عندما تضيق الأمور ويعم الظلم والظلام، وكلما بلغ قلبك حنجرتك، ويكاد يغادرك، ويتركك جثةً هامدةً، تسد جميع الوجهات أمامك، كلما أرسل إلينا الله رحمته، حتى وإن كانت من ثقب إبرة من الأمل، اتجهت نحو هذا الثقب وأمعنت فيه النظر، كلما تمدَّد واتسع وأخذ ينمو ويزهو حتى يستحيل إلى طاقة من خير ونور تبدد الظلم والظلام. كلما ظننا أن مركبنا غرق، وأن شراعها تمزق، وأن مجدافها تكسر؛ امتدَّت يد الله الحانية تنتشلنا وتمسح عنا حزننا وهمنا وتربت على أكتافنا وتثبت قلوبنا، فنستمد منها أملاً جديدًا وزادًا جديدًا وقدرة جديدة على العودة إلى طريق الحق والخير.

 

* رأيت ذلك وأنا أتابع قصة "راشيل كوري" تلك الشابة الأمريكية التي تركت المجتمع الأمريكي المتخم والمترف والمنعم، ذلك المجتمع الذي يقود الدنيا كيفما شاء وأينما شاء بكل جبروته وظلمه وحق الفيتو، واختارت طواعيةً وحبًّا أن تعيش المعاناة الفلسطينية، تجوع معهم وتتعرض للبرد ولشظف العيش وقسوة الحياة، شاركتهم كل شيء، وعاشت في أحد البيوت وفجأة هجمت عليهم تلك الأيادي النجسة القذرة.

 

داسها اليهودي النذل،

لم يحترم أنها امرأة،

لم يحترم أنها تفعل الخير،

إنه لا يتحرك بنفسه!! ما يحرِّكه هي خلطة عجيبة لا تجدها إلا عند اليهودي، خلطة من الحقد والغل والحسد والظلم والنازية والنذالة والحقارة والتجبر والطغيان وفساد النفس وخبثها.

 

داسها أمام العالم، ماتت، ربما مات بعدها عبر العالم ملايين الأفراد سواء مرضًا أو حروبًا أو تحت الزلازل أو أثناء العواصف أو في المعابد والزوايا والحنايا أو حتى على الأسرة الوثيرة أو على أعتاب الزناة بين الخمور والفجور، فالموت نتيجة محتومة وسيف مصلت على جميع الرقاب.

 

ماتت لكن روحها العظيمة بيَّنت أن هناك مَنْ يدافع عنك وهو من غير جنسك ولا دينك ولا عرقك..

 

ماتت وشكَّلت تجربتها العظيمة طاقات من النور والأمل والخير والحب حتى تجسدت في سفينه تحمل الخير تحمل اسمها وتحمل الحياة لأهل فلسطين.

 

* رأيت طوق الأمل عندما صدع بصوته العذب المنير الرسول صلى الله عليه وسلم مثنيًا على المطعم بن عدي الذي حماه ذات يوم؛ فتذكرت وأنا أرى دعاة السلام والحق في أوروبا العجوز أو في أمريكا الظالم حكامها، وأقول لا بد من أن نثمِّن ونقدر هذا الجهد وهذه النوعية النقية من البشر، وأن نقيم معها أواصر الأخوة، وننقل لهم عظمة هذا الدين السامي الذي عاش الناس في كنفه حينًا من الدهر سعداء، وأنه آن الأوان حتى ننقذ هذا العالم من تلك الأيادي النجسة الآثمة التي تسيطر عليه إعلاميًّا وثقافيًّا وتشتري البلاد والعباد بالمال والسلاح والنساء والبغاء إنها سبة في جبين الدهر.

 

* كلما يممت وجهك في ركن من أركان بلاد العرب والمسلمين وتراها تتشح بسواد هالك لأنظمة فاسدة هالكة ومهلكة لأبنائها فقط وعون لأعدائها، كلما تتفحص تلك الوجوه المشوهة على شاشات التلفاز والفضائيات وهي تقودنا من هزيمة إلى هزيمة، ومن ضياع إلى ضياع، وكنا في الماضي القريب نسخر منهم وهم يشجبون وينددون؛ أما الآن فهذا أيضًا اختفى..

 

ويا للعجب إنهم يمنعوننا من الدعاء إلى الله على اليهود بأمر من اليهود الذين لا يستحيون من الله أصلاً، وتصدر الأوامر للخطباء والوعاظ بعدم مس اليهود أسيادهم بسوء ولو بدعوة طائشة، كلما رأيت رجب طيب أردوغان استلهم روح الإسلام، وعرف أنه ينتمي لهذه الشعوب المسلمة البسيطة المسكينة فأخذ يكيل لليهود الصفعات بكل حنكة وأدب، وأخذ يبين حقيقتهم ويعريها بجلاء وحزم.. وأخذ يعيد تركيا الأبية مرة أخرى إلى أصلها فهي التي حمت الإسلام والمسلمين حينًا من الدهر، شاء إعلامنا المأجور المأخور أم أبى عندما تقمص دور هوليوود وأخذ يصوِّر لنا التركي من خلال "أفندينا"، و"خرتيت"..... إلخ من السفه والضحالة التي تنطلي على الجهلاء..

 

نعم تراه رجب الطيب ينسج بأصابعه البسيطة المتوضئة هالات وهالات من الخير والنور والأمل، فتقف أمامه بكل أدب واحترام، وتلعن أولئك المرتمين في أحضان أبناء القردة والخنازير، يقابلونهم في المؤتمرات بالأحضان والقبلات، كأنهم تربوا على مائدة واحدة، وناموا في سرير واحد، واقتسموا معهم الأفراح والأتراح والليالي الملاح.

 

* كلما رأيت في وسط هذا الركام الهائل من القنوط واليأس رأيت شعب غزة وجوههم نضرة تضحك مبتسمة، رغم ما بها من جراح وآلام أمة تقع في أحضان الأفعى الصهيونية وتكابر وتجاهد وتثابر وترابط وتدافع رغم شدة الحصار وعنفوانه وظلمه لتشكل طاقة من نور، وتقول لنا إنه في الإمكان لهذه الشعوب الهادرة الكثيرة أن تفعلها وتنسج بحناجرها وعرقها ودمها وطاقاتها طاقات وطاقات من الخير والنور لهذه البشرية التعيسة الخائبة بدون الإسلام، الضائعة بدون الإيمان، فقط علينا أن نجتهد؛ فالنصر قادم، والأيام دول، وسيأتي يوم الإسلام وساعتها سنفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم سننادي "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا".

 

لن ننتقم، لن نسفك الدماء، لن نقيم جونتانامو وأبو غريب، لن نضرب الرصاص على بُعد أقل من متر في المخ والرأس والقلب، لن نقذف الأفراح وفيها الأطفال والنساء بالسلاح الصهيوني، لن نتخذ الرجال هدفًا و"نيشانًا" نتسلى بهم، لن نمارس معهم التعذيب والصعق في غيابات السجون، لن نذل الرجل أمام أمه وأبيه وصاحبته وأخيه وبنيه، بل سنسامح سنصافح سنقول "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، سنقول لهم لا إله إلا الله محمد رسول الله.

-------------

* داعية إسلامي- [email protected]