استطاع أبطال السفينة التركية "مرمرة"- قائدة أسطول الحرية لكسر الحصار الدولي الظالم على الشعب الفلسطيني البطل في غزة الأبية- أن يلفتوا أنظار العالم إلى أن شايلوك اليهودي المرابي قاطع لحوم البشر وهم أحياء، والذي أبدع في رسم صورته القبيحة الكاتب الإنجليزي وليم شكسبير في رائعته (تاجر البندقية)، قد وُلد له أحفاد؛ لكنهم يختلفون عنه، فقد حدثت لهم طفرة جينية، وتطوَّرت وحشيتهم وعدوانيتهم؛ فصاروا يتركون الجثث التي خلفوها في أطلال دير ياسين وكفر قاسم وصابرا وشاتيلا وقانا وغزة والفاخورة، وتمتد أنيابهم لتمتص دماء الناشطين القادمين من أعالي البحار يحملون الحليب واللعب والدواء لأطفال غزة.

 

وتتجلى خسة هؤلاء الأحفاد في اقتحامهم للسفينة مباشرة دون اعتراضها أو توجيه إنذار لها؛ وذلك أثناء قيام ركابها بأداء صلاة الفجر، ثم قيام القناصة بإطلاق النار من الجو على رءوس العزل وصدورهم.

 

وجاء الاقتحام ليلاً، تمامًا كما يفعل اللصوص؛ ليخفوا جريمتهم بعيدًا عن الكاميرات والهواتف التي سرقوها من أصحابها، حتى لا توثَّق فضيحتهم أكثر وأكثر.

 

واستمروا في الجريمة حين تركوا الجرحى ينزفون حتى الموت، وقيدوا الأبرياء، واعتدوا عليهم بالضرب، وركلوهم بالأرجل، وأجلسوهم في الشمس والمياه ساعات طويلة دون طعام أو قضاء للحاجة، حتى إن بعض مرضى السكر بللوا أنفسهم، ولم يفرِّقوا في المعاملة المهينة بين شيخ كبير وطفل صغير وامرأة مريضة.

 

ادعى أحفاد شايلوك أن هؤلاء متطرفون إسلاميون، لكن شهادة المطران كابوتشي لهم بحسن الخلق دحضت هذا الزعم، وادَّعوا أنهم تسلحوا بالأسلحة البيضاء، لكن الإعلاميين شهدوا بأن القراصنة هم الذين انتزعوا الأعمدة الحديدية من السفينة ووضعوها في مقدمتها قبل وصولها "أسدود" لتصويرها، وادَّعوا أن الشهداء قد أطلقوا عليهم الرصاص، وحين سئلوا: ومن أين أتوا بالأسلحة؟ قالوا: إنهم اختطفوها من الجنود (الأشاوس الذين لا يُقهرون)!!!.

 

وفي مواجهة أحفاد شايلوك رسم أبطال "مرمرة" أجمل صورة للنبل والشرف حين تحركوا لنصرة المحاصرين، وتقدموا فلم توقفهم التهديدات، ورفضوا الاستسلام للقراصنة، وقاوموهم بأيديهم وصدورهم العارية حتى ارتقى منهم تسعة عشر شهيدًا وجُرح خمسون بطلاً.

 

وإن العين لتدمع حين نسمع قصة البطلة التركية التي استشهد زوجها فجلست بجواره، فقال لها أحد الأبطال يعزيها: تماسكي واصبري فقد سبقك للجنة، فردت قائلة: أنا فرحة لأنني قدمته فداءً لغزة.

 

لقد كان أول تصريح لهؤلاء الأبطال بعد الخروج من سجن الاحتلال البغيض سنعود.. سنعود.. سنعود، سمعتها من الشيوخ قبل الشباب، من النساء قبل الرجال، سمعتها من أكبرهم سنًّا الشيخ إسماعيل نشوان الذي تجاوز الثانية والثمانين عامًا، ومن د. محمد البلتاجي ووليد الطبطبائي، وسمعتها من حنين الزغبي، أنهم ينوون العودة بأسطول جديد لكسر الحصار، يضم بدلاً من ست سفن ستين سفينة، وبدلاً من ستمائة بطل ستة آلاف بطل.

 

إننا نتحرق شوقًا للإعلان عن البدء في تجهيز هذا الأسطول؛ لنكون من المشاركين فيه بأنفسنا وأطفالنا ونسائنا قبل أموالنا فلسنا أقل من هؤلاء الأبطال.

 

حقٌّ للشعب التركي وللشعوب التي شارك ممثلوها في هذا الأسطول أن تفخر بهؤلاء الأبطال الذين صاروا قدوة يطمح لتقليدها الكبار قبل الصغار.