رحل الشيخ عبد المنعم أحمد إبراهيم تعيلب أحد الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، والعالم البارز صاحب موسوعة "فتح الرحمن في تفسير القرآن" اليوم عن عمر يناهز 89 عامًا، وسط حزن عارم بين محبيه وتلامذته، الذين أكدوا أنه عالم معتدٌّ بعلمه وانتسابه إلى الأزهر، وكان يقول الحق مهما كانت الظروف، ويُقَدِّم النصح الجميل لإخوانه وأبنائه؛ حيث كان له دورٌ كبيرٌ وكتابات رائعة وراقية في فقه الدعوة.

 

حياة حافلة

وُلد الفقيد الجليل في شهر مارس عام 1921م بقرية بني أوس بمحافظة الشرقية، ونشأ في أسرة ريفيَّة وتوجَّه إلى دراسة العلم الشرعي؛ بكُتَّاب القرية، وأتمَّ حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكرة، بعدها التحق بالمعهد الديني الأزهري، ومنه إلى كلية أصول الدين؛ التي حصل فيها على الترتيب الأول بين جميع الخرِّيجين، فكرَّمه الملك فاروق، ومنها حصل أيضًا على درجة الإجازة العالمية (الدكتوراه) في التفسير من الأزهر الشريف.

 

وارتقى في مناصبه العلمية، ففي التدريس في المعاهد والمدارس الابتدائية والثانوية وكلية الدراسات العربية والإسلامية الأزهرية والدعوة والإشراف على الدعاة في شتَّى محافظات مصر من عام 1947م إلى عام 1968م، وبعدها التحق بالتدريس في دولة الكويت بمعهد القرآن الكريم، ومعهد الإمامة والخطابة والقصر الأميري من عام 1968م إلى 1979م، وشارك في الرقابة على طباعة المصاحف، وعلى الأفلام قبل عرضها، ثم نال في عام 1980م حتى عام 1991م أستاذية الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز، وتحكيم رسائل ترقية أعضاء هيئة تدريس داخل الجامعة وخارجها، ومن ثم الدعوة بمساجد وأندية معاهد البحرين، ومسقط عمان، وألوية ومحافظات اليمن.

 

وشارك في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، وأيضًا مؤتمر عقدته الجامعة العربية بالقاهرة في شأن السبق العلمي في القرآن المجيد والسنة المطهرة، وأسهم في توعية الطلاب في المعسكرات وفي الإذاعة الطلابية المرئية، وكان له دور مؤثر في برنامج نور الإيمان بالإذاعة السعودية، الذي ضم 44 حلقةً، كما شارك في إرساء قواعد ترجمة معاني القرآن الكريم إلى سائر اللغات، وعُقدت له محاضرات ومؤتمرات بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.

 

والفقيد الجليل له العديد من الإسهامات الشرعية؛ حيث أعدَّ العشرات من الكتب والمجلدات والبحوث التي كان لها دور كبير في إثراء مكتبة تفسير القرآن الكريم، بدايةً من "إعداد تفسير الكتاب العزيز" حسب ترتيب السور الذي راجعته إدارات الفتوى والبحوث بالرياض، ونشر تفسير الكتاب الكريم "فتح الرحمن"، كما ساهم في إعداد عدد من البحوث منها "قبس من آيات الجلال والبرهان"  ترجم فيه معاني القران الكريم إلى 4 لغات غربية، و3 لغات شرقية، و"عبر من أنباء المرسلين والسابقين"، و"اللاجئات المسلمات"، و"الإسلام وسواه من الأديان"، و"أقدس المطالب القرآنية"، "الإسلام دين السلام"، "نحو إنسانية راشدة"، "شمول الإسلام"، "بالإتقان والإحسان نبلغ المراد وننال السعادة والرضوان".

 

والتحق الفقيد بحقل الدعوة الإسلامية مبكرًا بعد أن تعرَّف على دعوة الإخوان ومؤسسها الإمام حسن البنا، وانضمَّ إلى جماعتها، واعتقل بسببها أكثر من مرَّة، وهو ما أتاح له صحبة عدد من أئمة وأعلام الأزهر الذين كانت تزخر بهم الجماعة وقتها.

 

قدوة طيبة

 الصورة غير متاحة

الشيخ محمد عبد الله الخطيب

وقال الشيخ محمد عبد الله الخطيب عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين سابقًا لـ(إخوان أون لاين): إنه كان عالمًا معتدًّا بعلمه وانتسابه إلى الأزهر، وكان يقول الحق مهما كانت الظروف، ويقدم النصح الجميل لإخوانه وأبنائه، ويحترم الصغير قبل الكبير.

 

وأضاف أنه في بداية حياته كان يعمل واعظًا، وكان مثالاً للعالم الملتزم الصادق القوي في علمه وحجته، والمؤمن برسالته التي يؤديها المعتز بانتمائه للأزهر، والغيور على الإسلام والمسلمين وأحوالهم.

 

وأوضح أنه كان ناصحًا لإخوانه مربيًّا أبناءه بالرحمة والحكمة، وكان يسعى دائمًا للارتقاء بهم في مجال العلم والعبادة، وكان يتفقدنا دائمًا بسؤاله الودود "هل أديتم صلاة الفجر، وقمتم من الليل شيء، وذاكرتم الدروس واستعددتم للنجاح؟"، مشيرًا إلى أنه- رحمه الله تعالى- كان يزرع فينا خُلُق المسلم، والاعتزاز بالعلم والدعوة إلى الله، وكان محبًّا للناس جميعًا.

 

وأضاف أنه كان في الخمسينيات بأسيوط حينما كان مدرسًا لنا يزور أهلنا، ويجلس معهم ويتبسط في الحديث عن أمور دينهم بالحب والحكمة التي أبهرتهم وجعلتهم يعشقون الإسلام، كما بهر الناس جميعًا برحمته في إلقاء حديثه ولطافته في استرساله، وهو ما جعل الناس ترتبط بمسجده والصلاة بجانبه؛ حيث نجح- رحمه الله- كعالم فريد في هذا العصر أن يحبه الجاهل والمتعلم.

 

وأوضح أنه- رحمه الله- انتمى لدعوة الإخوان حبًّا وإرادة وعمل لها بقوة ويقين، وكان يؤكد لأبناء الدعوة دائمًا أن الإسلام هو مصدر فخرهم ومكانتهم وشرفهم، وكان يستشهد دائمًا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)﴾ (الأنبياء) وكان يفسر قوله تعالى: "ذكركم": أنه هو حياتكم ومماتكم وكرامتكم.

 

وأشار إلى أنه كان دائمًا مسددًا وموفقًا سواء في دراسته أو قدوته أو حياته العامة أو الخاصة، مضيفًا أنه عاش بالصعيد عامي 51 و 52 وما عُرف عنه سوى الخير والعطاء، وما صدر منه تصرُّف يسيء لدعوته وإسلامه، وكان دائمًا غيورًا على الأزهر والدعوة، ويدافع عنهما بكل ما أوتي من علم وقوة.

 

فقيه دعوي

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الرحمن البر

وأكد الدكتور عبد الرحمن البر عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين وأستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر أنه- رحمه الله تعالى- كان يحيا في ظلِّ الإسلام، وكان عالمًا كبيرًا، وله دور كبير وكتابات رائعة وراقية في فقه الدعوة.

 

ودعا د. البر للفقيد بأن يرحمه الله رحمة واسعة، وأن يتقبله في الصالحين ويكرِّمه في مماته، كما أكرمه في حياته عاملاً وداعيا ومؤثرًا في حقل الدعوة والعلم، متأسيًا بالرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم.