ورد على لسان بعض الممثلين ممن يلبسون "الزي الأزهري" أن (الدين يفسد السياسة)، وذلك في حوار مع الأستاذ البنا في مسلسل "الجماعة"؛ حيث نصح الأستاذ البنا مَنْ استشاره من كبار رجال البلاط الملكي عن الصورة المثلى التي يجب أن يظهر بها الملك في بداية عهده؛ حتى يكسب حب الناس وتأييدهم، نصحه الأستاذ أن يراه الناس "ساجدًا"، فلما علم بذلك الشيخ أنكر على الأستاذ البنا بحجج معينة.. أغلبها لا جدال فيها، كأن تكون النصيحة بإقامة العدل بين الرعية، والحكم بين الناس بالسوية، ورعاية الفقراء والأرامل والمساكين.. إلخ، أما نصيحة الملك بالصلاة فأنكرها الشيخ إنكارًا شديدًا، وكان ذلك بقصد الاستهانة بنصيحته.

 

وأراد الشيخ أن يدسَّ معنًى عجيبًا في هذا السياق أن (الدين يفسد السياسة، والسياسة تفسد الدين)، وبالطبع فإن مُخرج المسلسل لم يتِح الفرصة للأستاذ البنا أن يردَّ بما يفنِّد هذه المقولة؛ إذ عند فضيلته ردود مقنعة بلا شك في ذلك.

 

وهذا المشهد على بساطته وسرعته إنما يريد المؤلف أن يؤكد بعض المعاني التي يجب أن ترسخ في ذهن المشاهد، ويحول الافتراء إلى حقيقة، ومن بين ذلك:

1- أن الذي ينصح ويدَّعي أن (الدين يفسد السياسة والسياسة تفسد الدين) هو شيخ أزهري، ومنصبه مرموق في الأزهر الشريف، وهذا افتراءٌ على المشايخ وعلى مؤسسة الأزهر الشريف، وقد يصدق ذلك على أفراد معدودين، أما مؤسسة الأزهر الشريف في عمومها، فموقفها مختلف، وتنكر تمامًا هذا المبدأ، ومثال ذلك ما أورده الدكتور القرضاوي في كتابه (الدين والسياسة)، عندما ناقش هذه القضية؛ حيث أشار إلى أن الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق- طيَّب الله ثراه- كان يعبِّر عن فصل الدين عن السياسة بعبارة (ضلالة)، وهو تعبير شرعي صحيح؛ لأنه أمر محدث ومبتدع في الأمة وكل بدعة (ضلالة)، كما في الحديث الشريف، وقد كتب في ذلك مقالة طويلة نشرتها مجلة (نور الإسلام)، ثم وضعها في كتابه "رسائل الإصلاح".

 

2- أن المؤلف يريد أن يوحي إلى المشاهدين بأن رأي الأستاذ البنا يختلف بل يتناقض مع رأي الأزهر.. وأن إدخال الدين في السياسة لا يجوز.. وكأن الأزهر يتبنَّى دعوى (دع ما لقيصر لقيصر.. وما لله لله)، وهذا ادِّعاء باطل.. فالأزهر المؤسسة يتبنَّى الإسلام في شكله الصحيح الشامل حتى ولو جاء زمن غلب عليه فيه أهل الحكم وأصحاب الهوى.

 

ويهدف المؤلف إلى الوقيعة بين الإخوان والأزهر.. عندما يورد في مشاهد مختلفة أن الذي تصدَّى للأستاذ البنا في بداية نشأة دعوة الإخوان في الإسماعيلية (1928- 1932م) هم بعض شيوخ الأزهر، سواء عند مروره على المساجد للدعوة إلى الله لاستنهاض همم المسلمين وإصلاح حالهم بالإسلام.. أو قيادة فريق ممن انتسب للدعوة والتشكيك في التصرفات المالية للجماعة الناشئة.. كل ذلك وما إليه لم يُؤد إلى القطيعة بين الإخوان والأزهر لا في أيام الأستاذ البنا ولا في العصر الحاضر؛ إذ العلاقة بينهما علاقة تساند وتآزر وتكامل؛ حيث إن الإسلام أشد ما يكون حاجة إلى العلم والحركة معًا.. وكلاهما لا يغني عن الآخر ولا يحل محله.

 

ثم إن الأزهر يمثل رمزًا للإسلام في حفاظه على العلوم الشرعية وتأصيلها وهذه كلها من أهداف دعوة الإخوان ووسائلها.

 

ولكن.. هل الدين يفسد السياسة؟!

الحقيقة أن الإسلام لا يعرف هذه القطيعة المدَّعاة بين الدين والسياسة أو بين الدين والحياة، كما يزعم غلاة العلمانيين، والهدف هو إقصاء "الدين" أو "الإسلام" عن حياة المسلمين.. وهو ما سمَّاه الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- "الفصام النكد"، يوم ابتدع أهل أوروبا في بداية عصر النهضة هذا الفصل؛ حيث نحَّوا "الدين" أو "الكنيسة" جانبًا.. وصار الدين عندهم وما زال قابعًا في ضمير الفرد.

 

والإسلام يدعونا ألا نكرر هذا الفصام النكد في حياتنا ولا في قوانيننا ولا في أنظمتنا السياسية؛ إذ إنه لا يعرف ذلك ولا يقره، وكل مرجعيات الإسلام من القرآن والسنة وشواهد التاريخ وسوابق الحكم الإسلامي على مختلف العصور والبلاد شاهدةٌ على ذلك.

 

فما معنى لا دين في السياسة.. هل تعني أن السياسة لا دين لها؟! فلا تلتزم بالقيم والقواعد الدينية، وإنما هي "براجماتية" انتهازية تتبع المنفعة حيث كانت المنفعة المادية والمنفعة الحزبية أو القومية والمنفعة الآنية، وترى أن المصلحة المادية العاجلة فوق الدين ومبادئه، وأن "الله" وأمره ونَهْيَه وحسابه لا مكان له في دنيا السياسة.

 

وهل هذه هي السياسة التي يأملها الناس والتي يصلح بها البشر؟!

 

الواقع أن الناس لا يصلحهم إلا سياسة تضبطها قيم الدين وقواعد الأخلاق، وتلتزم بمعاير الخير والشر وموازين الحق والباطل، والسياسة حين ترتبط بالدين- كما يذهب الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه (الدين والسياسة)- تعني أشد ما تعني العدل في الرعية والقسمة بالسوية، والانتصار للمظلوم على الظالم، وأخذ الضعيف حقه من القوي، وإتاحة فرص متكافئة للناس، ورعاية الفئات المسحوقة من المجتمع كاليتامى والمساكين وأبناء السبيل، ورعاية الحقوق الأساسية للناس بصفة عامة.

 

ودخول الدين في السياسة ليس- كما يصوِّره الماديون والعَلمانيون- شرًّا على السياسة وشرًّا على الدين نفسه، كما يتجسَّد هذا المعنى في مسلسل "الجماعة"؛ حيث يحب مؤلفه ومخرجه أن يوصلوا إلى الرأي العام هذا المعنى، وهيهات أن ينجح هذا الزيف والتدليس!.

 

وخلاصة القول: إن الدين الحق إذا دخل في السياسة دخل دخول الموجِّه للخير والهادي إلى الرشد المبين للحق.. العاصم من الضلال والغي.. فهو لا يرضى عن ظلم، ولا يتقاضى عن زيف، ولا يسكت عن غي.. ولا يقر تسلط الأقوياء على الضعفاء، ولا يقبل أن يعاقب السارق الصغير ويكرم السارق الكبير.

 

والدين إذا دخل في السياسة هداها إلى الغايات العليا للحياة وللإنسان: توحيد الله.. وتزكية النفس.. وسموِّ الروح.. واستقامة الخلق.

 

وتحقيق مقاصد الله من خلق الإنسان: عبادة الله وخلافته في الأرض وعمارتها بالحق والعدل، بالإضافة إلى ترابط الأسرة وتكافل المجتمع وتماسك الأمة وعدالة الدولة وتعارف البشرية.

 

والدين كذلك يمنح رجال السياسة الحوافز التي تدفعهم إلى الخير وتقفهم عند الحق، وتشجعهم على نصرة الفضيلة وإغاثة الملهوف، وتقوية الضعيف، والأخذ بيد المظلوم والوقوف في وجه الظالم حتى يرتدع عن ظلمه.

 

والدين يمنح السياسي الضمير الحي أو النفس اللوامة التي تزجره أن يأكل الحرام من المال أو يشجّع عليه.. أو يستحلَّ الحرام، أو يأكل المال العام بالباطل، أو يأخذ الرشوة باسم الهدية أو العمولة.

 

والدين يشجِّع الجماهير أن تقول كلمة الحق وتنصح للحاكم، وتحاسبه، وتقوِّمه إذا اعوجَّ، لا تخاف في الله لومة لائم؛ حتى لا يدخلوا فيما حذَّر منه القرآن ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ (الأنفال).

 

وفيما حذَّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم".

 

والسياسي حين يعتصم بالدين فإنما يعتصم بالعروة الوثقى، ويحجبه الدين عن مساوئ الأخلاق ورذائل النفاق.. فإذا حدَّث لا يكذب، وإذا وعد لم يخلف، وإذا اؤتمن لم يخن، وإذا عاهد لم يغدر، وإذا خاصم لم يفجر.. إنه مقيَّد بالمُثل والأخلاق والقيم.

 

وبعد..

- فهل تنجح الهجمات المحمومة في إبعاد الدين عن السياسة والحياة؟!

 

- وهل يستجيب الرأي العام لهذه الإسقاطات؟!

 

- وهل يقف أهل الخير والدعاة صامتين أمام هذه الهجمة؟!

 

- ولأنها دعوى دخيلة على طبيعة الإسلام؛ فلن تصل إلى أهدافها بإذن الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ (الأنبياء).