إن الشجاعة والصلابة في مقاومة الباطل، والمناعة الكاملة ضد الشهوات وصنوف المغريات، هي أبرز صفة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفي من جاء من بعدهم ممن ساروا على دربهم، وفهموا هذا الدين على حقيقته، وهي أهم وأعظم ما نحتاج إليه اليوم وغدًا في جميع الميادين الداخلية والخارجية، مع أنفسنا ومع أعدائنا، فهي العدة وهي العبور إلى النجاح والتوفيق.

 

إنه لا ينقصنا المال فنحن أغنى أمم الأرض وإن تكن في الواقع أفقرها ولا ينقصنا العلم فلدينا في العالم العربي وحده من الجامعات ما لا حصر له، ولا ينقصنا العدد، فالمسلمون اليوم أكثر من مليار ونصف المليار، ولا ينقصنا بسطة السلطات وسعة الأوطان، فالمسلمون لا تغيب الشمس عن أوطانهم.

 

إنما الذي نحتاج إليه وينقصنا شيء واحد هو هذا الضمير المؤمن المستعصم، كما ينقصنا القدرة على مقاومة الإغراءات التي ترجع في جملتها إلى شهوات البطن والفرج وحظوظ النفس والتعلق بمتاع الحياة الدنيا.

 

إن اتساع مساحة البطن اليوم والاستجابة لمتطلباتها لهو طريق يؤدي إلى الضياع؛ ففي كل شارع (سوبر ماركت) تعرض فيه كل المغريات والجواذب لهذا الأمر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه".

 

وكان صلى الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ويقول: "مالي وللدنيا.. إنما أنا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها"، وأرسل صلى الله عليه وسلم مجموعة من الصحابة لمطاردة العدو على ساحل البحر بقيادة أبي عبيدة، فسئل: ماذا كان طعامكم؟ فقال رضي الله عنه: أعطانا صلى الله عليه وسلم جرابًا فيه تمر. قيل له: ماذا تصنعون به؟ قال: كان نصيب الواحد منا تمرة في اليوم يضعها في فمه ويشرب عليها الماء ويمتصها!!

 

تأملوا في هذا الأمر، الذين فتحوا الدنيا وعمروها، وصانوا الأمانات، وأخلصوا في صيانتها، كان نصيب الجندي منهم في اليوم تمرة؟! إن هذا لشيء عجاب، لماذا رضوا بها؟ لأنهم رُبوا على الإسلام، وعلى الصيام، وعلى القيام فاستعلوا على الشهوات، وألوان الأطعمة التي تدفع إلى الكسل والنوم والجبن، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾ (آل عمران)، ثم يرشدنا الحق تبارك وتعالى في الآية التي بعدها للسعادة والرقي فيقول: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾ (آل عمران).

 

أيها الأحباب.. إن الطريق إلى الله كما رسمته الآية أول درجة في سلمه: الصبر بغير حدود، يليه الصدق مع الله ومع النفس ومع الناس، يليه القنوت؛ وهو كثرة الدعاء والاستغفار، يليه الإنفاق والعطاء وسماحة النفس في القمة والمستغفرين بالأسحار الذين قاموا بالليل ووقفوا بين يدي ربهم والناس نيام، قاموا حبًّا له سبحانه واعترافًا بفضله وشكرًا لنعمه، وأحسوا بتقصيرهم رغم ذلك فهم يطرقون بابه ويسألونه أن يغفر لهم وأن يسامحهم رغم هذا المجال الذي عاشوه وسلكوه، وهذا ما نتعلمه ونتربى عليه طوال رمضان، ويجب أن يكون هذا دأبنا طوال العمر ما دام فينا نفس يتردد، وقلب ينبض بالحياة.

 

ولا سبيل للوصول إلى هذه المقامات العليا من الصبر والصدق والقنوت وقيام الليل إلا بتربية روح المقاومة الصلبة واليقظة الكاملة، والخوف من رب الأرض والسماء، تربية ذلك كله في وجدان الأمة، وتعويدها حياة المجاهد الذي يحمل هم أمته ويتألم لأدنى أذى يلحق بها، ولا ينام الليل إذا أحس بمظلوم لم ينصف وبضائع لم يؤخذ بيده وهو كما قال الشاعر:

وكلما ذكر اسم الله في بلد.. عددت ذاك الحمر من صلب أوطاني

 

ومن هنا نؤكد أن الهدف الأكبر من الصيام هو أن يكون وسيلة وعونًا للمسلم يقوى به على مقاومة جميع الشهوات، بل ويغلق بابها في نفسه وفي حسه وينفر منها ويكرهها ويمقت أصحابها الذين أدمنوها وغرقوا فيها، فأصبحوا صورة كريهة للإنسان الذي كرمه الله وعلمه ورباه، وأرسل له رسله، وأنزل على أنبيائه كتبه لهدايته ولإقلاعه عن الذنوب، ولبغض الباطل والمبطلين والزيف والمزيفين، والظلم والظالمين، والاستكبار والمستكبرين.

 

والذي نؤكده وننبه إليه أن شهر رمضان هو انقلاب كامل في حياة المسلم بغير مواعيده؛ فيغيرها عن رضا فيصوم يومه عن المفطرات وقد كانت له قبل ذلك حلال، لأن الله أمره بتركها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وقيام الليل الذي دائمًا ما يتباطأ فيه أو لا يشعر به، يصبح شيئًا مألوفًا مستحبًّا فيقبل عليه بنهم، ويقف خلف الإمام صفًّا كصفوف الملائكة في السماء.

 

ما معنى ذلك كله، معناه إحياء النفس المؤمنة المجاهدة التي تحمل رسالة الإسلام، رسالة الحق، وتصبر على أدائها، وتصبح الدنيا عندها في وضعها الحقيقي وننظر إلى الآخرة نظرة صحيحة، فيوقن بها ويتطلع إليها، فهو طالب لها ومشتاق إليها، وكان صلى الله عليه وسلم يذكر بهذا دائمًا ويغرس اليقين بالآخرة في قلوب أصحابه فيقول: "إن الرائد لا يكذب أهله.. والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم.. والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن على ما تعملون، ولتجزون بالسوء سوءًا، وبالإحسان إحسانًا، وإنها لجنة أبدًا أو لنار أبدًا".

 

أيها المسلمون جميعًا.. يقول الإمام البنا عليه الرضوان عن الوحي الذي نزل في شهر رمضان: (حين أنزل القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأه هنا النبي الكريم على الأمة العربية حينذاك، عمل في نفوسهم عمل السحر، وبلغ أثره أعمق هذه القلوب، وتغلغل في حنايا الضلوع، وتمكن من مكامن الأرواح، وبدل الله به هذه الأمة خلقًا آخر فكان البون بعيدًا والفارق عظيمًا بين الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها) "خواطر رمضانية للإمام الشهيد البنا".

 

رحم الله إمامنا الشهيد فقد كان أمة وحده؛ بذل وقته وكل ما يملك في إنهاض هذه الأمة وعمل بجد واجتهاد ولا نظير لهما على فك القيود التي قعدت بالناس، والعادات التي ضيعتهم فاستطاع بصدقه وإخلاصه أن يردهم ردًّا جميلاً إلى هذا الطريق لينفضوا ما عليهم من أغلال ولينطلقوا في سبيل الله لرفع لواء الإسلام، فجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين ثم يشير الإمام البنا رحمه الله إلى ظاهرة يجب علينا أن ننبه إليها وأن نبتعد عنها، وأن نقتدي بسلفنا الصالح فيقول: (وها هو القرآن الكريم يتلى علينا، ويقرأ بين ظهرانينا، فهل تغيرت به نفوسنا، وانطبعت عليه أخلاقنا، وفعل في قلوبنا كما كان يفعل في قلوب أسلافنا؟ لا أيها الإخوان، لقد صرنا نقرأ القرآن قراءة آلية صرفة، كلمات تتردد ونغمات تتعدد، ثم لا شيء إلا هذا، أما فيض القرآن وروحانيته وهذا السيل الدافق من التأثير القوي الفعال، فمن بيننا وبينه حجاب، ولهذا لم نكن صورة من النسخة الأولى التي تأثرت بالقرآن، وتبدلت نفوسها به، وها نحن الآن نريد أن نقتدي بهذا السلف، ونريد أن نُنهض من جديد في نفوس المسلمين وشعوب المسلمين أمة القرآن ودولة القرآن وها هو شهر القرآن شهر رمضان المبارك يظلنا بروحانياته فهل لنا أن نتصل بالقرآن صلة حقيقية تطهر من أرواحنا وتغير من نفوسنا) المرجع السابق.

 

هذا توجيه يجب علينا أن نفهمه بعمق، وأن ننتهي عما نهينا عنه، وأن ننطلق بجد واجتهاد إلى ما أمرنا به.

 

وقفة لا بد منها..

نحن نشعر بغصة وألم شديد من الأسلوب الذي يعامل به أطهر وأصدق خلق الله بعد عصر الصحابة ومن جاء من بعدهم ممن سار على هذا الدرب.

 

نتألم ألمًا شديدًا لا لأنفسنا؛ فنحن قد وطنا أنفسنا على التحمل والصبر الجميل، لكن والله نتألم لمن يفعل هذا ونحزن لهذا السلوك معنا، أهكذا يعامل الداعون إلى الله على بصيرة، أهكذا يعامل حملة القرآن ورواد الخير؟ ممن تشرفوا بحمل دعوة الإسلام هم ومن على شاكلتهم في شتى أقطار الأرض، لا يطلبون أجرًا من أحد، ولا يريدون جزاء ولا شكورًا من مخلوق، والله إنها لمواقف تحتاج على الأقل لمراجعة صادقة ممن يفعلها؛ فالصحفي الذي يكذب على الإخوان وهو يعلم، وينسى أمانة الوظيفة، وأمانة الكلمة وينساق وراء أهوائه أو غرائزه الدنيا، وينطلق في كلام هو أول من يعلم أنه لا أساس له، والدولة- أي دولة- تضيق على الإخوان؛ على أشرف دعاة، بدل أن تستفيد من قدراتهم في التربية وصنع الرجال الأبرار الأمناء الذين يؤدون واجبهم، ويحرصون على أدائه، ويحترمون غيرهم، ولم يصدر منهم لأي مواطن في أي مكان منذ ثمانين سنة ما يمكن أن يسمى بالمغالطة أو المخادعة, وحاشاهم- وهم الذين يخافون الخالق قبل المخلوق- أن يصدر منهم هذا.

 

ومن العجب أن تصادر ممتلكاتهم الحلال الطيبة التي اكتسبوها من كدّهم ومن عرقهم وأن تؤلف لهم المحاكم الاستثنائية لوضعهم في السجون والمعتقلات، فهل إلى خروج من سبيل؟
نرجو أن يراجع من يفعل هذا نفسه مرة، وأن يفيق من غفلته فإن الله يراه وناظر إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (5)﴾ (آل عمران).

 

الأمر الثاني.. أحوال المسلمين بعامة، والعدوان عليهم واضطهادهم وتشريدهم وقتلهم، وتسأل لماذا؟ فلا جواب، ماذا فعل شعب العراق حتى تفعل به أمريكا ما فعلت؟ ما هي الجناية التي ارتكبها؟ وما هي النهاية؟ قتلى يتشحون في دمائهم وثكالى، والعجيب أن من يفعل هذا لا يفيق ولا يريد أن يستيقظ، وكل جنوده الذين شاركوا في حرب العراق رجعوا إلى بلادهم وهم مصابون بالصراخ ولا علاج لهم، حتى الكلاب التي جاءوا بها للمشاركة في التعذيب دخلوها في مستشفيات نفسية أيضًا!!

 

هل ظن هؤلاء أن من اعتدى على المسلمين والمسلمات وأراق دماءهم سينجو من غضب الله؟ أبدًا؟.

 

أهل فلسطين الأحباب الذين فعل اليهود بهم ما نعلمه جميعًا ما بين مشرد وأسير وقتيل وسجين، وأمرأة ثكلى فقدت أولادها، وفقدت زوجها، لكنها بحمد الله وحده لم تفقد إيمانها بربها، وبالنصر.

 

لقد تحمل أهل فلسطين ما هو فوق طاقة البشر، والمسلمون يقفون حيارى، ماذا يفعلون والأغلال في أعناقهم لا يستطيعون أن يقدموا شيئًا، وماذا فعل أهل أفغانستان الفقراء العزل حتى تقتحم عليهم بلادهم- وهي صحراء جرداء- هل آذوا أحدًا؟ هل اعتدوا على أحد؟ هل أخذوا حق أحد حتى تجتمع كل الدول الأوروبية وأمريكا رأس العدوان والإجرام والشر عليهم.

 

إن هذه الشعوب المغلوبة على أمرها والمضيق عليها في الرزق وفي الحياة وفي كل شيء ذنبها الأول وجريمتها الكبرى في نظر الغرب أنها مسلمة، أنها مؤمنة! استعصت على الباطل وأهله، فاستحقت من أهل الباطل أن يفعلوا بها الأعاجيب.

 

وماذا فعل أهل باكستان المسلمة الذين لم يعتدوا على أحد ولم يأخذوا حقًّا لأحد، ما هو ذنبهم وما هي جريرتهم؟ وأهل السودان وأهل اليمن وأهل الجزائر قبل ذلك!

 

إنها نغمة واحدة- شعوب متخلفة- هكذا يقولون ومن قال إن علاج التخلف- لو صح- هو القتل هو التنكيل والتشريد؟! إنها أوروبا وأمريكا ديار التعصب القبيح المذموم.

 

أيها المسلمون.. قفوا صفًّا واحدًا في رمضان وفي غير رمضان وقفوا أمام باب الله واطرقوه وداوموا الطرق، وادعوا وداوموا الدعاء، وأحسنوا صلتكم بالحق تبارك وتعالى، وثقوا بأنكم على الحق المبين الذي قامت عليه السماوات والأرض فلا يوجد حق سواه، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

 

﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر).