(تُرى ماذا ستسفر عنه الساعات المقبلة.....؟) بهذه الجملة أنهيتُ مقالي السابق، والذي كنتُ قد سطرته في اليوم السابق للجريمة الصهيونية على أسطول الحرية, ولم أكن أتوقع وقتها- ولا أي من المشاركين معنا- أن يرتكب الكيان الصهيوني جريمةً بهذا القدر من الحماقة.

 

انطلقت بنا السفن بعد أن تجمَّعت قبالة الشواطئ القبرصية، وصار المشاركون يتسمَّعون الأخبار عبر وسائل الإعلام التي تؤكد إصرار الكيان الصهيوني على منع السفن من الوصول لشاطئ غزة، ونصب الخيام في أسدود لاعتقال كل مَن على ظهرها، ومع هذا استمرت السفن في السير في المياه الدولية.

 

مساء الأحد 30 مايو صلَّينا المغرب والعشاء؛ حيث أمَّنا في الصلاة الشيخ رياض البسنجي (من الأردن)، وخطب بعد الصلاة الشيخ رائد صلاح، فحدَّثنا بحديث رسول الله الذي ضحك فيه لقومٍ من أمته يركبون البحر- في سبيل الله- كأنهم على الأسرَّة, ودعاء أم حرام بنت ملحان أن تكون منهم, وحديث آخر عن فضل الجهاد والرباط في عسقلان- التي اعتبر غزة جزءًا منها- وقام أحد علماء الأتراك فحدَّثنا عن صناعة التاريخ، وكيف سيصير أهل السفينة مثلاً وعنوانًا للحظةٍ تاريخيَّةٍ على مثال أهل الكهف وأهل بدر, وحدَّثنا المطران كابوتشي- مطران القدس المنفي عنها منذ أكثر من 30 عامًا- كيف أنه جاء هذه المرة ليكحل عينيه قبل موته بتراب فلسطين.

 

ينتهي اللقاء وتأتينا الأخبار عن اقتراب زوارق وسفن صهيونية عن بعدٍ، ويستكمل المشاركون برنامجهم بشكلٍ طبيعي, فريق يرصد ويتابع ما يحدث، وفريق يستكمل حوارات فضائية يتحدث فيها عن رسالة الأسطول والسيناريوهات المتوقعة، وفريق غلبه النوم فنام في سكينة- رغم كل ما حوله- وفريق قام لصلاة التهجد والدعاء.

 

حضرت مع الشيخ حماد أبو دعابس (أحد قيادات الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني) ركعتين خفيفتين ثم صلَّى بنا الفجر، وفي أثناء الصلاة استمعنا لأصوات الهليكوبتر تُحلِّق فوق رءوسنا، انتهينا من الصلاة وإذا بنا نرى ونسمع قذائف وانفجارات مدوية تصطدم بالسفينة وتُلقى على سطحها.. بدأ الإنزال الجوي من الهليكوبتر، ونزلت مجموعة محدودة من جنود الكوماندوز- كأنهم يختبرون الوضع- وكانوا مدجَّجين بالسلاح, الواحد منهم بما عليه من أسلحة وعبوات انفجارية ودروع وقاية (حيث لا ترى منه إلا عينيه) يتمثل بشخصه التحصينات والجدر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (الحشر: من الآية 14)، وقد كانوا يتصوَّرون وهم على هذه الحالة المفزعة-شاهرين السلاح في وجوهنا- أن الناس ستهرول مذعورةً أو تقف أمامهم ترفع أيديها فوق رءوسها مستسلمةً, فلمَّا لم يجدوا شيئًا من ذلك وأمسك الناس بثلاثةٍ منهم بأيديهم, نزلت مجموعة ثانية من الكوماندوز كبيرة العدد وصارت تُطلق النار وهي لا تزال في الجوِّ قبل وصولها لسطح السفينة (من أجل أن تُثير الفزع والرعب وتدفع الناس للهرولة), فبدأ سقوط القتلى والجرحى.

 

نزلتُ وأخي د. حازم فاروق لنشارك في إسعاف الجرحى والمصابين, لم تكن هناك استعدادات طبية على مستوى مواجهة معركة حربية بهذا القدر من الدماء والكسور والجراحات والاختناقات.. حاولنا بذل ما في وسعنا في استنقاذ الجرحى.. بدأت الأرواح تصعد لربها بين أيدينا.

