في جريدة (الدستور) بتاريخ 8 / 7/ 2010م كتب الكاتب الساخر خفيف الظلِّ عمر طاهر في زاويته "منتهى السعادة" تحت عنوان (الزواج على الطريقة التركية).

 

وقد أورد الكاتب تفصيلات كثيرة عن هذا الزواج.. مُستنبطة من نصوص قانون في الدولة العثمانية في بداية العشرينيات (في أكتوبر 1922م)، وهذا القانون يُمَثِّل أحدث صور التكافل الذي تحققه شريعة الإسلام بين الناس من الناحية التطبيقية والواقعية، وقد صدر في أواخر أيام الخلافة العثمانية التي قضى عليها كمال أتاتورك في عام 1924م.. وكم قرأنا عن الدولة العثمانية.. وعن تخلفها وتأخرها ورجعيتها، وكان خصومها يلقبونها بالرجل المريض.. ويرجع هذا الموقف النفسي والسياسي والإعلامي منها؛ لأنها كانت الصورة الباقية لوحدة المسلمين وجامعتهم السياسية.. وتمثلهم في المجتمع الدولي ومؤسساتهم؛ حيث كانت كلمتها مسموعة ولها هيبتها واحترامها.

 

وليس مجالنا هنا الحديث عن الدولة العثمانية بما لها وما عليها.. إنما نتكلم فقط عليها؛ لأنها وهي في أواخر أيامها.. وقبل أن يُقضى عليها نهائيًّا.. ومع ذلك تُصدر قانونًا له أثر كبير في حياة الناس الاجتماعية والأخلاقية.. ويتناول أدق التفصيلات التي من شأنها حثُّ الشباب على الزواج.. وتحديد السن الاختياري أو الإجباري للزواج.. ودور الحكومة في كفالة هذا الأمر الذي من شأنه عفة الشباب وتحصينه بعيدًا عن الانحلال والفساد والرذائل.. وشيوع التحلل والتفسخ والانهيار القيمي والخلقي.. ومظاهر العلاقات المشبوهة بين الجنسين بما يستتبعه من اختلاط مُنْكر.. وزواج عرفي.. واختلاط الأنساب، وشيوع جرائم متنوعة أظهرها المخدرات، والتعرض للإناث ومضايقتهن والتحرش بهن.. فضلاً عن انتشار مظاهر السرقة والنشل والاغتصاب.

 

كل ذلك وما إليه من انهيارات.. نتيجة حتمية لانشغال النظم القائمة في أغلب بلاد المسلمين عن الحلول الجذرية لقضايا الناس.. والاكتفاء بعلاج مظاهر المشاكل لا أصولها وفروعها بعيدًا عن جذورها.

 

بعض ملامح قانون الزواج:

نورد فيما يلي أهم ملامح القانون الذي ينظِّم موضوع الزواج الصادر في عام 1922م وفق ما نقله الكاتب الأستاذ عمر طاهر:

 

* تبدأ مدة الزواج الاختياري من سن 18 وتنتهي في سن 25، ومن لم يتزوج في الـ25 يُجبر على الزواج.

 

* إذا امتنع الشخص عن الزواج بعد هذه السن بحُجة أنه مريض يُكشف عليه.. فإذا كان مرضه قابلاً للشفاء يؤجل إجباره إلى أن يبرأ، وإن كان المرض غير قابل للشفاء يُمنع من الزواج.

 

* إذا امتنع الشخص عن الزواج بعد الـ25 بلا عُذر شرعي يؤخذ منه بالقوة ربع دخله سواء كان ربع ملكه أو ربع تجارته أو أجرة صناعته ويوضع في البنك الزراعي؛ ليصرف منه على من يريد الزواج من الفقراء إكرامًا لهم.

 

* وواضح هنا حرص هذا القانون على الاهتمام بزواج الشباب في السن المناسبة ما بين 18 إلى 25 عامًا، وأن هذه السنَّ هي السنُّ المناسبة في الغالب الأعم.. ولا يتم الإجبار إلا بعد تجاوز الشاب السن 25 عامًا.

 

ولا يتنافى ذلك مع قضية الإرادة والحرية ورغبة الشباب في الزواج أو تركه.. إنما المسألة هنا تحكمها المصلحة العليا للمجتمع، والرؤية الشاملة لعوامل استقراره وصلاحه ووقايته من عوامل تحلله وانهياره.

 

* ويذهب القانون إلى أبعد مدى، ويضع الضوابط والقيود على امتناع الشباب عن الزواج.. ويصل به الأمر إلى فرض عقوبة مالية تُؤخذ منه بالقوة؛ لمساعدة غيره من غير القادرين على الزواج.. بل ويُحرم من الوظيفة العامة.. وإليكم بيان ذلك من القانون:

 

1- كلُّ من لم يتزوج بعد سن الـ25 لا يُقبل بوظيفة مطلقًا في مصالح الحكومة، ولا يُنتخب في هيئة من الهيئات، ولا يُعهد إليه بمنصب أو أمر من الأمور، وإذا كان موظفًا يتم إعفاؤه.

 

2- كلُّ من تجاوز الـ50 ويكون متزوجًا بامرأة واحدة وفي استطاعته ماديًّا وصحيًّا أن يتزوج بأخرى يتم تكليفه بذلك؛ ليكون شريكًا في سدِّ حاجة من الحاجات الاجتماعية، فإذا اعتذر بأسباب معقولة يُكلَّف بمساعدة أولاد الفقراء والأيتام من واحد إلى ثلاثة حسب استطاعته.

 

* ولا ننسى هنا.. أن أي قانون تحكمه الفلسفة العامة التي يُصدر عنها.. والروح التي تملي هذا القانون حتى يصدر بهذه الصياغة أو تلك، ونستطيع بكل سهولة ويُسر أن نقول إن هذه الفلسفة أو الروح إنما يحكمها الإسلام بشريعته السمحة، التي تستهدف مصلحة الناس في دنياهم وآخرتهم.. وإن كفالة الأرامل والأيتام وتوفير حياة كريمة لهم هي غاية هذا التشريع.

 

* وإن الأرامل إذا كثر عددهن في المجتمع نتيجة الحروب التي يموت فيها الرجال أو لأسباب أخرى.. ويخلفون وراءهم أرامل.. فإن علاج ذلك لا يتم فقط بالكفالة المادية للأرامل واليتامى.. إنما تكون الكفالة بتزويج الأرامل.. حفظًا لهن وللمجتمع من شيوع أسباب الفساد والفوضى، فوجود أرملة في عصمة رجل متزوج خير من بقائها بدون زواج، وتكون عرضة للفتن وشيوع الانحلال، ولعل ذلك من أهم مبررات تعدد الزوجات في شريعة الإسلام.

 

3- من يتزوج في سن الـ18 – 25 وكان فقيرًا لا يملك شيئًا يُقطع له من أرض من 150 إلى 300 دونم مجانًا ( الدونم 900 متر) من أقرب مكان له.

 

* وهنا يحقُّ لنا أن نقف قليلاً أمام هذا النص؛ لندرك مسئولية الحاكم عن كفالة الحياة الكريمة لكل الناس.. واهتمامه بشئونهم وتوفير العيش الكريم لهم.. وقد يذهب البعض إلى استحالة تطبيق هذا النموذج.. باعتباره مثاليًّا بعيدًا عن الواقع أو مُحلِّقًا في الخيال.. ونردُّ على مثل هذا التفكير بأن موارد مصر كثيرة.. وخيراتها فياضة.. والمسألة تحتاج إلى صدق وعزم وإرادة وتحرر من الفساد، ومحاربة للنهب والسلب لثروات الأمة.. ويكون الحاكم.. وكل من حوله نموذجًا وقدوة في التعفف عن المال العام أو السطو عليه.. وليكن نموذج تركيا حاضرًا أمام الجميع.. حيث إن تركيا منذ ثمان سنوات كان وضعها الاقتصادي في أدنى مستوياته.. وبعد أن أُسند الأمر إلى أيدٍ أمينة ونفوس نحسبها تخشى الله عزَّ وجلَّ وتراقبه وترعاه.. وبعد محاربة الفساد في كلِّ مرافق الدولة.. إذا بالاقتصاد التركي يصل إلى مستويات متقدمة من النمو والرفاهية للمجتمع التركي.

 

4- كلُّ شخص تزوج قبل الـ25 ورُزق بثلاثة أطفال يتم تعليمهم مجانًا في مدارس الحكومة الليلية، وإذا كانوا أكثر يتم تعليم ثلاثة مجانًا ويُصرف لكل واحد من الباقين عشرة جنيهات من الأموال العمومية إلى أن يصبح عمره 13 عامًا.. وإذا كانت امرأة لديها 4 ذكور فصاعدًا تُمنح إعانة قدرها 20 جنيهًا.

 

5- كل طالب يشتغل بطلب العلم في الداخل أو الخارج يؤجل جبره على الزواج إلى أن يتم دراسته.

 

* وهنا يتضح حرص القانون على حثِّ الشباب على طلب العلم.. لما في ذلك من تحقيق نهضة الأمة وتقدُّمها.. وأخذها مكانًا متميزًا في العلم والتقدم والنهضة، بعيدًا عن عوامل التخلف والتأخر الحضاري الذي كثيرًا ما كان يوصم به خطأ العصر التركي العثماني جملة وتفصيلاً.

 

6- من يُضطر إلى السفر والإقامة في الخارج لبضع سنين لأي سبب وجب عليه اصطحاب زوجته أو تقديم عذر مانع من أخذ زوجته معه، وإن كان قادرًا على الزواج في البلد الآخر يُجبر عليه ثم يتوجب عليه بعد العودة أن يجمع زوجتيه في مكان واحد.

 

وأخيرًا:

فإن النقاط التي وردت في هذا القانون والذي مضى عليه قرابة التسعين عامًا يُمَثِّل الحدَّ المناسب لحقِّ كل إنسان في حياة كريمة تكفل له تكوين أسرة.. في سنٍّ مبكرة نسبيًّا.. بما ينعكس على المجتمع بأسره.. استقرارًا واطمئنانًا وأمنًا وأمانًا.

 

ولا يُقْتَصر التكافل في الإسلام على المجال الاجتماعي المتمثل في ضمان حياة كريمة للإنسان إنما يتجاوز ذلك إلى مجالات التعليم والصحة والعمل، إذ من حقِّ الإنسان أن يتزوج وُيكوِّن أسرة، ومن حقِّه أن ينال قسطًا معقولاً من التعليم ويعالج إذا مرض.. ويوفر له فرصة عمل حتى لا يكون نهبًا للبطالة والفراغ والدمار.. إلى غير ذلك من المطالب والاحتياجات التي تكفلها الدولة الراشدة.. وهذه الأمور متوافرة في النظام الإسلامي.. إذا خلصت نوايا القائمين على الحكم وكانت الشريعة الإسلامية هي المهيمنة على الأحكام وتُطبق ابتغاء مرضاة الله عز وجل.. ويومها يعم الخير.. وتتنزل البركات ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾ (الأعراف).