لقد أكرمنا الله بهذا الدين الحنيف، وهذا الإسلام العظيم، ومنحنا السيادة والعزة والتقدير والاحترام، إذا نحن استمسكنا به، ونفذنا تعاليمه، ووقفنا عند حدوده، بل ضمن لنا الأمن والأمان في كنفه ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام)، والأمن هنا أمنان، أمن نفسي وأمن مادي ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾ (قريش).

 

ولأننا نذوق للإيمان طعمًا حلوًا، ونسعد بالأمان في مجتمع الإيمان.. لا نعتدى على أحد، ولا نحب أن يعتدي علينا أحد؛ لأن دعوتنا دعوة السلامة والسلام للبشرية جمعاء، بشرقها وغربها، بل هي رحمة للعالمين؛ ولذا حين تطل الحرب برأسها على العالم فإننا ندعو العقلاء في شتى بقاع الأرض للعمل جاهدين لإخمادها قبل أن يستفحل شرها ويطغى دعاتها.

 

ونظرةً إلى سيرة رسولنا الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- نجده قد مكث 13 عامًا بعد البعثة شعاره فيها ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125)؛ ليثبت لمجتمعه الذي عاش فيه أنه رسول السلام من قِبَل رب العباد، بالرغم من تحمله من قومه ما لم يتحمله أحد من البشر، فقد حوصر سنوات، وقوطع ومن آمن معه، واتهمه أعداء الدعوة بما ليس فيه، وافتروا عليه الكذب كفار قريش فهو مرةً ساحر، وأخرى شاعر، وثالثة كاهن، بل هو مجنون، ويفرق بين المرء وزوجه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حاكوا المؤامرة لقتله إلا أن الله عصمه من الناس، وبعد هذا الإيذاء والكيد أمره الله بالهجرة إلى المدينة لعله يجد فيها أرضًا صالحة لدعوته؛ ليحق الحق ويُبطل الباطل ولو كره الكافرون.

 

ولذلك فإن المرجفين وأعداء الإسلام لا يفترون من تشويه الدعوة والداعين، بل يصورون انتشار الإسلام على أنه تحقق بقوة السيف والإكراه وليس بقوة الحجة والبيان، ونحن ننفي هذا الافتراء نفيًا قاطعًا، فإن الإسلام لم ينتشر إلا بقوة المبادئ والقيم والإيمان، ولهذا كان الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة؛ ليصد الهجمة الشرسة من أعداء الإسلام على كل ما هو خير للبشرية؛ لترتفع راية الحق والعدل والخير عالية؛ لتصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

 

من أجل هذا رأينا الحق تبارك وتعالى بعد 15 عامًا من البعثة يأذن للرسول- صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين بالقتال لرد هذا العدوان: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).

 

فهم لا يبتدئون بالقتال من أجل القتال، وإنما يقاتلون ويدافعون من يقاتلهم، ولا يعتدون من تلقاء أنفسهم على أحد ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 149) حتى عند القتال لا يجاوز المجاهد في سبيل الله الحد الذي رسمه الله له، كما أخبر الله في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)﴾ (البقرة).

 

وهنا يتبين بوضوح الفرق بين الإرهابي الذي يعتدي على الآمنين بغير حق، والمثال واضح في غزة وفلسطين والعراق وأفغانستان، فتُسفك دماء بريئة، فيتبين لذي عينين الجهاد المشروع، والمقاومة الواجبة حين يُعتدى على الأعراض والأنفس والثمرات والأوطان، ويسقط في ساحة القتال، أبرار صمموا على الدفاع عن دينهم وعقيدتهم وحريتهم، ويرخص بذل الدم الغالي ليروون به الأرض؛ لتخرج منه شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، حتى يحقق المولى تعالى النصر، وهذا ما كان من سلفنا الصالح يوم وقفوا للكفر سدًا منيعًا، وما كان من الأبطال في كلِّ العصور والدهور، وكل الأزمنة والأمكنة حين جادوا بأرواحهم، فأجرى الله النصر على أيديهم.

 

إن للشهيد مكانةً عاليةً عند الله، ودرجة عظيمة؛ لأنه يبيع نفسه وروحه الغالية لربه، ويلبي نداء خالقه حبًّا في جنة ربه، ولإعلاء كلمته، فمَن الذي يرغب في هذه المكانة؟! فعن جابر رضي الله عنه قال: "لقيني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال لي: "يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟" قلت: يا رسول الله، استُشهد أبي يوم أحد، وترك عيالًا ودَيْنًا، قال: "ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟" قلت : بلى يا رسول الله، قال: "ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وأحيا الله أباك فكلمه كفاحًا- مواجهةً- فقال: يا عبدي تمنَّ عليّ أعطك، فقال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانيةً، قال الرب عزَّ وجلَّ: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون"، قال: وأنزلت الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾ (آل عمران)"، هكذا فهم رجال بدر فهانت عليهم الدنيا، وقال قائلهم: "بيني وبين الجنة تلك التمرات، والله إنها لحياة طويلة".

 

فهنيئًا لكم يا شهداء فلسطين والعراق، وشهداء الحق في كل مكان، فبكم ينتصر الحق، وإن النصر لقريب، وهكذا تتحدد المعاني، فلا يُخدع المسلم بمكر أعداء الإسلام؛ لأنه ليس بالخب ولا الخب يخدعه.

-------------

* نائب المرشد العام للإخوان المسلمين.