 

نادينا من خلال الميكروفون المركزي للسفينة باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والعبرية) على المهاجمين، وأكدنا لهم أنهم يواجهون عزل مجردين من أي سلاح، فلا مبرر لإطلاق النار, أكدنا لهم أن لدينا العشرات من الجرحى كثير منهم إصاباته خطيرة تحتاج لسرعة إسعافها، وأنهم يجب أن يقوموا بذلك, جاءنا إخواننا باثنين من الجنود الصهاينة الثلاثة الذين كانوا أمسكوا بهم وجردوهما من السلاح، وكان في مقدورهم أن يقتلوهما لو أرادوا- فقد كانوا كالفئران المذعورة بعد أن تجردوا من السلاح- لكن أحدًا لم يفعل ذلك؛ لأن ديننا يأمرنا ألا نقتل أسيرًا ولا نجهز على جريح!.

 

سيطر الجنود الصهاينة على سطح السفينة وطاقم السفينة، وبدءوا في الالتفاف الخارجي حول الأدوار الثلاثة التي كان المشاركون قد دخلوا إليها, أدخلوا إلينا الكلاب البوليسية, وبقوا هم من وراء الزجاج يشيرون إلينا بالسلاح ويأمرون الجميع بالبقاء في المقاعد وعدم الحركة، وبقينا على هذه الحالة حوالي ثلاث ساعات, كنتُ على مقربةٍ من جثث الشهداء حيث جلست إحدى الأخوات التركيات إلى جانب جثة زوجها الشهيد تبكيه في صمت أشم من الجبال, جاءها أحد الإخوة يقول لها: اصبري واحتسبي فترد عليه: (أنا والله لا أبكيه حزنًا؛ فقد فاز بالجنة، وقد أهديته لغزة التي كان يتوق لوصولها).

 

طلب الصهاينة من الجميع أن يرفعوا أيديهم فوق رءوسهم، ويخرجوا واحدًا واحدًا إلى سطح السفينة، وأثناء الصعود يتم تفتيشه ثم تقييده من الأمام أو الخلف.. قيدوا الجميع بما في ذلك النساء والأطفال والجرحى, بدءوا بعد ذلك في إخلاء الجرحى (بعد عدة ساعات وبعد أن اطمئنوا أنهم أحكموا السيطرة على الجميع).

 

جلسنا فوق سطح السفينة مقيدي الأيدي ساعات طويلة تحت الشمس, وهم يقفون بالسلاح بيننا, لكن كان الجميع وهم في القيد يتبادلون نظرات كلها العزة والإباء والإصرار والتحدي للظلم والظالمين.

 

بل كنتُ أنظر للأخوات المشاركات معنا (جزائريات، وكويتيات، وبينهم سارة الإنجليزية، ونيكيا النيوزيلندية) فأرى في تعبيرات وجوههن كل دلالات الشموخ والصمود.. في هذا الجو ووسط هذا السكون تلا علينا أحد الإخوة بصوتٍ خفيض آيات يحفظها من سورة آل عمران ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)﴾ (آل عمران)، فنزلت علينا الآيات بردًا وسلامًا.

 

أخيرًا.. انطلقت بنا السفينة لتشق الطريق من المياه الدولية التي وقعت فيها الجريمة, واستمرت في السير من التاسعة والنصف صباحًا حتى السابعة مساءً لنصل إلى ميناء أسدود, وفي الطريق وعلى بعد أمتارٍ من مقعدي رأيتُ الشيخ رائد صلاح يجلس في قيده فبادلته النظر، وحمدتُ الله على سلامته؛ حيث تبيَّن فيما بعد أن الصهاينة استهدفوا قتله في الهجمات الأولى وأصابوا أخًا تركيًّا يُشبهه (ظنًّا منهم أنه هو) فاختاره الله مع إخوانه الأتراك الذين أراد الله بهم الكرامة فاصطفاهم من بيننا؛ حيث أتوا من وراء البحر ليكونوا هم شهداء غزة، وليصطفوا في الجنان إلى جوار أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وسعيد صيام، ونزار ريان، وإيمان حجو، ومحمد الدرة.

 

قُبيل الوصول لميناء أسدود وقف ضباط صهاينة يُعلنون باللغات المختلفة (ستصلون بعد قليلٍ لميناء أسدود, وسيتم تسليم السفينة من الجيش لوزارة الداخلية!, وستواجهون جميعًا تُهمة الدخول غير الشرعي لأرض "إسرائيلية", وسيكون أمامكم الاختيار بين الترحيل الفوري لبلادكم بعد التوقيع على قرار الإدانة والإبعاد، والتعهد بعدم العودة مرةً ثانيةً أو الاعتقال في معسكرات أُعدِّت لكم في بئر السبع).

 

حين وصلنا لميناء أسدود وقبل نزول أي أحد، دخل ضابط عسكري صهيوني ونادى على اسم محمد البلتاجي وحازم فاروق، واسْتَلَمَنا وخرج بنا مرورًا بتفتيشاتٍ لا أولَّ لها ولا آخر، ولينهي إجراءات خروجنا من الميناء العسكري بشكلٍ مختلف عن كلِّ مَن معنا, وقد أدركتُ مباشرةً ما وراء الأمر من قرارٍ للقيادة السياسية المصرية بضرورة عودتنا إلى مصر في أقرب لحظةٍ من أجل تخفيف حالة الاحتقان والغضب التي علت في الشارع المصري بعد هذه المجزرة، وخاصةً أن فيها مصريين، فكانت هناك رغبة في طمأنة الشارع المصري من جانب، وفي الفصل بين المجزرة الصهيونية واعتقال مصريين من جانبٍ آخر، وقد تفهَّم الصهاينة ذلك وتعاونوا معه.

 

سألني الضابط الصهيوني (وهو يعلم): إلى أي حزبٍ سياسي تنتمي أنت؟ فقلت له: أنا من الإخوان المسلمين. فقال لي: أنتم تكرهون الإسرائيليين؟ فقلت له: نعم، نكرهكم (ليس بسبب اختلاف الدين), ولكن لأنكم معتدون ظالمون غاصبون لحقوقنا, فسكت وأسرع بإنهاء الإجراءات التي كان من بينها تحقيق سألتني فيه المحققة الصهيونية: لماذا جئتَ إلى ميناء أسدود الخاضع لدولة إسرائيل دون إذنٍ من السلطات؟! فأجبتها أني لم آتِ لأسدود، ولكنكم اختطفتمونا من المياه الدولية بعد أن قمتم بعملية قرصنة وقتل يجب أن تُحاسبوا عليها.

 

عند بوابة الميناء العسكري كان القنصل المصري في انتظارنا, ظننَّا أنه جاء لمصافحتنا والاطمئنان علينا، وسنستأذنه في العودة للميناء للاطمئنان على زملائنا واستلام أمتعتنا واستكمال مناقشتنا مع المتضامنين الذي كانوا يتحاورون قُبيل نزولهم من السفينة هل نقبل بالترحيل لبلادنا (دون توقيع على تعهدات بعدم العودة لغزة) أم نقبل بالاعتقال ثم العودة لإسطنبول لتشييع الشهداء والاطمئنان على الرفاق والترتيب للخطوة التالية.

 

فوجئنا بسيارة القنصل تتحرك بنا بسرعة مذهلة (دون أن يناقشنا في شيء، ودون أن يسمح لنا بأخذ أمتعتنا، ودون أن يسمح لنا بتغيير ملابسنا التي كانت أقرب للملابس الداخلية، وكانت مخضبةً بالدماء، ودون التوقف لحظةً لدخول دورة المياه أو السماح بالصلاة.. سجَّلنا اعتراضنا على نقلنا بهذه الطريقة التي هي أقرب للترحيل القسري أو لتسليم المجرمين منه لتأمين وصول برلمانيين مصريين شرَّفوا مصر في مهمةٍ إنسانيةٍ شريفة.

