حذَّر عددٌ من الخبراء من نتائج ارتفاع أسعار كافة المنتجات المرتبطة بالقمح، وأضافوا أن السبب الرئيسي في هذا الأمر التخبُّط الحكومي الواضح، وغياب التخطيط الإستراتيجي.

 

ووفق آراء المراقبين فإن مصر تواجه أزمةً حقيقيةً في القمح, بدايةً من ارتفاع الأسعار التي تسببت في وصول سعر طن الدقيق إلى 2800 جنيه بعد أن كان 1900 جنيه منذ أيام، واتَّجاه التجار إلى تخزين الدقيق والمتاجرة به في السوق السوداء، وما يسببه ذلك كله من زيادة أعباء الأسرة المصرية في غذائها الرئيسي.

 

وتوقَّع الدكتور أحمد توفيق الخولاني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الزراعة بمجلس الشعب تفاقم الأزمة في الفترة المقبلة, بسبب الأحداث التي شهدها السوق العالمي بعد وقف روسيا لتصدير محصولها.

 

وأكد الخولاني أن الحكومة تساهلت مع رجال الأعمال والمنتفعين من التجارة، وسمحت لهم بالتلاعب بقوت الشعب المصري من خلال الصفقات المشبوهة، كالقمح المسرطن والفاسد والمخلوط بالحبوب الغريبة، فضلاً عن مجاملة لجنة التظلُّمات بوزارة التجارة والصناعة، وبالتحديد الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات لرجال الأعمال على حساب المواطن المصري، والذي يكون دائمًا الضحية.

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد الخولاني

 

واتَّهم الحكومة بالتسبب في الأزمة عن طريق السياسات الخاطئة والمتبعة مع العديد من المسئولين والباحثين الذين تقدَّموا بحلولٍ جذريةٍ عن طريق وأد أفكارهم، والتي تضمن للشعب المصري تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح, أو الإطاحة بهم مثل ما حدث مع أحمد الليثي وزير الزراعة السابق الذي أُقيل بعد تأكيده أن زراعة القمح في مصر ترتبط بقرارات سياسية في المقام الأول، ورضوخ الحكومة المصرية للضغوط الخارجية من الدول الكبرى بمنع زراعة القمح على أراضيها.

 

وقال: إن الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين تقدَّمت باقتراحٍ لزيادة زراعة محصولي القمح والشعير عن طريق تطهير أراضي الساحل الشمالي من الألغام واستغلالها؛ حيث تُقدَّر تلك المساحة بحوالي 3 ملايين فدان، ولا تحتاج إلا لنثر البذور دون ري أو صرف معتمدة على مياه الأمطار فقط، إلا أن الحكومة تجاهلته على الرغم من إبداء القوات المسلحة لاستعدادها في تطهير هذه الأراضي!!

 

ويتفق معه فاروق العشري الخبير الاقتصادي والقيادي بالحزب الناصري، مؤكدًا أن الحكومة لن تستطيع ضبط الأسواق أو التحكُّم في ارتفاع الأسعار التي خلَّفتها الأزمة نتيجة نقص محصول القمح وزيادة أسعاره عالميًّا؛ الأمر الذي سوف يؤدِّي إلى ارتفاع العديد من السلع الأخرى، وحدوث انفلات كبير للأسعار لم تشهده من قبل، محذِّرًا من موجة غلاء واسعة تجتاح البلاد.

 الصورة غير متاحة

فاروق العشري

 

وأضاف أن مصر غير قادرة إلى الآن على تحقيق الاكتفاء لنصف احتياجاتها من محصول القمح، وليس الاكتفاء الكامل أو توفير نسبة معقولة من احتياجاتها، بالرغم من علمها بأن القمح سلعة إستراتيجية مهمة وضرورية, بل وتصرُّ على محاربة المزارعين ووضع العقبات والعراقيل أمامهم، بالرغم من توافر الإمكانات الماديَّة والبشرية والأراضي الصالحة لزراعة محصول القمح.

 

وتوقَّع العشري وجود تبعات نتيجة تفاقم الأزمة تتمثل في تنامي السوق السوداء وبيع الدقيق بها، واستغلال التجار فروقات الأسعار، بالإضافة إلى زيادة انتشار الفساد والتلاعب في كميات الدقيق المدعَّم؛ حيث لا توجد رقابة حقيقية؛ الأمر الذي يؤدِّي بدوره إلى تسريب كميات كبيرة من الدقيق إلى الأسواق.

 

ويرى الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن اقتصاد أي دولة لا بد أن يضع خطةً إستراتيجيةً لتوفير السلع الأساسية للمواطنين، وأن الفترة المتفق عليها بين الاقتصاديين يجب ألا تقل عن 8 أشهر، حتى يمكن تدبير هذه السلعة في حالة حدوث أزمات، وهذا ما يخالف تصريحات الحكومة من أن المخزون لا يكفي إلا لمدة 4 أشهر فقط، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري ضعيف جدًّا، يعتمد على الواردات بشكلٍ كبير، خاصةً فيما يتعلَّق بالسلع الإستراتيجية، مثل القمح ذي الإنتاج القليل، وهو ما يعد أمرًا غير منطقي في ظلِّ توافر جميع الإمكانات.

 الصورة غير متاحة

د. جهاد صبحي

 

ويؤكد صبحي أن القمح له تأثير مباشر على العديد من السلع الأخرى، خاصةً السلع التي يدخل في مكوناتها، مضيفًا أن الأسواق في المرحلة القادمة سوف تشهد ارتفاعًا في الأسعار على مستوى جميع السلع، وإلحاق الضرر بأصحاب الدخول البسيطة.

 

وانتقد الأجهزة الرقابية وجمعيات حقوق المستهلك الذي يرى أنها لا تقوم بالأدوار المنوطة بها، فالأسعار عندما ترتفع عالميًّا ترتفع في السوق المحلي، وعندما تنخفض عالميًّا لا تنخفض في الأسواق المحلية، والمستفيد من ذلك هم كبار التجار ورجال الأعمال الذين يستخدمون السلطات التشريعية والتنفيذية لخدمة مصالحهم، وهو ما يوجب على أجهزة الدولة التدخُّل لوقف معاناة المواطنين.

 

وأوضح الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن سلعة القمح سلعة إستراتيجية تمثِّل أمنًا قوميًّا لمصر، ولا يصح أن تعتمد الحكومة فيها على الخارج في حين أنها تستطيع تغطية احتياجاتها من خلال تشجيع الفلاحين على زراعة القمح وتحفيزهم على ذلك بعدة طرق مختلفة، مؤكدًا أن مصر ليست أقل من السعودية وغيرها من الدول التي نجحت في زراعته في الوقت الراهن.

 

وطالب "المصري" الحكومة بالإنصات لمطالب الفلاحين واحتياجاتهم وتشجيعهم على زراعة القمح، حتى تحقق الاكتفاء الذاتي منه، ولا تتعرض لأزماتٍ تدفعها إلى الاستيراد.

 

وأشار إلى أن الحكومة اهتمَّت العام الماضي بالفلاح وزراعة القمح، وحسَّنت الدخول المادية لهم، لكنها تجاهلتهم العام الحالي، ولم تسأل فيهم، في حين أنها لو وضعت هذا الأمر في حسبانها هذا العام لما تعرَّضت لأزمة القمح وارتفاع الأسعار والاستيراد بسعر أعلى من الأسواق العالمية والمحلية، وبذلك فإن سياسات الحكومة في لجوئها للاستيراد دون استغلال إمكاناتها وثرواتها وأراضيها غير منضبطة ومنفلتة ومختلة وتحتاج إلى إعادة نظر.

 

وشدد على ضرورة تجنب السياسات الرديئة وغير الموضوعية والقائمة على الهوى، والتي تخدم الفساد والمصالح الخاصة لرجال الأعمال والمستثمرين، وتدلُّ على فشل الحكومة في مواجهة أزماتها المختلفة.

 

وطالب الدكتور حامد القرنشاوي عميد كلية التجارة بجامعة الأزهر الحكومة بتحمُّل الفرق وعدم الإضرار بالمواطن ورفع أسعار القمح الذي يؤدِّي إلى رفع أسعار السلع التي تتكون منه، محذِّرًا إيَّاها من استخدام المواطن كبش فداء للخروج من الأزمة.

 

ودعا الحكومة وجمعيات حماية المستهلك والأجهزة الرقابية إلى حماية المواطن من طاغوت الغلاء، ومواجهة أزمة القمح وتقلُّبات الأسعار بإعداد خطة طويلة المدى، تُشجِّع الفلاحين على زراعة القمح حتى يتم الاستقرار.

 

وأوضح أن الاستيراد تصرُّفٌ لازمٌ وعاجل لمواجهة الأزمة، لكنه اختيارٌ غير مستحب ومرفوض دائمًا، ويجب الاستعانة بالثروات والموارد المحلية، مؤكدًا ضرورة توحُّد خبراء وأساتذة الاقتصاد على صياغة خطة شاملة لمواجهة الأزمة وتحديد سعر ثابت جاذب للفلاح سعيًا لحل الأزمة.

 

وأشار القرنشاوي إلى أن الظروف العالمية وضعت الحكومة في مأزقٍ في ظلِّ تناسيها لمستقبلها، مطالبًا إياها بأن تستيقظ ولا تعتمد على السياسات التي تسبب لها الأزمات.