في الحلقة (15) يرى عميد الكلية الطلاب يقيمون الصلاة في الساحة لعدم وجود مسجد، فيطلب إنشاء مسجد للطلبة، وهنا يُظهر وحيد حامد المنطق الأمني على لسان مَن حول العميد؛ تخطئةً لقراره هذا، فالمنطق الأمني لا يتردد في الوقوف أمام سلوك أو مظهر إسلامي إذا فسره على أنه فرصة لجماعة الإخوان المسلمين دون النظر إلى حقوق الإنسان فيه أو الواجب الشرعي الذي يحمله، فالمساجد تُغلق بعد الصلاة بأمر الأمن، وحفلات الزفاف في المساجد تمنع أو تقيد تقييدًا شديدًا، والاعتكاف يُمنع في عموم المساجد، وخطباء المساجد يبدلون باستمرار أو يُمنعون حسب تقييمهم الأمني، والخطبة تقيد أو تفرض، والصلاة في الخلاء ينظِّمها الأمن، والمراكز والجمعيات الإسلامية تؤمم لصالح رجال قريبين من الأمن، والمدارس الإسلامية تُغلق أو تُهدم كما حدث أخيرًا في الإسكندرية، ويرفع المسجد من تصميم المدارس الحديثة التي تقيمها هيئة الأبنية التعليمية، فما عدت ترى مسجدًا في أي بناء مدرسي حديث.

 

وبناءً على ذلك يجري الحوار في الحلقة على أن تخصيص مسجد للطلاب سيكون سببًا للفتنة.. هكذا!! ويُظهر المؤلف ضعف حجة العميد؛ لأنه يُحار جوابًا فيقول: لننتظر ثم نرى، وهكذا تكون المساجد مصدرًا للخطر إذا دخلها الإخوان المسلمون، هكذا يعبث وحيد بعواطف الناس لينحاز بها ضد عقولهم، مع أن دعوة الإخوان المسلمين قامت في أساسها لتجديد شباب الدين وفتوة الإسلام في نفوس أبنائه، وإحياء العبادة الصحيحة، ونشر العقيدة السليمة، وإعادة غراس العزة في نفوس المسلمين؛ تمهيدًا لإحياء حضارتهم، والإخوان يرحبون بكلِّ حكومة تقوم بذلك، ويدعمونها ولا يطلبون الأمر لأنفسهم.

 

يقول الأستاذ البنا: "قد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاء لأوامر الله، وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالاً لآياته، ولأحاديث نبيه, وأما الحال كما نرى: التشريع الإسلامي في وادٍ والتشريع الفعلي في وادٍ آخر, فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف، هذا كلام واضح لم نأتِ به من عند أنفسنا, ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف، وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني؛ فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".

 

وهكذا يرى الأستاذ البنا أن الحكم الصالح أصل من أصول الإسلام حمايةً لحقوق الناس، وحفظًا لحياتهم، وصيانةً لدينهم، وطاعةً لله، واستجابةً لما أنزل في الكتاب، وسيقفون مع كل حكومة تعمل على هذا الأساس، ولا يجعلون الحكم حكرًا على أنفسهم، ولذلك فإن الذين يحمِّلون على هذه الجماعة ويتهمونها بإثارة الفتن؛ هم الكارهون لزوال سطوة الثقافة الغربية لصالح ثقافة تسود الحياة الإنسانية تعتمد على مبادئ الإسلام، ولأن كل ما أنزل الله في كتابه حقٌّ له كالصلاة والصيام، هذا هو منطلق الشيخ حسن البنا الفكري، ولم يكن منطلقه الانفراد بالسياسة أو الحكم أو جاهًا شخصيًّا لنفسه، كما جاءت بهذه التهمة خاتمة هذه الحلقة.

