كرهنا كلمة انتخابات وكل ما يتصل بها من كلمات، مثل لجنة وصندوق وتوكيل وتصويت وفرز ونتيجة، فالانتخابات في المجتمعات المحترمة تكون عيدًا للمواطنين، يشعرون فيه بقيمتهم كمواطنين، لهم حق اختيار من يمثلهم ومن يحكمهم، وبالتالي يزداد ولاؤهم لوطنهم وحبهم له وتفانيهم من أجله، ويتمتع المرشحون هناك بفرص متكافئة في كل ما يتصل بعملية الانتخابات، من تقديم ودعاية ومراقبة تصويت ومتابعة فرز وإعلان نتيجة، ويقول الناس فيها كلمتهم بهدوء ودون بهدلة أو قلة قيمة، وهذا هو الهدف من الانتخابات.

 

لكن القوم في مصرنا- جزاهم الله بما يستحقونه- قلبوا الآية، وتواصوا بالتزوير جيلاً بعد جيل، وأصبحت الانتخابات في بلادنا موسمًا للنفاق والكذب والفجور في الخصومة، وانعدام الضمير الإنساني والوطني، وغياب تكافؤ الفرص، وكل هذا يتم برعاية رسمية ومن أموال دافعي الضرائب.

 

انحياز سافر وسافل لطرف على حساب طرف آخر يحمل الجنسية المصرية أيضًا.. عملية لا صلة لها بالأخلاق، ولا علاقة لها بشيم الرجال، لكن ماذا تنتظر من حزب رضع التزوير وشبَّ عليه وشاخ فيه، انظر إلى أتباعه وأنصاره الذين يدَّعون أنهم يمارسون السياسة وكل علاقتهم بالسياسة كعلاقة كاتب هذه السطور باللغة العبرية، قل لي بربك: ما علاقة المشهد التالي بالسياسة، رجل يفترض فيه أنه قدوة ومربي أجيال وآخر يناديه الناس بلقب الحاج وثالث كنت تحسبه مثقفًا وعلى خُلق، وقد انكبُّوا جميعًا على صندوق الانتخابات وعكفوا على تسويد البطاقات لصالح مرشح الحزب الوطني، بعد أن حرَّضوا الجهات الرسمية المنحازة لهم على طرد مندوبي الخصم صاحب الشعبية الكاسحة التي يعلمون أنهم لا يستطيعون مجاراتها، فأوقفوا العمل بالتوكيلات الرسمية المعتمدة من الشهر العقاري، ووضعوا العقدة أمام المنشار "لا بد من توكيل مختوم من الشرطة"؛ التي لا تعطي مثل هذا التوكيل إلا لمرشحي الحزب المسمى بالوطني الديمقراطي، وأنعم بها من وطنية ويا لها من ديمقراطية!!، وكان لهم ما أرادوا، فطُرد المندوبون خارج اللجان، وانفرد الفاتحون الأشاوس المغاوير بالغنيمة السهلة.. "بطاقات التصويت"؛ ليعبثوا بإرادة الناخبين ويَقْلِبوا الحق باطلاً والباطل حقًا، وهي شهادة زور وجريمة تزوير كاملة مخلَّة بالشرف والسمعة، ويفترض في المجتمعات السوية التي لم تفسد فطرتها أن تطعن في ذمة فاعلها، وتقلل من قيمته بين أقرانه وبني جلدته، والأخلاق لا تتجزأ عمومًا.

 

فلتفرحوا قليلاً أيها التابعون بباطل انتصرتم له وكنتم جنوده وأعوانه وحراسه، ولتعيشوا لحظة نشوة كاذبة بأنكم قد أصبحتم شيئًا مذكورًا، ولتنعموا بنظرة رضا لحظية وابتسامة شكر آنية من سيادة النائب الرابح الحقيقي الوحيد من كل ما جرى، وامتنان لكم وعرفان بالجميل بأنكم أدَّيتم المهمة الشيطانية على أفضل ما يُرضي إبليس، وكان سعيكم عند عبد ضعيف مثلكم مشكورًا، فلتسعدوا معه بالاحتفال بالانتصار الذي أُعلن قبل أن ينفضَّ السامر، وليهنأ من فاز منكم بأي مغنم مادي تافه، لكن كل هذا سوف يكون وبالاً عليكم أيها المزوِّرون ولو بعد حين، عندما يأتي الأجل وتُسْأَلون.

 

ألم تعلموا أنتم وأشباهكم وإخوانكم ومن على شاكلتكم من أعوان الزور والباطل في كلِّ مكان من أرجاء مصرنا الحبيبة أنكم أحد الأسباب الرئيسية في شيوع الفساد، وتأخير الإصلاح بمساندتكم العمياء للكبار، وحسبكم منهم أن يعرفوا أسماءكم، وأنكم مجرد أدواتٍ حزبيةٍ صغيرة وتافهة يعتمد عليها السادة في قمة الحزب لتنفيذ هذه المهمة الحقيرة وفقط.. هذا هو كل دوركم، وسوف ينساكم إلى أن يستخدمكم في انتخابات أخرى نزيهة قادمة! بمجرد إشارة بإصبع الخنصر.

 

أيها التابعون، ما زلت أُحسن الظن بكم، وأقول إنكم ربما تجهلون خطورة ما قمتم به، أخاطب كل من كان له قلب منكم؛ أن يعود إلى رشده قبل فوات الأوان، ويندم على ما فعل، فالأمر جدٌّ لا هزل فيه.