المؤمنون الصادقون الذين يحملون راية الإسلام في كل مكان ويعملون لرفعة شأنه وسيادته على ظهر الأرض يحتاجون دائمًا إلى خلوات يوثقون فيها علاقاتهم بربهم وبإسلامهم، ويحيون قلوبهم بالإيمان بالله، وينهضون ولا ينامون، أيديهم ممدودة إلى ربهم بالدعاء، وقلوبهم متعلقة بمن خلقها وطهرها وزكاها وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وفتح عليهم وبهم.

 

إن عيونهم شاخصة تنظر إلى أمجاد الإسلام، وترصد كل حركة وسكنة قام بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم لصالح الإنسانية لا تغيب عنهم أبدًا ليالي أهل بدر، وتجرد أهل بدر، وصدق أهل بدر، وإيمان أهل بدر، لسان حالهم يقول  ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (الأنفال)، لا ينسون أبدًا الجزيرة العربية؛ كيف كانت قبل الإسلام، ظلمات في ظلمات، وأحقاد وأضغان، ثم طهرها الإسلام ورفع من شأنها.

 

 ونظرة أولى إلى تكوين هذا المجتمع العجيب؛ لترى أن العصبة المؤمنة التي التّفت حول نبي الإسلام ونصرته وآوته تحولت إلى ملائكة يمشون على الأرض كانت صورة معبرة لجميع الأمة في الجزيرة، فكان منهم الغني والفقير، كان منهم الرجل والمرأة، وكان منهم العبد والسيد، لكنهم كانوا جميعًا كالجسد الواحد، فضربوا الأمثال في الفداء والوقوف حول النبي صلى الله عليه وسلم.

 

يقول أحد التابعين لأحد الصحابة: يا عم هل صاحبتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشتم معه؟ فيقول الصحابي نعم يا ابن أخي. فيقول له: كيف كان حالكم معه؟ فيقول الصحابي: والله يا ابن أخي كنا نجهد في اللحاق به وكان من أكثرنا تحملاً، وكان أقربنا إلى العدو وكنا نتقى به الخطر. فينظر التابعي إلى الصحابي ويقول له: يا عم، لو رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأيتموه، وصاحبناه كما صاحبتموه، لحملناه على رؤوسنا وأكتافنا وما تركناه يمشي على الأرض؛ اعترافًا بفضله وإقرارًا بحقه.

 

وهكذا تكون النظرة إلى القيادة الصادقة الأمينة نظرة حب تتناقلها الأجيال، وتعشقها القلوب وتقدرها حق قدرها.

 

فهؤلاء الأبرار الذين استقبلوا الوحي بصفاء ونقاء وصدق، عرفوا حق من حمله إليهم، وبلَّغهم به، والمصاحف بيننا الآن، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم تملأ المكتبات والبيوت وسنته صلى الله عليه وسلم تحصى أعماله بدقة، فما بالنا على ظهر الأرض وقد أصبحنا عدد الرمال لا نقوم بأي واجب علينا ولا ننهض بأى حق في رقابنا؛ ولا ننتقل من دائرة العواطف فقط إلى دوائر الانطلاق والتضحية والصبر والتحمل وحسن التربية؟

 

إن هذا الدين الذي شرفنا الله به، وشرف به البشرية جمعاء ولم تكن قبل شيئًا مذكورًا، يدل على أنه من أول أمره كان دينًا عالميًّا، وفي أيام مكة وأهوالها يعلن القرآن الكريم عن هذا الدين ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ (ص).

 

رب الكون ومالكه، ونواصي الجميع بيده، يعلن بكل هذه الصراحة: أن هذا الدين لا لمكة ولا للمدينة ولا للجزيرة ولا للفرس ولا للروم بل هو ذكر وحياة وإنقاذ للعالمين.

 

أيها الأحباب: ربوا الناس على ما رباهم الله عليه، وخذوهم بما أخذهم الله به، ولا تتحرجوا فلقد نهانا الحق تبارك وتعالى عن التحرج لأي سبب من الأسباب ولا لأي مانع من الموانع، فقال لرسوله صلى الله عله وسلم ولنا:  ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (الأعراف).  

 

أيها الأخوة.. إن دعوة الإخوان المسلمين وإن الرسالة التي يحملونها ويصبرون ويصابرون على ما ينزل بهم من أجلها هي دعوة الإسلام بالكامل في كل جزئية من جزئياتها وفي كل حركة من حركاتها وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم تعرضوا من أول يوم لمحن هائلة، وبلاء شديد، ومقاطعة من الذين لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا، ولم يعرفوا- كما لم يعرف غيرهم من الذين يعاندون- إنهم يعارضون الأقدار، ويقفون- عن جهل- أمام الواحد القهار الذي خلقهم وسوَّاهم وسيتوفاهم يومًا فيقفون بين يديه، ولو عرفوا أو حاولوا أن يعرفوا لسارعوا إلى الطريق، ولنجوا من عذاب الدنيا والآخرة.

 

أيها الأحباب.. نحن في رحلة إلى الله عز وجل لا تقطع بالسيارة ولا بالطائرة ولا بالصاروخ، لكنها تقطع في لمحة عين بالقلب السليم، ولذا قال أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام داعيًا يقول ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾  (الشعراء).

 

والقلب لا يحيا إلا بالإيمان، ولا يتحرك إلا بالزاد الرباني ولا يخفق إلا حينما تزول عنه الحجب، وفي الحديث: "إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد، قالوا: وما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: ذكر الله والاستغفار".

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان مادٌّ خرطومه إلى قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس الشيطان وهرب.. وإن نسى التقم الشيطان قلبه بخرطومه فصرفه كيف شاء". وقال صلى الله عليه وسلم: "في القلب لمّتان؛ لمّة الشيطان ولمّة الملك؛ فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليحمد الله عز وجل". ثم تلا صلى الله عليه وسلم ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)﴾ (البقرة). وجاء في الأثر "البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر وتردد وإن أفتاك الناس وأفتوك".

 

أيها المربون.. هذه مقاييس وضعها نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم لكي يعرفنا أين نحن؟ وكيف نعيش؟ لا بأخبار أحد، لكن بحركتنا الذاتية بالقلب الذي هو سر الله في كل إنسان، وهذا مقياس نبوي لا يملكه أحد ولا يعرفه إلا من ربَّاه الله عز وجل، فلنأخذ بهذه المقاييس من خلال اليقظة ومن خلال ذكر الله ومن خلال طاعة الله والبعد عن الغفلة والانشغال بهذه الفانية التي قال فيها صلى الله عليه وسلم "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء".

 

الدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فماذا في أيدينا من هذا الجناح؟ أي شيء له قيمة في أيدينا سراب وخيال، وهل يليق بمؤمن أن يحجبه عن الله عز وجل السراب والخيال والأماني التي تسمى بالدنيا؟ وليس معنى هذا أننا ندخل الدنيا ونعرض عنها، لكننا نعمل فيها ولا نعبدها وننسى الله، ولا نتقاتل أو نكذب أو نغش من أجلها.

 

المؤمن يرتفع فوق هذه الصغائر، فوق هذه التفاهات والأمور التي لا قيمة لها، وهو يعيش في الدنيا ويباشر أعماله فيها، لكن قلبه موصول برب الأرض والسماء لا يغفل عنه، ولا يشغل بغيره إن أراد الفوز.

 

سُئل الإمام على رضي الله عنه عن المسافة بين السماء والأرض فقال: دعوة مستجابة- ورفع النبي صلى الله عليه وسلم يده في بدر وقال "يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض" وأبو بكر من ورائه.

 

ثم انتبه صلى الله عليه وسلم فقال: "أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود الملائكة".

 

وقد دعا الأنبياء جميعًا فاستُجيب دعاؤهم.. نوح عليه السلام دعا ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ (القمر).

 

وإبراهيم الخليل عليه السلام جمعوا له الحطب، وتصاعدت النيران، وربط بالحبال، في هذه اللحظة جاءه جبريل عليه السلام يقول: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فعلمه بحالي يغني عن سؤالي.

 

وهكذا القلوب الحية العامرة على جميع الأزمان، المسافة بينها وبين الله خفقة، ولا ينزل يديه حتى يستجاب له في لحظات وينجيه الله عز وجل مما هو فيه.

 

ألا نستطيع- أيها المسلمون.. على ظهر الأرض.. يا مئات الملايين- أن ندعو جميعًا في رمضان من أوله إلى آخره أن ينقذ الله إخواننا في فلسطين، وأن يرد عنهم كيد الكائدين، وفي باكستان وأفغانستان وفي كل مكان تواصوا في رمضان وفي غير رمضان بالدعاء المتواصل والتضرع والوقوف بباب الله، وإن شاء الله يغير الله من حالنا ويرفع من شأننا ويرد عنا كيد الأعداء ولؤم الذين يمكرون بنا.

 

أيها المربون.. بينوا في كل مكان ما هو القلب الذي يخفق فيستجاب له، هناك علامات، جاء في سورة الأنفال عن صفات المؤمنين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (الأنفال).

 

لم يعرف بعض المسلمين من الصحابة ما معنى الوجل، فسألوا أم الدرداء رضي الله عنها عن معنى الوجل؟

 

فقالت أم الدرداء: "الوجل في القلب كاحتراق السعفة أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى، قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك".

 

إن الوجل هو ارتعاشة الوجدان وخفقان القلب واضطرابه ولا يسكن إلا عند الدعاء، وهذا مقياس أيضًا وضعه القرآن يدل على علامة القلب الوجِل الذي يخشع ويرتعش ويبكي ويحن إلى الله عز وجل.

 

اللهم ارزقنا مثل هذه القلوب.

إذن فليس القلب هو هذه القطعة التي تخفق في صدرك وتتجمع فيها الشهوات والمطامع، وليس هو القلب الذي لم يذق طعم الطاعة، ولم يعرف معنى اليقين، ولا يملك شيئًا من الشوق إلى عظائم الأمور، ومكارم الأخلاق ولا يحن إلى لقاء ربه، إن القلب بهذه الصورة ضيق مظلم لا يشرق فيه نور ولا ينشرح لحق ولا ينقبض لباطل، أما القلب الذي يريده الإسلام فهو الذي قال الله فيه ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للْإِسْلَامِ ۖ﴾ (الأنعام: من الآية 25)، وقال الله عز وجل ﴿اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّـهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) (الزمر).

 

أيها المربون.. افتحوا هذه النوافذ، وأحيوا القلوب بالإيمان، وأخرجوا منها الدنيا، وربوا الأجيال على أن يبصروا الحقائق، وأن يقرأوا القرآن بقلوبهم مع استحضار عظمة الله، وأميطوا عن القلب الغشاوات التي يجلبها الشيطان بذكر الله، وتذكر الآخرة، وكثرة الدعاء والاستغفار.

 

حفظكم الله ورعاكم وبارك في أعمالكم وجمعكم على الخير.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

----------------

* من علماء الأزهر الشريف