هي علمانية تركيا العجيبة التي تصرّ حتى ولو كانت في النَّزْع الأخير على الانتقام، مستخدمة كل ما في أيديها من أدوات قانونية، ولا تتوانى عن استخراج كل ما في جعبتها من حِيَل سياسية للانتقام من "العدو الإسلامي اللدود"، الذي خرج من عرينه بعد سنوات معدودة من إسقاط الخلافة الإسلامية على يد "مصطفى كمال" وأبى- وما زال- يأبى الانكسار رغم كل ما قدِّم من تضحيات.. إنها قصة صراع مرير مخضَّبة بدماء شهداء، ومليئة بآلام السجون والحرمان من أبسط الحقوق السياسية لمجرد المطالبة بالعودة للإسلام.. قصة صراع بدأت منذ عام 1924م، يوم أسقطت العلمانيةُ المتطرفة الخلافةَ الإسلامية، وما زالت فصولها دائرةً حتى اليوم.

 

في هذا الإطار نستطيع أن نتوقف أمام الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الأسبوع الماضي، ضد البروفيسور "نجم الدين أربكان" بالغرامة بـ12.5 مليون ليرة تركية (9 ملايين دولار)، وذلك بناءً على تهم لـ"أربكان" ورفاقه بتبديد أموال حزب "الرفاه" (1983م- 1998م)، وقد تم سجن 88 شخصًا هم رؤساء حزب "الرفاه" في المحافظات التركية، كما تم الحكم بالسجن على "نجم الدين أربكان" لمدة عامين، قضاهما في الإقامة الجبرية داخل بيته.

 

حدث ذلك بعد حل الحزب عام 1998م، وإجبار "أربكان" على الاستقالة من رئاسة الحكومة بالقوة العسكرية، وبناءً على ذلك الحكم؛ تم الحجر على كل ممتلكات "نجم الدين أربكان" بما فيها بيته الذي يعيش فيه.. وأصبح مخيرًا بين الدفع أو بيع كل الممتلكات في مزاد علني.

 

والسبب أن حزب "الرفاه" حقق في انتخابات عام 1994م مفاجأة بفوزه في انتخابات البلدية في عدة مدن، وفي سنة 1995م حدثت مفاجأة أكبر بفوزه بأغلب المقاعد في الانتخابات البرلمانية في تركيا (158 مقعدًا من أصل 550)؛ ليصعد "نجم الدين أربكان" إلى منصب رئيس الوزراء في سنة 1996م، ويصبح أول رئيس وزراء "إسلامي" في تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م.

 

كانت المؤسسة العلمانية تتوقع فشله في رئاسة الحكومة، وبالتالي تقديم صورة سلبية عن المشروع الإسلامي وعدم قدرته على الحكم، ولكن "أربكان" حقق نجاحًا منقطع النظير؛ إذ تمكنت حكومته خلال عام واحد من خفض ديون تركيا من 38 مليار دولار إلى 15 مليون دولار، وكاد ينجح في حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العالمية، وتقدم الاقتصاد التركي خطوات واسعةً، وبات واضحًا تمامًا أن السر في هذا النجاح هو المشروع الإسلامي!.

 

هنا شعر الجيش التركي حامي حمى العلمانية بالخطر؛ فأقدم على انقلاب عسكري ضد حكومة "أربكان"، ودخلت الدبابات التركية إلى شوارع أنقرة وإسطنبول، وأجبر "أربكان" على الاستقالة، وتم حل حزب "الرفاه"، وقُدِّم "أربكان" إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة، أهمها انتهاك علمانية الدولة، وصدر القرار بمنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة 5 سنوات.

 

لم ييأس "أربكان"؛ فأسس حزبًا أسماه حزب "الفضيلة" سنة 2000م، وتولى "رجائي قوطان" رئاسته بسبب وقف "أربكان" من مزاولة العمل السياسي.

 

وفي سنة 2003م زال الحظر عن "أربكان"؛ فأسس حزبًا جديدًا هو حزب "السعادة".. وما زال الرجل يقدم رسالته حتى اليوم رغم تقدم سنه (84 عامًا).

 

لست هنا بصدد الدفاع عن نزاهة "أربكان"، فالرجل هو مؤسس الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا، وقد لاقى الكثير من العنت والظلم منذ دخل حلبة السياسة عام 1969م، في سبيل أن تشقّ تلك الحركة الإسلامية طريقها وسط أنواء العلمانية العنيفة.. فقد حلَّ له النظام العلماني من قبل- وعلى مدى 40 عامًا- 4 أحزاب؛ هي: "الخلاص الوطني"، و"السلامة"، و"الرفاه"، و"الفضيلة".. لكنه لم يتوقف ولم يستكن.. إذًا، فإن الحكم الأخير يأتي في إطار الصراع المرير بين حركة إسلامية تسعى لتجد مكانًا تحت الشمس بقيادة "أربكان"، والمؤسسة العلمانية التي تسعى لاستئصال شأفة الإسلام من البلاد.

 

وقد التفتت الأنظار إلى "أربكان" من جانب المؤسسة العلمانية عندما دخل حلبة السياسة لأول مرة بالترشح عام 1969م لعضوية البرلمان في مدينة "قونية"، التي كانت- وما زالت- معقلاً إسلاميًّا عريقًا، والتي منها بدأ "أربكان" أول تجربة سياسية، حين خاض الانتخابات النيابية كمرشح مستقل، وفاز فيها باكتساح.

 

ثم التفتت إليه أنظار المؤسسة العسكرية العلمانية عندما أسس عام 1970م حزب "النظام الوطني" أو "الخلاص الوطني".

 

وأعلن "أربكان" عن هوية حزبه بصراحة قائلاً: "إنّ أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون أن يُخرِّبوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان فليس أمامنا إلا العمل معًا يدًا واحدةً، وقلبًا واحدًا؛ حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقًا..."، وقد أشعلت تلك الكلمات ثورة المؤسسة العلمانية المتطرفة؛ فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قرارًا بحل الحزب ومصادرة أمواله وممتلكاته، بعد أن جرَّمته بتهمة انتهاك الدستور العلماني، والعمل على إلغاء العلمانية، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا، والعمل ضد مبادئ "أتاتورك".

 

كما حكمت المحكمة بالحجر السياسي على أعضاء الحزب لمدة 5 سنوات، غادر البروفيسور "أربكان" تركيا، وكان ذلك في الربع الأخير من عام 1970م، وبعد سنتين، أي في عام 1972م؛ عاد "أربكان" إلى بلاده؛ ليدفع بعض الإسلاميين ممن لا ينطبق عليهم حكم محكمة أمن الدولة العليا إلى تشكيل حزب جديد أطلق عليه اسم "حزب السلامة الوطني" في أكتوبر 1972م، وأصدر بعد ذلك بعدة أشهر صحيفته الرسمية "مللي جازيت"، التي ما زالت تصدر إلى اليوم.

 

وفي عام 1973م صدر عفو عام عن الجرائم السياسية، فشمل ذلك الحكم "نجم الدين أربكان"، ما أهّله لقيادة حزب "السلامة الوطني" وخوض الانتخابات، ليفوز الحزب بـ48 مقعدًا.

 

وشارك حزب "السلامة الوطني" في حكومة ائتلافية، وتبوأ "أربكان" منصب نائب رئيس الوزراء؛ بما يمثل أول حضور إسلامي في الحكومة منذ تأسيس الجمهورية العلمانية على يد "مصطفى كمال"، وقد أتيح له خلال غياب رئيس الوزراء بالخارج وقيام "أربكان" بمهامه أن يسجل واحدًا من أهم إنجازاته التاريخية؛ بإصدار قرار عام 1974م للقوات التركية بالتوجه للمثلث الشمالي من جزيرة قبرص، والقيام بحماية المسلمين الأتراك وإنقاذهم من إبادة محققة على يد القوات اليونانية، التي احتلت الجزء اليوناني من الجزيرة، وهو ما رفع شعبيته؛ ودفع العلمانيين إلى التحرك السريع وإجبار الحكومة على الاستقالة بعد 9 أشهر من تشكيلها.

 

وفي ذكرى "اليوم العالمي للقدس"، نظّم "أربكان" مظاهرة باسم حزب "السلامة الوطني" في مدينة "قونية" في السادس من سبتمبر 1980م، شارك فيها أكثر من نصف مليون تركي، وهتف المتظاهرون خلالها بشعارات إسلامية معادية للاحتلال الصهيوني، وبعد ذلك بيوم واحد فقط؛ فجّر الجيش انقلابًا عسكريًّا جديدًا بزعامة الجنرال "كنعان إيفرين"، الذي برر الانقلاب بـ"وقف المدّ الإسلامي، وروح التعصب الإسلامي الذي ظهر في مظاهرة قونية".