 

النقطة الثانية التي تعرضت لها هذه الحلقة هي نقطة استخدام القوة عند الإخوان، وإظهار اندفاع الشيخ البنا نحوها، حتى دون مشورة من إخوانه (صناعة البنادق الخشب للتدريب، ومفاجأة الإخوان بها في مقرهم)، والحقيقة أن الشيخ حسن البنا كان واضحًا في البداية من موضوع القوة، فهو يرى أنها صفة يجب أن تكون لازمة في مجتمع المسلمين دفاعًا عن دينهم وأوطانهم، وهي قوة عامة لا يقصد بها تحديدًا القوة العسكرية، وقد انتفعت الأمة المصرية بقوة جماعة الإخوان المسلمين مرات عدة، أولها عندما انطلق فدائيوها ضد الجنود الإنجليز حتى ألجئوهم إلى مدن القناة، وعندما حاصروهم في معسكرات القناة، وقاتلوهم قتالاً شديدًا حتى تم الجلاء، وعندما خرجت المسيرة الضخمة من نصف مليون رجل (وهي مظهر من مظاهر القوة التي قصدها الشيخ البنا رحمه الله)، وذلك من أجل نصرة قضية فلسطين ونجدتها، فأثرت تلك المسيرة في إيقاظ الوعي وتنبيه الحكومات، وأثمرت مشاركة الفدائيين المصريين في مقاومة العصابات الصهيونية ثم في اتخاذ قرار الحرب ضد الكيان الصهيوني.

 

وهو نفس أسلوب القوة التي استخدمها الإخوان المسلمون في مناصرة قضية الحرية والديمقراطية بتلك المسيرة الحاشدة التي انحازت لموقف محمد نجيب الراغب في عودة الحياة الديمقراطية، وعودة الجيش للثكنات؛ ما اضطر عبد الناصر إلى التراجع المؤقت عن صدامه مع نجيب، ثم تلك القوة في الشباب التي سمت بالمجتمع المصري من الهوان الذي أرهقه كثيرًا باحتكار فئة من أصحاب السوابق الجنائية و"البلطجية" لإدارة وتسيير الانتخابات لصالح من يستأجرهم، حتى اضطرت الحكومة عندئذٍ أن تلجأ لقوة الشرطة وأمن الدولة للتزوير، والتحكم في انتخابات فاضحة ميلها للفساد، وجنوحها للاستبداد، هذه هي مظاهر القوة التي آمن بها الإخوان؛ لأجل صالح الأمة، وصحيح دينها، وسلامة مسارها، ولم تعني تلك القوة لهم يومًا أو لمؤسس الجماعة الثورة أو قلب نظام الحكم، يقول الأستاذ البنا بعنوان "الإخوان والقوة والثورة":

"أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته, فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60).

 

والنبي يقول: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، وهو مظهر الخشوع والمسكنة, واسمع ما كان يدعو به النبي في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه ويناجي به ربه: "اللّهُمّ إِنّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمّ وَالْحَزَنِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَال", ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كلِّ مظهر من مظاهر الضعف: ضعف الإرادة بالهم والحزن, وضعف الإنتاج بالعجز والكسل, وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل, وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر؟.. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء, شعاره القوة في كل شيء؟.. فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء, ولا بد أن يعملوا في قوة.

 

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر, فلا يغوصون في أعماقها، ولا يزنون نتائجها وما يقصد منها وما يراد بها, فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان, ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط, ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح, ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا, وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان؛ فسيكون مصيرها الفناء والهلاك".

 

ثم يقول:

وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها, ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح, وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال".

 

وهكذا فالقوة مطلوبة في فكر الأستاذ البنا، خدمة لقضايا الإسلام والأمة؛ لكن دون تحولها لتغيير النظام بالقوة أو بإحداث ثورة، وهو ما يحسب للجماعة وليس عليها.

 

ومن هنا يأتي تَجَنِّي المؤلف على فكر وشخصية الأستاذ حسن البنا؛ حيث يجعل القوة هوسًا مرتبطًا بتحقيق مجده الشخصي على حساب جميع القوى السياسية، كما يجري على لسان النحاس باشا في هذه الحلقة، ويجعل ذلك يظهر في زلة لسان لشخصية الشيخ البنا أمام الشيخ الطنطاوي عندما يقول: "جنود للجماعة" فيصحِّح له الشيخ الطنطاوي: "بل قل جنودًا لله"، مرة أخرى يتجنى المؤلف على شخص وفكر وفقه الشيخ البنا عندما يجعله يطالب وعاظ الإخوان بأن يخاطبوا الناس بما يحبون سماعه لا بما يحب أن يقوله الداعية، وفي هذا بالقطع تلفيق عظيم على فقه الشيخ، ومحاولة لوصمه بالمكر والخداع؛ للوصول إلى أهداف أخرى غير الوعظ والإرشاد؛ فهل هذا التلفيق يقوله القائل في رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس:

"وإذا كان الإخوان المسلمون يعتقدون ذلك فهم يطالبون الناس بأن يعملوا على أن تكون قواعد الإسلام الأصول التي تبنى عليها نهضة الشرق الحديث في كلِّ شأن من شئون الحياة، ويعتقدون أن كل مظهر من مظاهر النهضة يتنافى مع قواعد الإسلام ويصطدم بأحكام القرآن فهو تجربة فاسدة فاشلة، ستخرج منها الأمم بتضحيات كبيرة في غير فائدة، فخير للأمم التي تريد النهوض أن تسلك إليه أخصر الطريق باتباعها أحكام الإسلام".

 

فالشيخ البنا هنا لا يجامل الناس بما يحبون أن يسمعوه، بل يحدد في وضوح وشجاعة بيان صلاح أحوالهم، ويعارض كل ما يصطدم بأحكام القرآن كما قال، ولكنه أسلوب التجني على فكر الرجل بالتلفيق له بعد أن فشلوا في مواجهة أو تفنيد الفكر الحقيقي له، فقرروا اختلاق فكر آخر يسهل مهاجمته كذلك؛ للإيحاء للناس بأن الإخوان يكلمونهم بما يحبون ويخفون فكرًا آخر، لكن الحمد لله، ففكر الإخوان في كتب منشورة يقرؤها كل الناس، ومنهم مفكرو الإسلام وعلماء الأزهر، ولم يثبت أبدًا أن للإخوان كتبًا أو منهجًا سريًّا، ووضوح منهج الإخوان وعدم خفائه هو أكبر ردٍّ على مثل هذه التلفيقات.

 

تلفيق يفضحه التاريخ

في الحلقة (16) لا يهدأ وحيد حامد عن تحريك معوله الوهمي؛ ليستمر في محاولات تشويه شخصية الأستاذ حسن البنا بكل ما أُوتي من قوة في التخييل والإيهام، لا يفتره عن ذلك حياء أو إحساس بالمبالغة الجائرة تخللت كل أحداث المسلسل، وجميع المواقف التي أبرزت شخصية الشيخ حسن البنا دون أن يخطئ مرة ويعرج على فضيلة من فضائله، أو مأثرة من كريم خصاله ومحاسن أخلاقه التي عمرت بها كتب وشهادات مَنْ عاصروه، في المشهد الأول من هذه الحلقة يعطي مسئول المخابرات في مصر تقريرًا شفهيًّا لرئيسه يهون فيه من أمر حسن البنا وجماعته؛ لأنه (كما يزعم) لا يطالب باستقلال، ولا يتكلم عن تحرير، وأنه في ذلك مختلف عن كل من سبقوه، فيحذره رئيسه أن رجل الدين أخطر من رجل السياسة؛ لأن أحدًا لا يناقشه، فكلماته محل تقديس، والمشهد هذا برمته تلفيق واختلاق آخر من وحيد حامد، سواء شكله أو في مضمونه التاريخي؛ لأن الثابت تاريخيًّا أن دار الاعتماد البريطاني أرسلت للنحاس باشا في عام 1935م تحذِّره من مدرس الخط العربي في مدرسة عباس الابتدائية؛ لأنه يمثل خطرًا على مصالح البريطانيين (ولم يكن أمر الجماعة قد اشتُهر بعد)، وأرسل النحاس باشا من يتعقب أخبار هذا المدرس؛ لكن لتواضع شخصه وبساطة مظهره، لم يجدوا فيه ما حذروا منه من قِبَل البريطانيين.

 

إذن لماذا يضع وحيد هذا المشهد المخالف للحقيقة، وبوعي البريطانيين بحقيقة خطورة هذه الدعوة والجماعة على مصالحهم؟ الإجابة تكمن في رغبة وحيد في أن يُجري على ألسنة شخصياته التاريخية (الملفقة) حوارًا يزعم فيه بأن الجماعة لا تهتم بتحرير مصر أو بقضية استقلالها، ثم يلبس هذا الكلام المغلوط ثوب الشهادة التاريخية بوضعه هكذا في مثل هذا المشهد، خداعًا للمشاهدين بأن وراءه وثائق تاريخية.

 

أمر آخر يكذب حوارات وحيد في هذا الصدد التي تبغي أن تنال من وطنية الجماعة ومؤسسها التي لم يجاهد أحدٌ في مصر ضد الإنجليز أو يضحي في ذلك مثلها؛ فالشيخ حسن البنا وفي رسالة من أوائل رسائله، ومن أبكر الوثائق التي تُظْهِر فكره، وهي رسالة دعوتنا التي كتبها عام 1932م يقول مخاطبًا أبناء جماعته تحت عنوان وطنية الحرية والعزة: "وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهدٍ في تحرير الوطن من الغاصبين، وتوفير استقلاله، وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضًا، وقد شدَّد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، ويقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: من الآية 141).

 

وهكذا فإن هاجس التحرر والاستقلال وإحداث النهضة لبني الأمة كان ملازمًا للدعوة منذ بواكيرها الأولى، ولعل هذا هو سبب أن تنبه لها المستعمر من قِبل أبناء جلدتها لكون المستعمر هدفًا غير مستتر للحركات الوطنية الصحيحة، ولكن وحيد يريد أن يخدم صورةً أخرى ملفقة لم يكل في تكرارها ولم يمل من تعديد مشاهدها، وهي كون جماعة الإخوان جماعة وهابية تدعمها الحكومة السعودية، ونشأت تحت تأثير جماعة سرية مخابراتية سعودية تشكلت (في وهم أو إيهام وحيد) من الشيخ رشيد رضا ومحب الدين الخطيب بهدف توجيه الشيخ حسن البنا ودعمه ماليًّا (كذب بواح)، ولأجل ذلك يُنشئ المؤلف مشهدًا آخر في هذه الحلقة؛ حيث يذهب الشيخ حسن البنا إلى حيث نرى دائمًا الشيخ محب الدين الخطيب والشيخ رشيد رضا مجتمعين في انتظاره (وكأنهما على موعدٍ حيث لا نرى أحدهما منفردًا)، وهناك يخبرهما الشيخ حسن البنا برغبته في الحج مع 100 من الإخوان، وعندها يبارك الشيخ رشيد الأمر ويعده بأنه سيدعمه بل وكل مَن معه.

 

وطبعًا لا يمل المؤلف من تكرار صداقة الشيخ رشيد للملك عبد العزيز ملك السعودية، وقد سبق أن تعرضتُ لهذا الأمر في حلقة سابقة، وكشفت مدى وهمية قصة التمويل السعودي عن طريق الشيخ رشيد الذي توفي عام 1935م، وقبل اكتشاف البترول.

 

أما المفاجأة التي أدخرها لوحيد حامد، والتي تكشف اعتماده المفرط على التلفيق والكذب على التاريخ والشخصيات التاريخية التي يقدمها على مدار حلقات المسلسل، فهو أنني كما ذكرتُ سابقًا أن الشيخ رشيد رضا توفي عام 1935م، وأن أول حجة خرج فيها الشيخ حسن البنا كانت عام 1936م.. فكيف التقى الإمام البنا بالشيخ رشيد بعد وفاته بعام، وكيف وعده بالتمويل والدعم لرحلة الحج له ولمَن معه والرجل كان في قبره.. إنه محض التلفيق والرغبة في تشويه رجلٍ وجماعةٍ قدمت لوطنها وأمتها ما أثار حقد الحاقدين وفضح كذب المدعين.

 

لم تنج شخصية إخوانية في هذا المسلسل من الانتقاص والتشويه والتضعيف على يد هذا المؤلف الذي تمكَّن من قلم وجهاز إعلام يشط في خصومته مع جماعة الإخوان المسلمين.

 

فها هو يظهر داعية الإخوان من الطلاب يلقنه الإمام البنا ماذا يقول للطلاب عن الجماعة، فإذا ناقشوه فرَّ، والآخر يدعوه للحوار (تعالى نتحاور يا أخي).. بالله عليك يا وحيد من ملأ الدنيا بصخب الدعوة للحوار، ومَن يسد أذنيه عنها؟ مَن يقول لا نجلس مع الإخوان ولا نتحاور معهم؟ وكيف يعقل أن طالبًا داعيةً لفكرته في كليةٍ يهرب من حوار ويعجز عن إجابة؟ ليتني أدري ما ظن وحيد بعقلية جمهوره وما تقديره لهم؟

 

أما ثالثة الأثافي في ظن المؤلف بنفسه قدرة على تغيير قناعات الناس وتسويد بياض الحقائق الناصع، فكانت هذه السقطة الشنيعة في السخرية والإساءة لواحدٍ من أشهر دعاة مصر والعالم العربي والإسلامي الآن.. الشيخ عاطف كما أظهره المسلسل داعيةً شابًّا يرتدي البذلة وله وجه بشوش لكنه لا يتورع عن الحملقة، وترديد النظر في الفتيات الجميلات المرتادات لمبنى القناة التي يُسجِّل فيها.. يعيشُ حالةً من النجومية، ويتهيأ للحلقة في غرفته مع ماكييره كنجمٍ سينمائي، لا يبدو عليه سعة علم بل يقرأ ما يُكتب له على مونيتور خاص به ثم يقوم بتمثيله.

 

وهو لا يحترم عقده مع القناة؛ لأن الإعلانات زادت وهو يريد عشرة أضعاف العقد، ولا ينزعج كثيرًا عندما يقول له رئيس القناة: "نحن الذين صنعناك وسنأتي بأحد طلاب معهد التمثيل ليقوم بما تقوم به".. قد يقول المؤلف إنما قصدتُ رمزًا للدعاة الشباب الجدد ولم أقصد عمرًا أو زيدًا بالتحديد.. أقول له: حتى لو صدقتَ فهل الدعاة الشباب الجدد يحملقون في النساء، ويطلقون عبارات الغزل؟!! وهل هم جهلاء وممثلون يؤدون فقط ما يقرءونه على المونيتور الخاص بهم كما وصفهم رئيس القناة؟!! وهل هم جشعون طمَّاعون يعيشون حالةَ النجومية ويتكلمون عن أنفسهم بافتخار واعتزاز، وعن حجم الإعلانات في برامجهم..

 

ثم لماذا تقليد الدكتور عمرو خالد في الصوت والنبرة والجمل المعتادة، بل في الشارب والأنف وملامح الوجه وحركات اليدين؟!! لماذا التلبيس والتخليط في أذهان الناس؟!! هل بلغ الغرور بالقائمين على أمر هذا المسلسل درجة أنهم أصبحوا مقتنعين بأنهم قادرين على تحطيم أي رمزٍ وتشويهه أم أنه الاستخفاف بعقلية المشاهد المصري لهذه الدرجة؟!!

 

تختتم الحلقة بمشهد بين وكيل النيابة ووالد تيمور- الطالب الذي اعترف لأبيه أنه دخل الإخوان من باب الانتهازية- (يبدو أن الإخوان وضعوا أيديهم على مقدرات الثروة ومقاليد الحكم في مصر ونحن لا ندري)؛ في هذا المشهد يشبه وكيل النيابة أثرياء الإخوان بأثرياء الحزب الوطني في أنهم دوائر مغلقة، فيها يصاهر المال المال وتصاهر الثروة الثروة (بالمناسبة، أين مواقع أثرياء الإخوان على طريق مصر إسكندرية الصحراوي وعلى خليج السويس والمدن الجديدة والساحل الشمالي وأراضي أسوان وخليج نعمة وشرم وغيرها أم أن الحكومة تحترم يقينها بأنهم تنظيم سري فتحترم سرية ممتلكاتهم وتخفيها عن المحكمة العسكرية التي تحاكمهم بتهم التمويل وغسيل الأموال؟).

 

