أما الوديع جدًّا، والطيب جدًّا، والحنون جدًّا، والنبيل جدًّا، في هذا المسلسل، فهو ضابط مباحث أمن الدولة الخلوق جدًّا، هذا الضابط الذي يتأكد من بياناته جدًّا، ويتعامل برقة شديدة مع المتهم، ويحاوره بالعقل، ويحترم كل حقوقه كمواطن له كرامته جدًّا، ولا يقبض على أحد من بيته إلا وهو آسف جدًّا، ومحتاط جدًّا للحفاظ على حرمات البيوت، ولا بد أن يستصحب معه إذنًا من النيابة يبين مهمته العليا.

 

كما أنه يستضيف المتهم في مكتبه ويحسن له حق الضيافة جدًّا. وهو غيورٌ جدًّا، رقيقٌ جدًّا، إنسان جدًّا، ودودٌ جدًّا، وحريص جدًّا على كرامة المتهم، ويحاوره ليقنعه بالطريق الصحيح، ولا يلتفت إلى التهم المنسوبة له حتى يستيقن منها جدًّا، أنه يلتفت فقط إلى الحقائق ويدقق فيها، ولا يلتفت إلى الصخب الإعلامي وإلى التشويه الإعلامي، مثل الذي اعتبر أن مسلسل الجماعة تحيزٌ للإخوان المسلمين، وأعطاهم ما لا يستحقون، لأنه نزع منهم اسم "المحظورة"، وأعطاهم اسمًا مشروعًا هو "الجماعة".

 

وهذا الضابط كذلك، ليس هو الضابط الذي يخرج منتفخًا في قوته وأبهته، لينفذ أوامر واضحةً جدًّا، بإغلاق اللجان في وجه المواطنين أيام الانتخابات، وبالسماح لمجموعات بعينها فقط بالدخول، وبتسويد النتيجة وتزويرها لصالح فلان على حساب فلان، إنه ليس الضابط الذي يستدعي المواطنين، بكبر وغرور، ويهدر كرامتهم بسوء المعاملة وسوء الضيافة وسوء الاستقبال، ويتعدّى بالأذى أحيانًا إن لزم الأمر.

 

إن الضابط في هذا المسلسل، لم يأخذه الغرور والكبر، مما أعطاه المناصب "العليا" من تحكُّمات ظالمة، من القبض على من يشاء، واتهام من يشاء، وحبس من يشاء، والعفو عمن يشاء، واستصدار القرارات لتعيين من يشاء، عمدةً في قريةٍ كان، أو رئيسًا لجامعة كان، أو وزيرًا كان أو خفيرًا كان، أو دون ذلك أو فوق ذلك كان، إن كليهما في المسلسل لا يظلمان، لأنهما يتذكران دائمًا سوء عاقبة الظالم مهما أمهله الله تعالى، يريانها ماثلةً أمامهما في مشاهدَ كثيرة، هذا في الدنيا، وهما كذلك يؤمنان بعاقبةٍ في الآخرة أشد سوءًا، لذلك فهما لا يظلمان أبدًا، ولا يأخذان أحدًا بشبهة، ويتحريان العدل في كل خطواتهما.

 

أما غير الوديع، بل والقبيح جدًّا، والشرس جدًّا في هذا المسلسل، فهو أسلوب هؤلاء الشباب المغرر بهم في الانضمام للإخوان، إنه أسلوبٌ أرعن، فيه فظاظة وغلظة وقسوة وجفاء، وكيف لا، وقد انضموا أو تعاطفوا مع الإخوان بسبب مصالح خاصة، وبئست المحبة التي لا تقوم إلا على المصلحة، فهذا الطبيب انضم إليهم لأنه يريد أن يتزوج ابنة قيادي بارز في الإخوان يعمل مديرًا لنفس المستشفى الذي يعمل فيه هذا الطبيب الهيمان بالبنت وليس بالإخوان، فهو يطمع في الثروة والسلطة معًا "على حد تعبير المسلسل"، والآخر قدِم من الريف، فوجد من ييسر له أمر السكن والكتب والمذكرات، فكيف يستفيد من خدماتهم ويبعد عن جماعتهم، وثالث انضم إليهم لأنه يهوى التغيير، أي تغيير حتى ولو للأسوأ، والأسوأ هنا هم الإخوان على حد قوله في المسلسل.

 

إن لي جارًا من الإخوان، هو ضيف شبه دائم علي هذه الجهات "العليا"، وقد جاءه أكثر من مرة زوار الفجر يفزِّعون كل من بالبيت، ويبدو أن حظه كان سيئًا في كل مرة، فالضباط الذين جاءوا إليه لم يكونوا بطهارة ضباط هذا المسلسل، كما أن رؤساء النيابة الذين حققوا معه وحكى لنا بعدها، لم يكونوا أيضًا من رؤساء نيابة هذا المسلسل!!.

 

والشراسة أيضًا، هي في منطق هذه الخادمة التي ارتدت النقاب فطردها مخدومها في المسلسل الوديع جدًّا، وكيل النيابة المحترم.

 

والشرس أيضًا في المسلسل، هو أسلوب حسن البنا في صباه، إنه يتصدى للدعوة بجرأة، وجفاء وبدون حكمة، وفي المسلسل إيحاءٌ بأنه ربما يكون طالب زعامة أو طالب وجاهة أو مستفيدًا من جمع التبرعات، وقد رجعتُ إلى المرجع الذي ذكره المسلسل، وهو كتاب "مذكرات الدعوة والداعية"، فوجدته كتابًا ممتعًا في نصفه الأول الذي قرأتُه، ووجدت به اختلافًا كبيرًا عما جاء بالمسلسل، وأنصح المتابع لهذا المسلسل بقراءة هذا النصف.

 

أيها المؤلفون والمنتجون والإعلاميون؛ لماذا هذا الاستخفاف بعقلية المشاهد؟، لحساب مَنْ تعملون؟، نرجو منكم قليلاً من الإنصاف، مع الإخوان ومع غير الإخوان، هل تم استبدال أثواب الطهارة والتقى والورع والنقاء في هذا المسلسل مع أثواب الظلم والجفاء والشراسة والشقاء؟ وهل يستمر هذا الاعوجاج إلى نهاية المسلسل أم ينصلح الحال بعد ذلك؟، أرجو ممن يتابعُ أن يخبرني، لأنني سئمتُ المتابعة لزيفٍ يعكِّر علينا صفو الشهر الكريم، وكل عام أنتم بخير.

-------------------

[email protected]