في تاريخ الأمم والدعوات رجالٌ لهم بصماتُهم الواضحة وآثارُهم الكريمة التي لا يخطئها مَن يؤرخ لهذه الدعوة أو لتلك الأمة.

 

وأعظمُ أولئك الرجال أثرًا مَنْ جمع بين الفكر والحركة أو بين العلم والعمل، فقاد توجيهَ العقول، وقام بتربية النفوس، وشارك في تحقيق الآمال، وتحمَّل نصيبَه من التضحية، وقدَّم نموذجًا عمليًّا تطبيقيًّا وقدوةً واضحةً للجيل وللأجيال المتعاقبة.

 

ومن هؤلاء كان شيخُنا الراحل الدكتور أحمد العسال رحمه الله، ذلكم العالم العامل المتواضع الوقور الذي تخفي ملامحُه الهادئةُ نفسًا موَّارةً، وتحتمل أضلاعه قلبًا يشتعل حبًّا للدعوة، وهمةً ناهضةً لا تتوانى عن العطاء، والذي يُخفي شموخُه جنديةً صادقة، وتحتوي ملابسه البسيطة قلبًا شجاعًا لا يعرف الخوف.

 

الدكتور العسال في صفوف الإخوان المسلمين:

تتلمذ الراحلُ الكريم على الأستاذ الداعية البهي الخولي- رحمه الله- وأساتذة الإخوان الأوائل، والتحق بالإخوان مع رفيق دربه العلامة الدكتور القرضاوي في وقتٍ مبكرٍ في المرحلة الإعدادية، وانطلق يمارس نشر الدعوة من خلال الخطابة والكتابة في أنحاء القطر بنشاط ودأب لا يعرف الكلل أو الملل.

 

تعرض الراحل الكريم للمحن التي تعرض لها إخوانه من الاعتقالات المتكررة والسجن الظالم منذ وقت مبكر في حياته، كما تعرض للتضييق والمنع من الوظيفة ومن السفر، فما زاده ذلك إلا صلابة في دينه، واستمساكًا بدعوته، وهو يقول في ذلك: "من فضل الله علينا أننا دخلنا الإخوان، وأحيا الله القرآنَ في قلوبنا، وأحيا العلمَ في نفوسنا، وجعلنا أصحابَ رسالة كما يقول القرآن ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف)، فهذا التحوُّل جعل القلب حيًّا، وجعل الحياة مليئةً بالخير، ولذلك لم نعرف لَغْوًا ولا ضياعًا، فمنذ الابتدائي وحتى الآن ونحن نجاهد في سبيل الله، وهذا فضلٌ من الله عز وجل

 

لا يمكن أن يعوضك عن السعادة والجمال والحياة والحيوية أكثر من العمل الصالح، سواءٌ كان إنفاقًا أو ذكرًا لله أو كلمةً طيبةً تشعر بجمالها، ومن هنا قال الله تعالى ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 7) فإحياء الإيمان في النفس خيرٌ من الدنيا وما فيها، وَأَنَا وجدتُ إحياءَ الإيمان عند الإخوان".

 

ومثلما كان الراحل الكريم قائدًا متميزًا في الدعوة يجمع حوله القلوب والنفوس؛ فقد كان رحمه الله جنديًّا صادق الجندية، لم يتردد في العودة إلى مصر حين طلبه الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله، فبادر بالاستقالة من جامعة الإمام محمد بن سعود، وعاد إلى مصر، رغم المخاطر المتوقعة.

 

حركة لا تهدأ في أنحاء الدنيا

عمل الراحل الكريم مع رفيقه العلامة القرضاوي في مكتب شيخ الأزهر الشيخ شلتوت، ثم انتقلا للعمل في قطر، وكان لهما الدور الكبير في مواجهة الفكر البعثي الذي روَّج للطلاب أن الفكر الإسلامي انتهى، وأن المستقبل للفكر القومي الذي يهتم بوحدة اللغة والتاريخ بعيدًا عن الدين، فاستطاع الشيخان الجليلان أن يُصَحِّحا هذا الفكر المعوج، وأن يغرسا في نفوس الطلاب أن اللغة بدون القرآن لا تكون لغة عربية، وأن التاريخ بدون تاريخ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته لا يكون تاريخًا، وأن القومية العربية لا تصلح وعاءً للأمة ما لم تكن في ظلِّ الإسلام.

 

ذهب الراحل الكريم إلى إنجلترا عام 1965م وحصل على الدكتوراه من جامعة "كامبريدج" في لندن عام 1968م، وهناك أعطى العمل الإسلامي دفعةً قويةً جدًّا، وأنشأ مع إخوانه دار الرعاية الإسلامية التي تعددت فروعها فيما بعد وأصبحت بالعشرات، وفيما بعد أعارته جامعة الرياض لاتحاد الطلبة المسلمين لمدة 6 أشهر وكان له نشاط مفيد جدًّا هناك، وكان يعمل على جمع كلمة المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

 

ذهب الراحل الكريم إلى السعودية وتولََّى التدريس لمادة الثقافة الإسلامية بكلية التربية جامعة الرياض، ثم في كلية الدعوة بالرياض.

 

ثم دُعي للعمل في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد في الأعوام من 1986 حتى 2002م، تم تعيينه نائبًا فرئيسًا ثم مستشارًا للجامعة الإسلامية في إسلام أباد، وكان في كلِّ ذلك نموذجًا للقائد التربوي الفذ. (انظر مقالة أستاذنا الدكتور جابر قميحة في موقع إخوان أون لاين عن هذه الفترة).

 

تصحيح للمفاهيم

كان الراحل الكريم دائم الحرص على دعوة جموع المسلمين إلى التمسك بكتاب الله في كلِّ مناحي الحياة، مؤكدًا شمولية الإسلام سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وغيره، رافضًا بكل وضوح مقولة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، داحضًا هذه المقولة بشرح حقيقة الإسلام الشامل الذي لن تتحقق سعادة الدنيا إلا به؛ لأن الله أرسل الدين ليصلح السياسة ويصبغها بالأخلاق، مؤكدًا أن المجتمع الذي لا خُلُق فيه فلا جدوى منه وسينهار في أقرب وقت، وكان يرفض بشدة المفهوم الغربي للدولة الدينية، ويرى أن الأمة هي الحاكمة، وهي صاحبة السلطة، وهي التي تختار حاكمها، وهي التي تشير عليه، وهي التي تنصح له وتعينه، وهي التي تعزله إذا انحرف أو جار، والخليفة في الإسلام ليس نائبًا عن الله، ولا وكيلاً له في الأرض، إنما هو وكيل الأمة، ونائب عنها.

 

وكان دائم التأكيد أن القرآن ركَّز في معانيه وأحكامه على منظومة التربية للفرد، وأهمية الجانب الاجتماعي في المجتمع المسلم، والحث على قضاء حوائج الفقراء والمحتاجين، والتحذير من أهل النفاق الذين عانى منهم المجتمع المسلم كثيرًا، وما زال يعاني حتى يومنا هذا منهم، خاصةً من دعاة العلمانية وأتباعها، كما كان الراحل الكريم يؤكد وجوب احترام الأمة لقيمة الوقت وقيم العمل والعلم والنظام وغيرها من فضائل حثَّ عليها الإسلام؛ حتى يكون لها دورٌ في صناعة الحضارة العالمية.

 

رحم الله شيخنا العسال، وأسكنه فسيح جناته، وعوَّض الأمة منه خيرًا.

----------

* عضو مكتب الإرشاد، وأستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر