تتعرض الحلقة 22 لبداية عمل النظام الخاص الذي اختص بجانب الجهاد في الجماعة إزاء وجود الاحتلال البريطاني في مصر، وكذلك ما كان يحدث في فلسطين؛ فالفكرة كانت محلَّ ترحيب وطني وقومي، ولم تكن سرية بالمعنى الشائع، فكان من المعلوم أن لكلِّ حزب في مصر نظامه الخاص، ولم يكن أمرًا مستغربًا، ولكن السرِّي في الموضوع هم أعضاء النظام حرصًا عليهم، فقد أراد الشيخ حسن البنا أن يكون ذلك النظام هو الجيش المسلم الذي يتصدى لليهود في فلسطين، وللإنجليز داخل مصر، وحيث كانت قناعته أن الإنجليز بتواطئهم مع اليهود لن يتركوا مصر ولا فلسطين تنعمان بأمن أو سلام، ومع شعوره بضعف الحكومات العربية وضعف الجيش المصري في هذا الوقت، فقد كان هذا حافزًا آخر إضافيًّا لتكوين "النظام الخاص"، وهذا التأسيس كان وليد فكر مشترك بين الحاج أمين الحسيني (مفتي فلسطين) وحسن البنا (مرشد الإخوان).

 

لم يكن النظام الخاص فكرة جديدة ابتدعها الإخوان في ذلك التوقيت، فكل القوى السياسية الموجودة بالساحة في الوقت كان لديها أجهزة عسكرية سرية مثل "الوفد" و"السراي" و"مصر الفتاة"، وعرف وقتها أصحاب القمصان الزرقاء والخضراء والحرس الحديدي حتى أن "الضباط الأحرار" كان تنظيمًا سريًّا في هذا الوقت، وهي سمة كانت منتشرة في بلد تحت الاستعمار، وتسعى حكوماته وعرشـه إلى التخلص من هذا الاحتلال.

 

وقد تم اكتشاف النظام عبر قضية السيارة الجيب عام 1948م؛ حيث عثر البوليس السياسي على سيارة جيب بها جميع أسرار النظام الخاص لجماعة الإخوان، ومن بينها أوراق التكوين والأهداف، وقدمتها حكومة النقراشي لمحكمة الجنايات، ولما اطلعت المحكمة على أهداف النظام قالت في حكمها عن المُدَانين منهم: "إن المُدَانين كانوا من ذوي الأغراض السامية التي ترمي أول ما ترمي إلى تحقيق الأهداف الوطنية لهذا الشعب المغلوب على أمره".

 

وقد أصدرت المحكمة فيها حكمًا تاريخيًّا، برَّأ أكثرية المتهمين، وحكم على أفراد قليلين منهم بأحكام مخففة، ما بين سنة و3 سنوات، ولكن الشيء المهم في الحكم أنه أنصف الإخوان بوصفهم جماعة إسلامية وطنية، وأبرز دورهم الوطني والجهادي في مصر وفلسطين، ودورهم الثقافي والاجتماعي في خدمة مصر، ثم كانت المفاجأة أن انضم رئيس المحكمة المستشار الكبير أحمد كامل بعد ذلك إلى الإخوان، ونشرت ذلك الصحف بالخط العريض: حَاكَمَهُم ثم انضمَّ إليهم! ولنا عودة لمناقشة أعمال النظام الخاص لنعرض مفخرة من تاريخ مصر الحديث.

 

في هذه الحلقة يحاول وحيد حامد استغلال بعض ما تناثر من معلومات حول النظام الخاص ليتصيد منها بعضها، ويضعه في سياق يظن أنه يسيء به إلى الجماعة ومؤسسها، ففي مشهد البيعة يقتبس وحيد بعض ما ذكر عن مبايعة أعضاء النظام لقيادته، ويقوم بتلفيق مشهد للشيخ حسن البنا وهو يطلب من محمود عبد الحليم إطفاء النور ثم يشعل بنفسه شمعة يمررها لمحمود ثم يضع مسدسًا على مائدة ليبايعه عبد الرحمن السندي بعد ذلك على الجهاد والتضحية والسمع والطاعة، والمشهد كله مختلق فلم يذكر مرة عن الشيخ البنا أنه بايع أحدًا بهذه الطريقة، لكن الغرض من ذلك هو إلقاء ظلال من الريبة والغموض على شخصية الشيخ.

 

لكن الخطير في هذا المشهد هو الإفك والبهتان الذي يأتي في الحديث السابق للبيعة بين المرشد وعبد الرحمن السندي إذ يقول الشيخ للسندي وهو يشرح له الأركان العشر للبيعة وفي مفهوم الطاعة: "الطاعة هي تنفيذ الأمر ولو كان خطأً" ثم يحذِّره ممن لا يطيعه بل ويأمره بالتخلص منه فورًا وأن لا يبقي أحدًا شك فيه، ولا يتركه شوكة في ظهره، وهكذا يتجلى وحيد حامد في استحضار شخصية زعيم مافيا أو شيخ "منسر" ليلبسها على شخص أهم رمز إسلامي في العصر الحديث، هل يصدق أحد أن المرشد يطلب تنفيذ الأوامر حتى لو خالفت الشرع؟ وما مصداقية دعوته بعد ذلك بل وما جدواها؟ بل وما شرعية منصبه الدعوي القائم على التوجيه بالشرع ومنه اشتق مسمى المرشد؟ أين المصداقية في كتابة التاريخ.

 

و.. دعنا من التاريخ !!.. أين المنطقية في رسم شخصية درامية؟ كيف يصيغ شخصية زعيم جماعة دينية تأمر بمكارم الخلاق وبحسن العبادة وبتمكين الشرع، في هذه الصورة المريعة لأخلاق وسلوك وألفاظ زعيم عصابة؟ هل حقًّا يرضى وحيد حامد عن نفسه ككاتب دراما في هذا المسلسل؟ دعك يا وحيد من شخصية حسن البنا التاريخية، هل يصلح ما كتبت لرسم شخصية درامية متسقة ومقبولة؟ هل اتفقت مع الأجهزة الأمنية أو ربما الإعلامية المتحفزة أن تحقيق الأهداف السياسية أهم من الحقيقة، وأن الدعائية أهم من الدراما؟.

 

الحلقة الثالثة والعشرون..

عندما يكره المؤلف الشخصية التي يكتب عنها

لأن الحقيقة وحدها ليست كافية لإثارة مشاعر البغض والنفور من شخصية الشيخ حسن البنا، فإن وحيد حامد يلجأ لتلفيق مشاهد درامية تُدِين الرجل، وتصفه بالضعف والاهتزاز أمام المسئولين (وهو ما يكرهه العامة)، فما من مرة يظهر مشهد للشيخ البنا في زيارة أو حديث مع مسئول أو وزير أو رئيس وزراء إلا كان هذا المسئول الحكومي أسدًا هصورًا يصول ويجول ويعطي للبنا النصائح القاسية بينما الشيخ بما عرف عنه من سعة علم وحصافة يهتز ويرتبك ويصمت حيرة بل ويخفض رأسه أمام صاحب المقام الرفيع.

 

ولعل المؤلف يظن أن هذه الحيلة الساذجة ستطرح صورة البنا القوية المجاهدة والصبورة على دعوتها من أذهان العامة لتحل محلها صورة لرجل نفعي مهتز لا يقوى صبرًا على خصومة ذوي السلطة والجاه، لكن حقائق التاريخ تسجل في أذهان الشعوب بأقوى مما تسجل في الكتب، فالإخوان أبناء لهذا الشعب عايشوهم وعرفوا عنهم قصصهم ضد الاحتلال وضد اليهود في فلسطين وقصص صبرهم وتضحياتهم في السجون والمعتقلات، وعلى ممارسة الدعوة تحت أقسى الظروف من العداء والتربص، كما عرف الناس ضعف أصحب المقام الرفيع أمام رغبات وأوامر ممثلي الاحتلال، وبقيت المشاهد محفورة في ذاكرة الشعوب.

 

إن الناس تعرف كيف تكون شخصية مرشد وإمام علّم الناس أن يثوروا على ظلمهم واستعبادهم من قبل المحتل، وكيف يعصون أوامره حتى وإن كانوا من العاملين في مؤسساتهم ومعسكراتهم، فقد صارت العزة والحرية أهم من لقمة العيش على يدِّ هذا الرجل.

 

إنه الشيخ حسن البنا الذي رفض بشدة أن يكون من مستقبلي إسماعيل صدقي رئيس الوزراء عند مروره بالإسماعيلية ليلقي مجرد كلمة ترحيب وهو في ذلك الوقت لم يكن سوى مدرسًا إلزاميًّا يعمل تحت ظل حكومته، ورغم تضافر ضغوط رجال الأمن والإدارة في الإسماعيلية عليه ليقوم بهذه المهمة رفض رفضًا مطلقًا لا تردد فيه، إنه نفس إباء خلفه المستشار حسن الهضيبي الذي أبى أن ينحني للملك فاروق دون جميع صحبته من القضاة عندما زاروه بقصره، وهي تلك الروح والأخلاق التي تحلى بها سيد قطب عندما رفض كتابة اعتذار لجمال عبد الناصر؛ ليغفو عن حكم إعدامه، لذلك فإن اللعب ضد حقائق التاريخ والتلاعب بشخصية الشيخ حسن البنا لن يضر إلا المؤلف وقصته.

 

وفي هذه الحلقة يتجاوز المؤلف كل حد في الاختلاق والادعاء وفي مشاعر العداوة والبغضاء التي يكنها ضد الشخصية التي يكتب عنها عندما يجعل شخصية حسن البنا المختلقة تدعو أصحابه وإخوانه إلى التحلي بالصبر واللين تجاه فعل أحمد ماهر رئيس الوزراء الذي زوَّر الانتخابات، وأسقط جميع مرشحي الإخوان بمن فيهم الشيخ البنا نفسه، ولكنه وبعد انصرافه عنهم يطلب من عبد الرحمن السندي اغتيال أحمد ماهر، فهي إذن ليست شخصية رجل دين ولا مصلح اجتماعي ولا حتى مجاهد يعلن عن مواقفه في عنف وحدة.

 

لقد حقق رجال الأمن مع محمود العيسوي قاتل أحمد ماهر شهورًا طويلةً، أوضحت هويته السياسية ودوافعه وطريقة حصوله على السلاح، ومن أين حصل عليه، ولم تفت على رجال الأمن الذين يحققون في مقتل رئيس الوزراء صغيرة ولا كبيرة إلا تابعوها فكيف تُلقى التهمة بعد ذلك على غير ما أثبته التحقيق لمجرد قول بعض الموتورين أو الحاقدين على الجماعة أو المرتمين في أحضان النظام يلبون رغباته تجاه تشويه صورة الجماعة؟.

 

لقد كان محمود العيسوي عضوًا بالحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل وخلفه محمد فريد، وكان يرى حق المناضلين المصريين في استخدام السلاح ضد المحتل والمتآمرين معه، وقد سبق لأحد رجال هذا الحزب (إبراهيم الورداني) اغتيال بطرس غالي رئيس الوزراء لرغبته في تمديد امتياز شركة قناة السويس 40 عامًا أخرى بعد انتهائها عام 1968م، أما دافع العيسوي هذه المرة فكان قرار أحمد ماهر بدخول الحرب في صف المحتل، وإرسال الجنود المصريين ليقتلوا في سبيل بريطانيا بعيدًا عن وطنهم، وكان هذا القرار بإيعاز ورغبة من بريطانيا نفسها، وأثار غضب الجميع في مصر بمن فيهم الملك،

 

ووحيد حامد هنا يتجاهل السياق التاريخي الذي كانت تدور فيه أحداث مصر في ذلك الحين، فمصر كانت ممتلئة بالتنظيمات السرية المسلحة وكانت مقتنعة تمامًا بها، حتى الوفد كان له التنظيم السري الخاص به، بل إن أحمد ماهر نفسه ومحمود النقراشي كانا عضوين في تنظيم سري يرأسه عبد الرحمن فهمي القريب من الزعيم سعد زغلول، وقاما بالاشتراك في اغتيال السردار الإنجليزي، وحُكِم عليهما بالإعدام لكن سعد زغلول كلف مصطفى النحاس المحامي وعضو الوفد ورئيس الوزراء بعد ذلك بالدفاع عنهما فحصلا على البراءة بعد أشهر طويلة من المحاكمة، هذا هو السياق التاريخي لهذه الفترة الزمنية والتي تجاهلها المؤلف وأظهر ماهر والنقراشي كرئيسي وزراء يعملان لإنقاذ مصر من فوضى الأنظمة الخاصة، ولم يذكر حقيقة اجتماع فايد لسفراء الدول الاستعمارية وعلى رأسها بالقطع إنجلترا وفرنسا، وحضره النقراشي رئيس الوزراء، والذي فيه طلب من حكومته العمل على القضاء على جماعة الإخوان وتصفيتها دون هوادة، وهو العمل الذي أظهره وحيد في المسلسل كعمل وطني اقتنع به النقراشي للقضاء على الفوضى، ولم يظهره أو سابقه أحمد ماهر كمنفذين لإملاءات المحتل، خاصة عندما قام حزب الكتلة السعدية الذي يرأسانه باتخاذ قرار الحرب في صف الحلفاء ثم هذا الموقف الأخير بالقضاء على جماعة الإخوان المسلمين.

 

لكن لا عجب فإنه نفس المؤلف الذي رمى الشيخ بالعمالة للسعودية وبريطانيا والقصر في آن واحد، والحمد لله أن دولة إسرائيل لم تكن خرجت للوجود حينها كدولة وإن كان تلاميذه في حماس يتهمون اليوم بأن جماعتهم هي ربيبة إسرائيل وصنيعتها وذلك من قبل رجال السلطة في رام الله الذين يسيرون على نفس النهج السلطوي العربي بكلِّ قدرته على الكذب والتلفيق.

 

الحلقة الرابعة والعشرون..

الدراما والعبث بالتاريخ

استكمالاً لأحداث الحلقة السابقة وفي مشاهد ملفقة بالكامل يقوم عبد الرحمن السندي بتكليف أحد الإخوان باغتيال أحمد ماهر لكنه يجبن وترتعش يده ويفشل في المهمة فيستحق بصقة على وجهه من رئيس الجهاز الذي يُخبر بعدها أن حياته أصبحت خطرًا على الجماعة بعد أن ظهر جبنه، ثم يشير إلى مرافقه إشارة يفهمها المرافق وكذلك المشاهد في وضوح فيما يعني تصفيته، فيقوم المرافق بحبسه في تلك الغرفة وإغلاق الباب عليه بالمفتاح تمهيدًا لتنفيذ الأمر، وهكذا وللمرة التي لا أدري كم عددها ينسى المؤلف أنه يكتب تاريخًا ويسرح بخياله في عالم المافيا، هل تكفي كراهية وحيد حامد للجماعة ومؤسسها أن يصنع كل هذا التلفيق والتزوير؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى أقوى من ضغينة قلبه تدفعه لأن يضر بعمله الدرامي منطقيًّا وتاريخيًّا؟.

 

وإذا أردت أن تعرف مدى إحساس المؤلف بكذبه وادعائه فانظر إلى حجم التكرار الذي يلجأ إليه في مقولة بعينها، فمن قبل كرَّر كثيرًا مقولة دعم رشيد رضا المالي عبر الحكومة السعودية للشيخ حسن البنا، كما كرَّر مقولة تسهيل أو مساعدة المخابرات البريطانية لجماعة الإخوان، وها هو يلجأ لتكرار مقولة المساعدة المالية من الملك للإخوان، فالملك الذي أعلن قطع تلك المعونة في الحلقة 22 بعد التلويح بها في حلقات سابقة، يعود ليذكر محدثه وكذلك ليذكر المشاهدين أنه كان يساعد البنا وجماعته ماليًّا ومعنويًّا، وحيد حامد لا يمل من التكرار فهو كمؤلف ومشرف عام على الإنتاج (منذ متى يكون المؤلف مشرفًا عامًّا على الإنتاج؟) لا ينسى أنه يصنع درسًا تلقينيًّا كقطعة محفوظات يجب أن يتشبع بها التلاميذ أو المشاهدون كما يظنهم.

 

تأتي بعد ذلك مشاهد اعتقال الإخوان المسلمين من قبل حكومة النقراشي مبررة من قبل الكاتب في أن النقراشي كان يريد استعادة النظام في مصر، ولم يشر قطعًا إلى العلاقة بين تلك الاعتقالات وموقف الإخوان في حرب فلسطين. فالنقراشي وبأوامر بريطانية مارس الاعتقال والتعسف والمصادرة ضد جماعة الإخوان التي كانت تقاتل في ذلك الوقت في فلسطين؛ ليقطع خطوط الإمداد والدعم عن المجاهدين هناك. طبعًا السيد وحيد حامد لم يشر إلى أحداث فلسطين، فحاشاه أن يذكر خيرًا يمس شخصية الشيخ حسن البنا، وهو من يهدف إلى الإساءة لها وتشويهها، كما أن ذكر هذه الوقائع التاريخية لن يعطي مبررًا لمواقف النقراشي ضد الجماعة، والمؤلف هو من نصبه بطلاً في مواجهة الإخوان المسلمين الذين يسعون في الأرض فوضى وفسادًا، حتى لو كانت هذه الأرض هي فلسطين وكان جهادهم وانتصاراتهم ضد العصابات الصهيونية.

 

ولكن احتياطًا من المؤلف تجاه ثقافة بعض الناس وإحاطتهم بتاريخ الإخوان وكذلك تاريخ النقراشي الحقيقي، فإنه مع تجاهله لخلفية فلسطين فإنه يبرر عمليات الإخوان المسلمين ضد الإنجليز برغبة مرشدها في إرضاء الناس واستثارة عواطفهم مع إرادة قوية لإحراج حكومة النقراشي أمام الإنجليز، وفي مشهد مزور يأمر البنا السندي أن تكون عملياته ضد الإنجليز لطيفة (لسع دبور وليست لدغة ثعبان)؛ لأنه لا يريد إثارة غضب الإنجليز، وهكذا يرى المؤلف الكبير أن نسف قطار إنجليزي محمل بالجنود والعتاد وإلقاء المتفجرات على معسكرات الجيش الإنجليزي واغتيال جنوده الذين يجرءون على الخروج من ثكناتهم، كل هذا تعامل "خفيف" ومجرد لسعة دبور لن تُغضب الإنجليز، إلى هذه الدرجة يُفسد الهوى عقل المؤلف ومنطقيته.