 

واقتيد "أربكان" وزملاؤه إلى السجن بتُهمٍ متعددة، من بينها العمل على استبدال قوانين الدولة العلمانية بمبادئ تقوم على أساس الإسلام، وهو ما كان كافيًا لأن يُحكم عليه بالسجن لمدة 4 سنوات، وإخراجه من الحلبة السياسية.. وهكذا انقلاب بعد انقلاب، وأحكام متتالية بالسجن ومصادرة للأموال والممتلكات!

 

إن "أربكان" منذ أن دخل الميدان السياسي عام 1969م وهو يسير على طريق مجاهدين سبقوه؛ من أجل إعادة تركيا إلى حضن دينها، ولاقوا في سبيل ذلك الأهوال؛ فقد أعدم "أتاتورك" الشيخ "سعيد بيران" وعددًا كبيرًا من أتباعه، ونفى أعدادًا أخرى إلى خارج البلاد؛ لمجرد مناداتهم بعودة الخلافة الإسلامية.

 

لكن حركة الشيخ "سعيد" لم تمت، بل ازدادت قوة بظهور أحد تلامذته وهو العلامة الكبير "بديع الزمان سعيد النورسي"، الذي أعلن بوضوح رفضه لمبادئ العلمانية التي أتى بها "أتاتورك"، فتم نفْيَه إلى مدينة "بوردو" النائية، ثم إلى مدينة "أورفة"، وظل في المنفى 35 عامًا متصلة (من 1925م- 1960م).

 

وتولى "عدنان مندريس" بعد فوز حزبه بالانتخابات العامة رئاسةَ الحكومة عام 1950م ولمدة 10 سنوات، ولما بدت ميوله الإسلامية واضحة انقلب الجيش عليه انقلابًا دمويًّا؛ حيث تم إعدام "مندريس" عام 1960م و"جلال بايار" مؤسس "الحزب الديمقراطي" الذي ينتمي إليه "عدنان مندريس".

 

إن زعامة "أربكان" لم تتحقق من فراغ، وإنما تقف وراء ذلك تربية إسلامية رصينة، فقد نشأ منذ ولادته في 29 أكتوبر عام 1926م في مدينة "سينوبهو" وسط جو ديني إسلامي، بين الطريقة النقشبندية طريقة الأساتذة الأوائل "سعيد بيران"، و"سعيد النورسي"، وغني عن البيان هنا، فصوفية هؤلاء القادة صوفية واعية بالواقع والسياسة، وتبنّت مشروع رفض العلمانية وإعادة تركيا للإسلام مرة أخرى.

 

كما سبق نجاحات "أربكان" في عالم السياسة نجاحٌ باهرٌ في عالم الدراسة والعلم والصناعة، فهو خريج كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة إسطنبول عام 1948م، وكان الأول على دفعته، وتم إيفاده في بعثة دراسية إلى ألمانيا عام 1951م؛ حيث نال شهادة الدكتوراه في هندسة المحركات عام 1953م.

 

وأثناء وجوده في ألمانيا عمل إلى جانب دراسته رئيسًا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز- هومبولدت- دويتز" بمدينة كولونيا، وتوصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات، التي تعمل بكل أنواع الوقود.

 

وفي نهاية عام 1955م عاد إلى تركيا ليعمل أستاذًا مساعدًا، وفي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية في تخصص المحركات.

 

وفي عام 1956م أنشأ "أربكان" أول أعماله الاستثمارية الخاصة؛ حيث أسس مصنع "المحرِّك الفضي" هو ونحو 300 من زملائه، فتخصصت هذه الشركة في تصنيع محركات الديزل، وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1960م، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو 30 ألف محرك ديزل سنويًّا.

 

إنها مسيرة طويلة ومريرة خاضها أولئك القادة؛ لإعادة تركيا إلى أحضان دينها من جديد، لكن المؤسسة العلمانية أبت ذلك، وظل التدافع هكذا- وما زال- حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً..!

------------------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية