الشيخ الدكتور أحمد العسّال- رحمه الله- أحد النوادر الذين إذا ما سمعت بموتهم فعلى قدر ما يصيبك من الحزن على قدر ما تحسّ من السرور والبشرى! ولا نتألَّى على الله فهو أعلم بعباده، ولكنني أحسب أن أستاذنا الدكتور العسّال قد أفضى إلى رب كريم قد آنسه وبشره وأرضاه وقرَّبه ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾ (الفجر).. فهنيئًا له والعزاء لنا! الشيخ العسّال علّمني معنى العالم الرباني، فعلاً لا قولاً، وسلوكًا لا ادعاءً.

 

الشيخ- والله حسيبه- كان له من كل خير نصيب، وفي كل جهاد سهم وعلى كل طالب علم فضل، وعلى كل رائد نصيحة، ولكل دعوة إلى الخير حماس وإضافة.

 

الشيخ العسّال- رحمه الله- علّمني معنى التواضع الحقيقي، وأن العالم الحقيقي لا يتصنّع التواضع وإنما يحسّ فعلاً أنه دون ما يصنع لا فوق ما يصنع، فكان التواضع فيه سجية لا تحتاج إلى استحضار، وصفة لا تحتاج إلى تفكير، وبالتواضع رفعه الله- كما رفعه بالعلم- ذلك أن من تواضع لله رفعه، وأنه ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (المجادلة: من الآية 11)، ومن يتواضع إلا العلماء الحقيقيون!

 

الشيخ العسّال- رحمه الله- كان مثالاً للإنسان المسلم الصحيح البدن، القوي الشكيمة، العف اللسان، السليم الصدر، الدمث الأخلاق، وكان مثالاً لرب الأسرة الصديق الرحيم الودود النصوح، وكان مثالاً للعالم الأزهري الذي لا يدّعي على العالمين سلطانًا إلا النصيحة والتوجيه بالحسنى، ومثالاً لأبناء الأمة الذين حصلوا على أعلى الشهادات وأرقى المناصب، فلم تصدّه الدكتوراه من "كامبريدج" عن الولاء لأمته والجنوح لعربيته والتواصل مع الناس أجمعين، ولم تلهه المناصب الأكاديمية عن المشاركة في المبادرات العلمية، ولا الإشراف على الرسائل لطلبة العلم الصغار، ولا متابعة الشباب المتعِب من أمثالي أبناء جيلي، بصبر شديد، وحب صادق، وأمل عريض، وسعة صدر لا مصدر لها إلا الربانية في أعمق تجلياتها.

 

دعاني أستاذي وشيخي إلى مائدة إفطار منذ سنتين، هالني وغمرتني سعادتي أنني كنت فيها وحدي معه في بيته الكريم! وصنع الشيء الكثير- على غير ما أعرفه عنه من نظامه الراقي- ثم قال لي ونحن نتناول طعام الإفطار تعقيبًا على قولي: "شيخي، هذا كثير على أمثالي والله"، رد قائلاً: "إنما صنعت هذا لك لأن عمك الشهيد عبد القادر عودة قد صنع لي معروفًا لم أستطع ردّه إليه فأردت أن أردّه إليك! كنا في السجن الحربي وكان التعذيب عليّ شديدًا، ثم مرّوا بالأستاذ عبد القادر من أمامي في طريقهم إلى غرفة التحقيق معه، فهاله ما رأى من سوء حال، فأوقف حرّاسه وصاح بالضباط لائمًا على معاملتهم الشرسة لي، بل ووضع بيده في خدي قطعة منه كادت أن تسقط من التعذيب؛ فأوقفوا تعذيبي وانفضوا عني.

 

وهذه الشجاعة منه في هذا الموقف- رغم قرب إعدامه شنقًا- كانت جميلاً ما زلت أذكره".

 

ثم قال: "يا سلام!" على حدّ ما كان يقول شيخنا دائمًا حين تنتابه لحظة شعور صادق، وما كان أكثر لحظات شعوره الصادق.

 

وأذكر كذلك حين عرضتُ عليه بعض ما كتبتُ في موضوع مقاصد الشريعة أنه شجعني- رحمه الله- وحضني على استكمال البحث، ولو في الغرب إن لم أستطع في الشرق، وقال لي: "كلها أرض الله يا بني، ما دام الهدف واضحًا والمنهج أصيلاً، والمهم أن تتخصص وتتقن ما تفعل وتحصل على أعلى الدرجات فيه"، وكان يتصل ليتابع على كثرة أعماله ومشاغله- رحمه الله-.

 

واهتمام الشيخ- رحمه الله- بالقرآن تلاوةً وتفكرًا واستيعابًا ومرجعًا وملاذًا، هو اهتمام ليس بالبسيط في معناه ومغزاه، فقد أدرك بثاقب بصره وبصيرته- رحمه الله- أن هذا الكتاب هو عمدة الدين وثابت الشريعة ومدار العقيدة، وأن تنوع الآراء فيه مقبول بل مطلوب ما دام يدور في دائرته ويتمحور حول محكماته.

 

وليس لمثلي أن يكتب عن الشيخ الدكتور أحمد العسّال، وإنما هي دمعة وفاء وتنهيدة فقدان من أحد التلاميذ، وما أكثرهم!

 

عسى أن نلحق بك- سيدي- على خير، وأن يجمعنا الله بكرمه ومنّه وجميل ستره وواسع فضله في مستقر رحمته، هنيئًا لك- سيدي- ما عند الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

--------------

* تورنتو- كندا