أي بلد في العالم ديمقراطي التكوين يكفل للفرد حرية التعبير والحركة، مهما كان الانتماء أو أو الديانة، ولا يخشى الإنسان في هذه البلاد على نفسه إذا ما تعرَّض لمكروه أو ما شابه من حوادث قتل، أو مشتبه به أو سرقة، أو إنقاذ جريح من على الطريق، بل في أحيان كثيرة يكرِّمه رؤساء الحكومات تلك وترصعة الأوسمة والنياشين.

 

دون الدخول في كثير من التفاصيل التي تعلمون عنها أكثر مني حول الديمقراطية والعدل وعدم تطبيقهما في كثير من البلدان العربية والإسلامية.. باختصار يمكن القول بأن الشعوب المقهورة ما زالت لم تنمُ بعد وتعرف حقوقها وواجباتها إذا ما حدث لها شيء.

 

مما لا شك فيه أن الدرجة الكبيرة التي ينشأ الإنسان فيها في جو من الديمقراطية ويتربى على احترام الآخرين والعناية بهم ويبادلهم فيها الاحترام؛ تجعل الشعب متعاونًا مع بعضهم البعض لأقصى درجة، كما تساعده على النمو والابتكار وبذل الجهد من آن لآخر.

 

فالمجتمع الحر في دولة ديمقراطية بالطبع ينتج شعبًا حرًّا كريمًا، يتساوى الصغير والكبير فيها مهما كانت رتبة هذا الشخص.

 

أكتب وما زلنا في حلقات ألف ليلة وليلة للأستاذ وحيد حامد، لم نخرج من الموضوع الذي لم ندخل إليه في الأصل، الدولة تفعل ما تشاء، وهو فعل ما شاء، ونحن ما زلنا نتفرج على ما شاءوا بثه إلينا، فجماعة الإخوان تقبل الاختلاف وتقبل المعارضة؛ لكنها لا تقبل أن تكون عند كل المجتمع جانية لا مجني عليها، وهي الحقيقة التي بدءوا ينشرونها منذ فترة ليست بالقصيرة.

 

في دولة مثل جنوب إفريقيا، وذلك في حكم رئيسها آنذاك (فريدريك وليم دي كليرك)، والتي كانت تُسمى من قبل "دولة الملونين"؛ نظرًا لكثرة البيض فيها؛ حدث أن استوقف ضابط شرطة أبيض فتاةً وشابًّا كان يشربان شيئًا شك في أمرهما، أخذهما إلى قسم الشرطة، وقال للشاب والفتاة من حقكما أن تتصلا بأبويكما وكذا بمحاميين لكما، ثم أمر شرطيًّا آخر أقل رتبة أن يجلسهما في المكان المخصص للتحقيق لحين حضور المحاميين وأبويهما، جلسا في غرفة مكيفة الهواء، بها ثلاجة اكتظت بكثير من العصائر والمياه، نصف الساعة وحضر المحاميان قبل الوالدين، ثم فُتح المحضر، بسؤالهما مَنْ تكونان؟، ردت الفتاة، وكانت بيضاء: أنا ابنة رئيس الدولة، فنظر إليها المحقق وابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أكمل: وماذا كنت تفعلين؟ قالت كنت أحتسي المشروب مع صديقي (شابو)، ثم توجه للحديث إلى (شابو)، وقال ما اسمك؟ قال: اسمي (شابو)، قال وما مهمتك؟ قال: طالب، وقال: ومن أي العائلات أنت؟ قال (شابو): أنا ابن فلاح.. قام الضابط بعد كتابة المحضر بإخراج ابنة الحاكم والإبقاء على الشاب، خرجت الابنة وحكت لرئيس الدولة ما قام به الضابط، فاتصل به رئيس الدولة وقال له: ألم تتعلم أن العدل أساس الحكم، ولا بد أن يكون على رقبة كل الأفراد لا تمييز بينهم، فما كان من رئيس الدولة أن قرَّر إيقاف الضابط والتحقيق معه للمخالفة لقانون البلاد، وإخراج الشاب (شابو) من القسم، مع مجازاة ابنته بدفع غرامة مالية قدرها 10 آلاف فرنك.

 

لهذا تطورت كل الدول وبقينا نحن محلك سر، لا نظام لا شفافية لا ديمقراطية لا حرية!، ولأنها دولة ديمقراطية فقد كفلت لـ(شابو) أمنًا ومصداقيةً أكثر بضوابط سليمة على أسس وحجر أساس سليم.

 

أما في بلادنا السعيدة، الحكومة بكامل الدسم من الثقافات والمؤسسات الحزبية الموجودة على الورقة؛ شتان بينها وبين جنوب إفريقيا تلك الدولة التي لم نسمع عنها إلا منذ عشرين عامًا؛ إذًا فما الذي يربطها بين مسلسل لوحيد حامد عن جماعة الإخوان المسلمين والقبض على (شابو) الإفريقي! أقول للأسف إن منظومة (وجهة النظر) تكاد ملغية من دول كثيرة، بينها مصر بالطبع وبين دول إذا سُب فيها شخص قامت ولم تقعد، وما حدث في المثال الذي ذكرناه ليس ضربًا من الخيال.

 

شتان ما يحدث في بلاد وما يحدث في مصر، الفارق كبير (الضوابط الأخلاقية، والمعاملات السلوكية، الحرية الصامتة والمتحركة، والأمن الزائف) كلها مرادفات لما يحدث في مصر، إذا سُرق تراث قامت الدنيا عندنا ثم تهبط على (فاشوش)، ولا حساب للمخطئ، والجاني هارب يتمتع.

 

أن تقوم دولة بكامل طاقتها الإعلامية، تسخرها لهزيمة جماعة لا يتعدى قوامها 2 مليون فرد على حسب تقديري، تصنع عنه تاريخًا مزيفًا تنقله على قنواتها بالإكراه؛ لتحفيز الناس على كرهها.

 

وأخيرًا.. أن تمشي في أمان الله في بلدك وعلى أرضك وأرض أجدادك، فتُفاجأ بشرطي المفروض أنه يؤمِّنك من المكاره، يتحرش بـ5 من الشباب على كورنيش الإسكندرية وقت الفجر وهم ذاهبون إلى صلاة التهجد، يوقفهم ويفتشهم وهو يعلم تمام العلم أنهم ليسوا من فئة المتعاطين أو المعاكسين لخلق الله، يفحص بطاقاتهم، وأخيرًا يستهزئ بهم بعد أن فشل في إثبات ذاته أمامهم، فيقول لهم (أنتم لا بتوع حشيش ولا بنات يبقى أنتم بتوع مسلسل الجماعة)، فنظروا إليه، وقالوا بس مش (جماعة وحيد حامد).. أرأيتم هذه السخرية في وطن انتهت صلاحيته وتعفنت مؤسساته.. ترى هل ستخرج الأجيال القادمة وماذا سيكون اسم جيلهم القادم؟!