المهم في الحوار هو النتيجة التي يصل إليها لختام الحلقة عندما يسأل وكيل النيابة والد تيمور، وما الحل؟ فيجيبه في تأثر: "كان هناك زمان حاجة اسمها طبقة متوسطة لكن هؤلاء وهؤلاء طحنوها" يقصد أثرياء الحكومة وأثرياء الإخوان.. يا سلام!! الإخوان هم سبب ضياع الطبقة المتوسطة في مصر!!! آخر فكاهات وحيد حامد، فهم مَن أفسدوا الحكومة واستغلوا الخصخصة واشتروا القطاع العام، وباعوا البنوك والشركات الرابحة للأجانب، وهم من اقترضوا المليارات وساعدوا على إقراضها ثم تهريب المقترضين إلى خارج البلاد، وهم من باعوا ثروات البلد من البترول والغاز بأسعار شبه مجانية لأعداء مصر، فبددوا تلك الثروات وهم مَن فرضوا الإتاوات أو الشراكة على كل مشروع يريد أن ينجح على أرض مصر، وهم مَن سمحوا بالتلاعب بأموال الصناديق الخاصة لصالح فئة مميزة من كبار الموظفين ليحرموا مواطني مصر الحقيقيين من أموال تُقدر بأكثر من أربعة أضعاف الميزانية، وهم من بددوا أموال مصر في مشروعات فاشلة كتوشكى، وهم من أمَّم شركات توظيف الأموال الناجحة بدلاً من مراقبتها فحرموا عشرات الآلاف من الأسر المصرية من مصدر إنعاش ورخاء لها، وهم من فتحوا باب الرشوة والفساد لكبار الموظفين دون حساب أو رادع، وقريبًا تزودنا قضية مرسيدس بأخبار جديدة إن لم تترفق السياسة الأمريكية بصحة مصر وعقلها؟!!

 

الظريف أن الحكومة وأجهزتها الإعلامية والأمنية ارتضت أن يلطخ وحيد الإخوان عن طريق مشابهتهم بتلك الحكومة وكأن تشويه الإخوان أصبح عندهم هدفًا يستحق مثل هذه التضحيات الكبيرة!! وكأنني أرى "بلطجيًّا" في الحارة يسب نفسه، في مقابل أن يسب كل أهل الحارة.. ولكن حتى هذه الحيلة لن يصدقها الناس.

 

رؤية وحيد.. "الدين مفسد"!

تأتي الحلقة السابعة عشرة لتتهم الشيخ حسن البنا بالتزلف إلى ملوك مصر دون بينة أو دليل سوى مقال يرثي وفاة الملك فؤاد، وقد جاء الجزء المنقول في شكل أسئلة من نوعية: مَن للمصريين؟ مَن للفقراء؟ دون أي تزيُّد في شخص الملك الراحل رغم أن الموقف كان من الممكن أن يتحمل المجاملة والتلطيف، وهو ما يحسب للجماعة ولا يفسر غضبة النحاس المزعومة في هذه الحلقة.

 

الوسيلة الأخرى لاتهام الجماعة بالمداهنة كانت إظهار حفاوة الإخوان في استقبال الملك الجديد العائد من أوروبا، وإن كان المسلسل قد أشار إلى الهدف من ذلك وهو تقريب الملك الجديد من دينه وأمته وإحاطته بدلاً من البطانات الفاسدة وتغلغل الإنجليز في القصر؛ لكن يبقى ما يعرضه المسلسل بعد ذلك؛ حيث لا يعطي سوى كلام إنشائي ملفق على لسان شخصية النحاس باشا وغيره دون أن يظهر أي أحداث أو مواقف يأخذها على جماعة الإخوان بهذا الصدد.

 

يأتي بعد ذلك في هذه الحلقة التهمة التقليدية والمحببة لدى خصوم الإخوان في مصر، وهي أن الجماعة الدينية لا يجب أن تنشغل بالسياسة؛ لأنها تُعرِّض الإسلام للنقد والانتقاص!!.

 

أولاً: سأعرض رد الأستاذ البنا على هذه الجزئية؛ لأنها تهمة قديمة منذ بواكير الجماعة، وقد رد عليها الشيخ رحمه الله في حينها، ففي رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، يقول رحمه الله: "ويقول قوم آخرون إن الإخوان المسلمين قوم سياسيون ودعوتهم سياسية ولهم من وراء ذلك مآرب أخرى، ولا ندري إلى متى تتقارض أمتنا التهم وتتبادل الظنون وتتنابز بالألقاب، وتترك يقينًا يؤيده الواقع في سبيل ظن توحيه الشكوك، يا قومنا: إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات".

 

وقد نقل الأستاذ عبد البديع صقر عن الأستاذ حسن البنا قوله في إحدى الخطب: "لقد نجح المستعمرون في تثبيت الفصل بين الدين والدنيا؛ وهو أمر إذا صحَّ في دينهم، فلا يصح في ديننا فلماذا يكون رجل الدين بعيدًا عن السياسة، ورجل السياسة بعيدًا عن الدين؟! ثم ما هي السياسة؟ أليست هي التعليم، والتربية، وتوزيع الأرزاق، وتوفير الأمن، والعدل للأمة في الداخل والخارج؟ وإذا كانت الوزارات تمثل السياسة فقد نجد اختصاص ست وزارات داخلاً في قوله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل: من الآية 90).

 

ثم يجري وحيد حامد على لسان شخصية النحاس قوله بأن الذي يعارض رأيًا لرجل دين سيكون معارضًا لله، مبررًا قناعته بإبعاد الدين عن السياسة، وهذه قضية أصبحت مكررةً وممجوجةً، فكأنهم يقولون إن الدين لا يصلح للحياة، ولا يجب خروجه من المسجد، وهذا قولٌ فيه بهتان كبير وإعراض عن كثير من أحكام الإسلام وتعاليمه التي نظمت شئون الحياة كالزواج والميراث وأحكام الجهاد وتحريم الربا والخمر وإرشاء الحكام والتقرب من الظالمين وموالاة أعداء الدين ومعاملة أهل الكتاب داخل الأمة وخارجها ومعاملة الدول المحاربة وغير المحاربة ومعاقبة المعتدين على حرمات الناس وأموالهم، فلا يقول بهذا الافتراء على دين الإسلام سوى مَن يجهل شريعته.

 

وكثير من أصحاب هذه الدعوى العلمانية متأثرون بما ذهب إليه الفكر الغربي من ضرورة فصل الدين عن الدولة؛ لأن قداسة رجل الدين في شخصه وأقواله تمنع معارضته سياسيًّا، وهنا يقع الخلط والالتباس فلا يوجد في الإسلام رجال دين، ولا توجد في الإسلام قداسة أو عصمة لأحد، ففي المسيحية يكون ما يتكلم به بابا الكنيسة كلامًا لله لا يجوز رده، وشخص البطريرك الأكبر يكون معصومًا بالضرورة في دينهم، وهذا لا يقع في الإسلام؛ فالقداسة لا تقع إلا على النص المنزل "القرآن" وعلى ما ثبت صحته من الحديث الشريف وكل شخص يتكلم بعد ذلك يؤخذ من كلامه ويُرد، ولا عصمة لأحد في الإسلام حاكمًا أم محكومًا، ولقد عُورض أبو بكر وعُورض عمر، بل لقد عُورض رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق في قرارٍ اتخذه فامتنع عنه بعد أن فاوض قبيلة غطفان عليه، وعُورض على طريقته في توزيع الغنائم عقب هوازن فرد ردًّا لطيفًا، ولم يُخطِّئ مَن اعترض عليه؛ فأي وهم يريدوننا أن نقتنع به، عن خطورة المرجعية الإسلامية لنظام الحكم، وأن الإسلام يفسد السياسة، وحاشا لله أن يكون قد أنزل علينا مفسدًا أو أن يكون من تفوه بذلك أحد علماء الدين كما أظهر المسلسل، بل إنني أذهب للقول اليقيني بأن تداخل تعاليم الإسلام في الحكم ستجعل محاسبة الناس لحكامهم أشد قسوةً ووعيًا وشجاعة، ورحم الله علماء ألهبوا نفوس السلاطين بمواعظهم فماردوهم وما قالوا لهم لا شأن لكم بالسياسة.

 

سيقول بعضهم ولكن لن يكون سواءً في أعين الناس مَن يتكلم بآيات القرآن ومن لا يتكلم به، وهذا منطق غريب فالإسلام لا يحكر الكلام عنه أو به على فئة بعينها، فكل إنسان يستطيع أن يقوي حجته بآيات القرآن أو بحديث نبوي، ولا يمنعه أحد، ولا يحكر الحديث بالدين على أحد، ولا يوجد رجال دين في الإسلام بل علماء يبينون الأحكام إذا استفتوا.

 

لكن هذه المقولة بعدم الاستواء في أعين الناس ليست المشكلة؛ ولكن المشكلة تقع فيمن يرفض أن تدخل تعاليم الإسلام مجال الحكم والسياسة وإدارة أحوال الناس لكراهيتهم أصلاً للدين أو لجهلهم به، وهذه ليست مشكلة الإخوان، أما الحاكم في الإسلام فلا يشترط فيه شروطًا دينيةً سوى ما يتوجب في أي إنسان مسلم عادي لا يخرج عن تعاليم القرآن وأركان الإسلام، وهنا تقع المشكلة؛ كراهية الإسلام أو الجهل به، ومن الجهل به اليقين في منهج الغرب وإيثار أتباعه وتفضيله على الشريعة الإسلامية التي تحظر الانغماس في الملذات الحرام وانتهاك الأعراض وتصد عن نشر الرذيلة وإغواء الناس.

 

ويستمر المسلسل في إطلاق الأحكام ضد النهج الشرعي للإخوان المسلمين، فيجري على لسان الشيخ الطنطاوي قوله إن السياسة تفسد الدين والدين يفسد السياسة، وأنا أبرئ هذا الشيخ وأي شيخ آخر من أن ينزلق هذا المنزلق ويقول الدين يُفسد... بضم الياء، فالدين يصلح السياسة.. والسياسة لا يمكنها أن تفسد الدين الصحيح وإن أفسدت بعض علمائه أو بعض المسلمين.. الدين يصلح ما أفسدته السياسة والإسلام لا يفسد السياسة بل يوجهها ويرشدها، وكل جزء في الحياة لا يمكنه أن ينعزل عن غاية إرضاء الله تعالى ومراقبته.

 

ولو كانت السياسة في مصر تعرف الدين لما سلب من الناس أبسط حقوقهم، وما تركوا دون مبالاة في معاناتهم وما سرقت أموال الدولة التي هي أموالهم؛ ولكن لكل منتفع بهذه اللا أخلاقية في السياسة أن يقول ما يشاء.

 

ولنا هنا ملاحظة وسؤال: كيف قامت سياسة دولة بني صهيون على توظيف الدِّين في إقامة الدولة، ثم في حراستها وتثبيتها، واستغلال الجانب الدِّيني عند المسيحيين لتأييدها ونصرتها؟ وكيف لجأ الرئيس الأمريكي بوش الابن إلى الدين في حملته الانتخابية، وتبنيه لليمين المسيحي المتطرف المتصهين في توجيه سياسة أمريكا بعد ذلك؟ وقد كان هذا الالتزام الديني الواضح من بوش من الأسباب الرئيسية لفوزه في انتخابات الرئاسة على خَصمه (كيري) الذي كان يتبنى خطًّا مخالفًا لتعاليم الدين المسيحي، وهذا ينقض المقولات التي تزعم أن كل السياسات علمانية، ولا مدخل للدين في أي منها.

 

كلمة أخيرة عن نظام الخلافة في الإسلام والذي هاجمه المسلسل، مع أن نظام الخلافة لا يقضي سوى بمبدأ واحد عام؛ أن يجمع أمر المسلمين نظام حكم واحد منعًا للتفرقة والاجتزاء والضعف والتبعية والاحتلال والاستعمار والاستغلال والتنصير وغزو دين الأمة وثقافتها ونشر الثقافات المنحلة للشعوب الأخرى وكل ما ابتلينا به منذ أن ضعف وهوى نظام الخلافة؛ علمًا بأن النزوع للتوحد وصناعة الأمة الكبرى هو ما ذهبت إليه أوروبا على اختلاف مللها ومذاهبها ولغاتها، وهو ما ذهبت إليه الولايات المتحدة من قبل، وصنعت وحدتها بالقوة لتصنع أكبر قوة على وجه الأرض، إنهم يجزئوننا ويفرقوننا ويوحدون أنفسهم فوق دعاوى الوطنية والتعصب، ولولا الخلافة والسلاطين الذين ينتقدونهم لوقع هذا التشرذم والتفكك والهوان منذ أكثر من ألف عام، وهو ما كان يعني أن نصل الآن إلى حد الفناء لديننا ولغتنا وثقافتنا والتبعية أرضًا وحكمًا لأي إمبراطورية قوية كما كنا قبل الإسلام؛ وهو ما سيقع حتمًا لو استمر هذا التفكك والتشرذم الذي نعيشه.

 

كلمة أخيرة.. لقد حافظت الخلافة الإسلامية على تعددها على هوية كل شعب تبعها فبقى المصري مصريًّا والشامي شاميًّا والعراقي عراقيًّا، وحافظ كل قطر على ثرواته وحدوده وهويته، ويكفي أن المرة الوحيدة التي اختار فيها الشعب المصري حاكمه (محمد علي) وخلع سابقه كانت في عهد الخلافة العثمانية.