 

أبلغتُ د. سرور بذلك من تليفون القنصل، وكنتُ أُقدِّر أن القيادة السياسية يهمها بالدرجة الأولى أن تُطمئن الرأي العام المصري (الذي كان في حالة غليان عبَّرت عنه مظاهرات يوم الإثنين أمام الخارجية ظهرًا وبميدان رمسيس وبالعديد من المحافظات مساءً)، لكن الطريقة التي تم بها ذلك لم تكن الطريقة المناسبة.. قطعت السيارة الطريق من أسدود إلى طابا بسرعةٍ جنونية لنصل في أربع ساعاتٍ تقريبًا إلى طابا، ونطلب من القنصلية في إيلات سيارة لتوصيلنا للقاهرة، وصلنا قبل الفجر بأقل من ساعةٍ؛ حيث تمكَّنا من صلاة المغرب والعشاء ثم انطلقنا وقت الفجر إلى السويس؛ حيث كان السادة النواب الكرام (عباس عبد العزيز وعادل حامد) في انتظارنا لننطلق للقاهرة.

 

سألني إعلاميون كثيرون هل كان أحد من المسئولين في انتظاركم؟ وهل اتصل بكم أحد من المسئولين بعد وصولكم؟ قلت: رغم أن أحدًا من هؤلاء لم يفعل ذلك فإني أؤكد أن شعب مصر كله قد اتصل بنا ليؤكد فخره بما قمنا به, يقولون لنا: (لقد رفعتم رأسنا وشرفتمونا بمشاركتكم هذه، ووددنا لو كنا معكم)، بل اتصل بنا مصريون من عديدٍ من الأقطار خارج مصر ليقولوا لنا: (أخيرًا أصبحنا نستطيع أن نفخر بين زملائنا في العمل أننا مصريون بسبب ما قمتم به, بعد أن عشنا أحداثًا كثيرةً نخجل بسببها أننا مصريون).

 

على كل حال ليس المهم هو الدور الرسمي في عودتنا- بما له وما عليه- لكن المهم هو الرد المصري الرسمي على المجزرة التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد أسطول الحرية لغزة!, وكذا الموقف المصري الرسمي من الحصار الذي سعى أسطول الحرية لفكِّه, وبالمناسبة فقد جاء الإعلان عن فتح معبر رفح لأجلٍ غير مسمى كنتيجةٍ لجهد الأحرار في أسطول الحرية، لكنا نرجو أن يكون فتح المعبر آليةً من آليات فكِّ الحصار فيسمح بدخول مواد البناء والإعمار, ويسمح بمرور الطلاب والحجاج, ويسمح بمرور السياسيين والإعلاميين (المحصورين في غزة) لعرض قضاياهم أمام العالم, بل يسمح بمرور التجار والبضائع بما يجعل الإغلاق الصهيوني لبقية المعابر لا قيمةَ له, أما مجرد دخول الأدوية وبعض المساعدات الغذائية المحدودة فلا يحقق سوى تخفيف الاحتقان وامتصاص حالة الغضب الشعبي ضد الكيان الصهيوني وضد الحصار الظالم والمشاركين فيه.

 

إن مقصود الصهاينة ومن ورائهم من الحصار هو الضغط على تيار المقاومة وحكومة حماس التي انتخبها الشعب الفلسطيني على برنامج المقاومة, المقصود صهيونيًّا بالحصار وبالحرب على غزة القضاء على كل أملٍ في المقاومة مستقبلاً, وهذا هو السبب الرئيسي لحالة الفزع والجنون الذي أصاب الكيان الصهيوني من أسطول الحرية الذي جاء ليُعلن باسم أحرار العالم (من كل الأجناس والأديان واللغات والألوان) التضامن مع تيار المقاومة المشروعة ليس فقط ضد الحصار بل ضد العدوان والتشريد والأسر والاستيطان والتهويد، بل وضد الاحتلال ذاته.

 

أعتقد أن يوم 31 مايو 2010م سيصير يومًا فاصلاً في حياة أمتنا, وسيبقى أحرار العالم الذين شاركوا في أسطول الحرية عنوانًا على أن الشعوب (وربما الأفراد) تستطيع أن تحقق الكثير والكثير (انتصارًا لقيم الحق والعدل والحرية)، وإن عجزت الأنظمة أو استسلمت أو كانت جزءًا من المؤامرة على تلك القيم.

 

أخيرًا يبدو أن تركيا التي أراد هرتزل أن يجعل منها منطلقًا لبداية المشروع الصهيوني ستكون إن شاء الله طرفًا رئيسيًّا وسببًا في نهاية ذلك المشروع، وفي تطهير وجه الإنسانية من جرائمه.

------------------

* د. محمد البلتاجي- عضو مجلس الشعب والأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.