 ساعات كاملة رغم أننا مدنيون عزل وليس معنا أي شيء ندافع به عن أنفسنا، بينما كان معهم أسلحة تكفي لحربٍ كاملة، وبدأت تتهاوى وتتساقط أجساد الشهداء والجرحى على أرض السفينة، ومُلئت الجدران بالدماء في مشهدٍ عصيبٍ ومرير، ومع هجومهم واستحواذهم على الأسطول في تمام الساعة التاسعة تمَّ توجيه الرشاشات في وجوهنا، وكان مَن يشير إليهم بشيءٍ يضعون أسلحة الليزر بين عينيه بشكلٍ وحشي لا تقره أي مواثيق دولية أو إنسانية، ثم كبَّلونا بشكلٍ بشعٍ لا يمكن وصفه، حتى النساء لم يرحموهن ولم يكترثوا بضعفهن؛ حيث كبلوهم أيضًا في شكلٍ وحشي.

 

دماء الشهداء

* هل شعرت في هذا الوقت باليأس أو الإحباط؟

** لا والله أبدًا، لم نخشَ شيئًا ولم نشعر بالفشل، ولم تفتر عزيمتنا ولم نتراجع عن حلمنا، وكنا نشمئز مما يفعل الصهانية معنا، وأُقسم أن مشهد الاعتقال والاعتداء لم يُؤثِّر فيَّ بقدر ما تأثرتُ بالروائح الذكية والأرواح التي صعدت إلى بارئها تشكو إلى الله ما حدث كما تشكو صمت الأنظمة الدولية والعربية الكاذبة وكلَّ مَن ساند ودعَّم هذا الكيان الصهيوني المغتصب، والأنظمة العربية التي سمحت بحصار مليون ونصف مليون فلسطيني بلا أي ذنبٍ ولا جريرة، فلا يجدون الطعام أو الشراب.

 

مشاهد مؤثرة

 الصورة غير متاحة

صرخة في وجه صهاينة أدموا ناشطة ندَّدت بانتهاكات الأسطول

   * حدثنا عن أكثر المشاهد ألمًا وتأثيرًا؟

** المشاهد عديدة وكثيرة، فعلى نطاق الشهداء كانت ألسنتهم تهتف بالشهادة قبل أن تصعد أرواحهم، والبعض الآخر كان يرفع إصبعه نحو السماء وكأنه يخاطب الله جلا وعلا بأن يتقبَّله في الشهداء، وكانت الأخت التركية التي جلست تبكي بجانب أحد الشهداء، وحينما حاول الجميع أن يواسونها، فقالت للجميع أنا لستُ حزينةً، ولكني فَرِحةً بأن زوجي نال الشهادة كما تمنَّى، ومشهد آخر للشيخ مصطفى الذي كان صائمًا ودفعه جنود الاحتلال حينما كان يُصلي راغبين في أن يُخرجوه من صلاته، ولكنه أصرَّ على أن يكمل صلاته، فركلوه في ظهره، وظلَّ صائمًا حتى تم الوصول إلى ميناء أسدود، وعند أذان المغرب كان إفطاره بدعاءٍ على الصهاينة الظالمين، ليس هذا فحسب، فالمشاهد لا تعدُّ ولا تُحصى ما بين جثث الشهداء وتأوهات الجرحى.

 

* وما أكثر الشخصيات التي تأثَّرت بها ولن تُمحى من ذاكرتك؟

** أكثر من شخصية، فهناك الابنة البحرينية التي لم تتعدَّ الثالثة عشر عامًا، وكانت تصبُّ بقايا زجاجات المياه فوق رءوسنا كي تُخفف آلام الشمس عنا، وكذلك الفتاة الأوروبية سارة التي وقفت بشجاعةٍ أمام الجنود الصهاينة، وكذلك أحمد الدهشان الذي أشعر بالقلق والخوف عليه وعلى زوجته فقد جاء من غزة ذاهبًا إلى تركيا بحثًا عن علاجٍ لمرض السرطان الذي أصاب زوجته، وحينما لم يفلح في العلاج عاد معنا على متن السفينة وزوجته في حالةٍ مرضية سيئة، ولم نعرف أين احتجزهما الصهاينة؛ مما زاد ألمنا وحزننا من قبح أعمال الصهاينة.

 

* ومتى شعرتم بالضيق؟

** ازداد غضبنا حينما وصلنا لميناء أسدود، ووجدنا الصهاينة يصفقون لجنود الكيان على ما فعلوه معنا، وكأننا أسرى حرب، ولا أجد ما أصف به تلك الأعمال الإجرامية، المبتذلة التي مارسها الكيان وأعوانه.

 

* هل استمرَّ هذا الوضع معكم طويلاً؟

** السفينة وصلت إلى ميناء أسدود في حدود الساعة 7 مساءً، وظللنا في السفينة حتى الساعة التاسعة والنصف تقريبًا إلى أن جاء أحد الضباط الصهاينة، واصطحبني أنا والدكتور البلتاجي، وأجروا معنا تحقيقًا منفصلاً لكلٍّ منا لم يستغرق بضع دقائق، وبعدها تم تسليمنا إلى القنصل المصري في تل أبيب الذي كان متواجدًا، وانطلقنا بعدها مباشرةً إلى طابا، ومنها إلى مدينة السويس؛ حيث كان في استقبالنا وفدٌ من نواب الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.

 

فك الحصار

* الكيان الصهيوني أعلن رفضه دخول أي قوافل أخرى، ووصف المشاركون في الأسطول بالإرهابيين.. ما تعليقك؟

** نحن نعلنها أمام الجميع أنه بعد مرور 5 أسابيع ستتوجه قافلة أخرى بحرية تجاه غزة المحاصرة لتدشين ميناء غزة الحر، وفي الـ25 من يونيو الجاري ستتوجه قافلة أخرى برية، فضلاً عن أننا نرفض أمام الجميع أن يُقال على قوافل غزة بأنها قوافل إغاثية، فهي في الحقيقة قوافل فك حصار، وكلها ضمن مقرارات جامعة الدول العربية بشأن إعمار غزة المدمرة.