مقتل الخازندار.. بين الحقيقة والخيال المغرض

تعرضت الحلقة 25 لمقتل المستشار أحمد الخازندار على يد محمود زينهم وحسن عبد الحافظ من شباب التنظيم الخاص، وبالرغم من أن الحادثة أثارت غضب الأستاذ البنا واستياءه الشديد، وإنكاره على السندي لسوء فهمه وتحايله، إلا أن المؤلف لم يُظهر ذلك في المسلسل بل أظهر ابتسامة رضا على وجه الشيخ البنا بعد فترة من التفكير، ركزت فيها الكاميرا على وجهه؛ لتملأ الكادر بابتسامته العريضة، أما حقيقة ما حدث فلنسمعه من القريبين من هذه الحادثة.

 

يقول الدكتور محمود عساف: "كنت مستشارًا لمجلس إدارة النظام الخاص منذ عام 1945م  1364هـ باعتباره أمينًا للمعلومات تابعًا للإمام حسن البنا، وكنا نحضر الاجتماعات، وعرض مقتل المستشار الخازندار، وأنا مستشار لمجلس إدارة النظام، ولم يكن مجلس الإدارة يعلم شيئًا عن هذه الوقعة إلا بعد أن قرأناها في الصحف، وعرفنا أنه قد قُبض على اثنين من الإخوان قتلا الرجل في ضاحية حلوان، ومعهما دراجتان لم تتح لهما فرصة الهرب؛ حيث قَبَض الناس عليهما.

 

في ذات اليوم طلب الأستاذ الإمام عقد اجتماع لمجلس الإدارة بمنزل عبد الرحمن السندي وحضر الأستاذ بعد صلاة العشاء وبصحبته شخص آخر لا أذكر إن كان حسن كمال الدين المسئول عن الجوالة أو صلاح شادي رئيس نظام الوحدات الذي كان يضم ضباط وجنود البوليس (منزل عبد الرحمن السندي يقع في شارع جوهر بالدقي).

 

دخل الأستاذ وهو متجهم، وجلس غاضبًا، ثم سأل عبد الرحمن السندي قائلاً:

أليست عندك تعليمات بألا تفعل شيئًا إلا بإذن صريح مني؟!.

قال: بلى!.

قال: كيف تسنَّى لك أن تفعل هذه الفعلة بغير إذن، وبغير عرض على مجلس إدارة النظام؟ هل أصرح لكم وأنا لا أدري؟!

 

قال عبد الرحمن: لقد كتبت إلى فضيلتكم أقول:

ما رأيكم دام فضلك في حاكم ظالم يحكم بغير ما أنزل الله، ويوقع الأذى بالمسلمين، ويمالئ الكفار والمشركين والمجرمين؟!.

 

فقلتم فضيلتكم:

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (المائدة: من الآية 33).

 

فاعتبرت هذا إذنًا!!.

 

قال الإمام: إن طلبك الإذن كان تلاعبًا بالألفاظ، لم يكن إلا مسألة عامة تطلب فيها فتوى عامة، أما موضوع الخازندار فهو موضوع محدد لا بد من الإذن الصريح فيه، ثم إنك ارتكبت عدة أخطاء: لم تعرض الأمر على مجلس النظام، ولم تطلب إذنًا صريحًا، وقتلت رجلاً يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، واعتبرته يحكم بغير ما أنزل الله وهو يحكم بالقانون المفروض عليه من الدولة، ولو افترضنا أنه كان قاسيًا، فإن القسوة ليست مبررًا للقتل.

 

وقال: إن كان قتلك للخازندار تمَّ بحسن نية فإن الدية علينا!.

 

ويقول الدكتور عساف: "إن الإخوان كجماعة إسلامية لا تقر الاغتيالات السياسية، وتنظيمهم الخاص كان مُخصصًا لأعمال الجهاد في سبيل الله فهو كتنظيم بريء كل البراءة من هذا الحادث الذي يقع وزره على رئيس النظام وحده، لهذا كان استنكار الإمام لهذا الحادث علنًا أمام إخوانه جميعًا".

 

وتحت عنوان "أحداث 1948م كتب صلاح شادي أحد قادة النظام الخاص في صفحة 92 من كتابه "صفحات من التاريخ حصاد العمر" يقول: "كانت هذه السنة حافلةً بالأحداث التي أثرت تأثيرًا كبيرًا على كيان الجماعة, ففي مارس سنة 1948م اغتيل الخازندار بيد الأخوين محمود زينهم, وحسن عبد الحافظ, وحُكِمَ عليهما بالسجن المؤبد في 20 من محرم 1368هـ = 22 من نوفمبر سنة 1948م، وتم هذا الحادث بغير علم المرشد, وبغير إذنه ما أثَّر عليه تأثيرًا بالغًا, وأراد الأستاذ المرشد في بادئ الأمر أن يتحقق من أن هذا الحادث قد قام به السندي؛ حيث جرى في ظنه احتمال حدوثه من بعض الطلبة غير المسئولين, الذين يخضعون إلى قسم الطلاب, والذي كان مسئولاً عن العمل فيه في هذا الوقت الأستاذ محمد فريد عبد الخالق؛ ولذلك ما إن قرأ الأستاذ المرشد هذا النبأ في الصحف بعد فجر هذا اليوم, حتى أرسل من يستدعي الأستاذ فريد عبد الخالق على عجل, ليقابله في منزله في صباح هذا اليوم الباكر فذهب إليه على التو، إذ كان يسكن في منزل قريب من منزل الأستاذ المرشد.

 

وسأله المرشد عما إذا كان لقسم الطلاب دخل في هذا الحادث؟.

فأجابه بالنفي طبعًا، وأنه لا يمكن أن يصدر لأحد الطلاب أمر بهذا الخصوص، وأخذ الغضب والأسف من المرشد كل مأخذ وهو يقول:

إن هذا يعني تدمير الجماعة التي قضى عمره في بنائها!، وقال للأستاذ فريد: "أنا أبني وهم يهدمون".

 

وقال: إن الرصاصات التي أُطلقت على الخازندار إنما أُطلقت على صدره هو!!.

 

ولم يخفف من هول الحادث ما تذرع به السندي عندما توجه برد الفعل هذا لدى المرشد، فادعى أن المرشد قال في مجلس عام:

إن القاضي "يستاهل القتل"؛ وذلك عندما سمع بالأحكام القاسية التي صدرت ضد أشخاص من الإخوان، (ضُبطوا في الإسكندرية أمام نادي الجيش الإنجليزي، ومعهم قنابل لم تُفَجَّر بعد) فأصدر عليهم القاضي الخازندار أحكامًا قاسية، في نفس الوقت الذي حكم فيه على حسن قناوي سفاح الإسكندرية الذي ارتكب جنايات قتل وهتك عرض أثارت الفزع والغضبب في الرأي العام والخاص في الإسكندرية، فقضى عليه بالسجن 7 سنوات! فاعتبر السندي أن هذه العبارة من المرشد إذنًا ضمنيًّا لقتل الخازندار!!.

 

وهذا تبرير غير معقول لحادث كهذا، ولكن الحقيقة كانت كامنة وراء شعور السندي في هذا الوقت باستقلاله هو، وبمن يتولى قيادتهم من إخوان النظام الخاص عن سلطان الجماعة وقائدها (حسن البنا)، الأمر الذي سهَّل له هذا السلوك، لم يكن من حقِّ أحد إخوان النظام أن يتصل بالمرشد في شأن من شئون النظام الخاص إلا عن طريقه، وبهذا عزل إخوان النظام تمامًا عن قيادة الدعوة، وأصبح فهم السندي لدور المرشد هو أن يبحث له عن مخرج أمام الناس؛ لترميم الصدوع التي تحدثها أمثال هذه التصرفات غير المسئولة، وتكييف الرأي العام داخل الجماعة وخارجها لتقبُّل هذه الحوادث!.

 

أما أحمد عادل كمال أحد رجال النظام الخاص في ذلك الوقت، فيضيف أن الأستاذ البنا شدَّد عليهم في اجتماع خاص بقيادة النظام الخاص أنه لا شيء بعد ذلك يتم إلا بعد أمر كتابي منه فردَّ عليه الأستاذ مصطفى مشهور "إنهم خلاص قد فهموا الأمر، وأنهم لن يقوموا بأي شيء بعد ذلك إلا بعد موافقة صريحة منه، وأنه لا داعي للأمر الكتابي".

 

ويقول د. محمود جامع "قام النظام الخاص بقتل القاضي الخازندار.. وحينما علم بذلك الشيخ حسن البنا غضب غضبًا شديدًا.

 

وقام باستدعاء عبد الرحمن السندي، وقال له: لم قتلت الخازندار؟ ومَنْ أمرك بذلك؟

فقال السندي: ألم أقل لك من قبل إنه قد أعطى الإخوة أحكامًا مشددة.

فقلت لي: "ربنا يخلصنا منه.. ده يستاهل قطع رقبته".

فقال له الشيخ البنا: وهل معنى ذلك أن تقوم بقتله!!.

ماذا أقول للقضاة؟

وماذا أقول للمستشار الهضيبي؟

وماذا أقول للناس؟

ثم بكى الشيخ حسن البنا بكاءً شديدًا أمام د. عبد العزيز كامل، والمهندس: حلمي عبد المجيد، وأ. فريد عبد الخالق.. وهؤلاء الثلاثة كانوا من أصدق أصدقائي.. ويمكنك أن تسأل أ. فريد عبد الخالق إذا قابلته عن هذه الوقعة، وكذلك المهندس حلمي عبد المجيد فهو يعيش إلى الآن وعمره 92 عامًا.

 

هؤلاء هم رجال الإخوان الذين يعرضون الأمر في شجاعة نادرة، واعتراف بالخطأ والقصور، ويعرضون صورةً؛ لتصحيح الأوضاع في رجولة دون خجل أو مواربة، فمن أين جاء وحيد حامد بهذه الصور المشوهة لمرشد الجماعة الأول وابتسامته الراضية بالاغتيال؟ ولماذا يسعى أن يطغى خطأ أو استثناء من بعض رجاله على تاريخ جماعته؟ منذ متى يتم تقييم الجماعات والهيئات بل والحكومات باستثناءات الأخطاء، مع إلغاء كل حسناتها وإيجابياتها؟ وهل يفعل ذلك سوى صاحب هوى مريض القلب؟ لقد شاءت إرادة الله أن تجري هذه الحادثة لتظهر معدن رجال الإخوان أمام حدوث الأخطاء، فيصقلون برفضها ويبتلون بتصحيحها، ولتكن شاهد الهم على نقاء جوهر منهجهم القادر على نبذ الغريب ونفي الشاذ، وشاهدًا على قدرتهم على مقاومة المخطئين داخلهم والحفاظ على سلامة عقيدتهم، بالرغم من الضغوط والابتلاءات، فقد وقعت هذه الأحداث وهم تحت ضغط واضطهاد شديد، فما عُكر صفو منهجهم وما استطابوا العنف والانتقام وما استحسنوا الثأر على يد فئة منهم، إنها حكمة الله تعالى لتظهر سلامة العقيدة، ونقاء الجوهر، ولكنها لصحيح الإبصار سليم القلب.

 

أما الهوى والبغضاء فيظهران بقوة وسطوع وحرارة كنار حارقة في حلقتين متتاليتين، ففي الحلقة السابقة يكون دافع الإخوان من الهجوم على معسكرات الجيش الإنجليزي هو فقط إحراج وزارة النقراشي، أما في هذه الحلقة فتقرر أن الشيخ البنا دخل حرب فلسطين ليغطي على مقتل الخازندار، أي إسفاف وأي سطحية وأي استخفاف بعقول المشاهدين!؟ إن وحيد حامد يفضح أهدافه غير المعلنة ودعائيته المفرطة في السواد.

 

النظام الخاص.. جزء من تاريخ مصر وكفاحها

في هذه الحلقة يركز وحيد حامد على موضوعين، الأول: انهيار شخصية الشيخ حسن البنا أمام الحصار الرسمي لجماعته!! ولإظهاره بمظهر الضعف والاهتزاز الذي يصل به إلى أن يقول لمدير الأمن العام وهو يوسِّطه من أجل مقابلة الملك "مالناش دعوة بسلوك الملك، عايز يروح يسكر يروح يسكر، عايز يروح يسهر في علب الليل ويسهر كيف شاء هو حر، لا شأن لنا بسلوكه".. الله أكبر عليك يا وحيد حامد.. بالله عليك.. هل تصدق أنت أن شابًّا صغيرًا في جماعة الإخوان يقول هذا الكلام التافه، لمصلحة من تشهد زورًا، وتنشره في الآفاق، لمصلحة من تحطِّم رمزًا من رموز مصر وفخرًا من مفاخرها، ورجلاً نادرًا من رجالاتها، لا يوجد مصري حقيقي ينتفع من تشويه تاريخ مصر وزعمائها الحقيقيين، أليس لحسن البنا فضل في مجاهدة المحتل البريطاني؟ ألا يُحفظ له هذا الفضل؟ أليس لحسن البنا شرف في الدفاع عن أمن مصر القومي وأمن الأمة العربية بأسرها في فلسطين؟ لماذا لا يُشهد له بهذا الفضل؟ أليس للشيخ فضل في تحمُّل جماعته هموم ومشاكل المجتمع المصري وأولها الفقر والمرض؟ لماذا يُنكر فضله؟ أليس لحسن البنا وجماعته فضل في إزكاء الروح الوطنية والوعي الديني السليم في ربوع مصر، بالإضافة للتصدِّي لعوامل الضعف النفسي والانهيار الأخلاقي؟ لمصلحة من كتم شهادة الحق؟ أليس من الوطنية الحقَّة الإشادة بكلِّ عمل وطني جليل قد صبَّ في صالح الوطن ضد مؤامرات وأخطار أعدائه.

 

الموضوع الآخر الذي استغرق الحلقة: كان مشاهد مطاردة الأمن، واستهداف قيادات الداخلية للنظام الخاص للجماعة حتى مشهد سقوطه، الذي احتفى به المسلسل، والمؤلف هنا يعتمد على تلبيس الأمر على المشاهد، وعلى خلط الأوراق، وبخاصة أن الذي يطارد الشباب المجاهدين هي أجهزة الداخلية المصرية والمؤسسات الرسمية؛ وذلك تجاهلاً لحقيقة أن النقراشي كان ينفِّذ توجيهات مؤتمر فايد في 10/11/1948م؛ حيث اجتمع سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا هناك، وقرروا اتخاذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية؛ لحل جمعية الإخوان المسلمين، وأرسلت هذه الإفادة إلى رئيس المخابرات في 13/11/1948م،
وبعد ذلك بأقل من شهر صدر الأمر العسكري رقم(63) لسنة 1948م بتاريخ الأربعاء 7 صفر 1368هـ الموافق8/12/1948م بحل جمعية الإخوان المسلمين، وجميع شعبها، هذه هي الحقيقة؛ حل جماعة الإخوان المسلمين كان حلقةً في صراع بين المحور المصري العربي المسلم ضد المحور البريطاني الصهيوني العلماني، وخسارة مصر والعرب من حل جماعة الإخوان المسلمين لا يقدره إلا الكيان الصهيوني وحلفاؤه الإنجليز والأمريكان.

 

ودعونا نتعرف أولاً على مشهد وطني من تاريخ الإخوان المسلمين؛ لنعرف لمصلحة من حُورب الإخوان وما يزالون يُحاربون حتى الآن؟ فنهاية الحرب العالمية الثانية كانت بداية صراع وطني ضد بريطانيا، وقد دعا الإخوان المسلمون حينها إلى مؤتمر شعبي يُعقد بالقاهرة، وفي 7 مراكز رئيسية في الأقاليم، وذلك في بداية أكتوبر؛ لمناقشة القضية الوطنية، ولتحديد وصياغة المطالب.

 

وفيما بين بداية مناقشة المسألة الوطنية ورحيل صدقي إلى لندن، كانت الحركة الوطنية قد انتقلت من مرحلة الإصرار على شروط محدودة للتفاوض، إلى مرحلة الرفض الكامل لأية مفاوضات قبل إتمام الجلاء أولاً، وقد أرسل الشيخ حسن البنا خطابًا إلى الملك، وإلى صدقي، مناديًا بدعوة الأمة إلى الجهاد، ومُقاطعةِ إنجلترا اقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا.

 

وفي رسالة إلى شعب وادي النيل أعلن محذِّرًا:

"إن حكومة صدقي باشا في إصرارها على إجراء المفاوضات لا تمثل إرادة الأمة، وأيُّ معاهدة أو اتفاق تتوصَّل إليه مع بريطانيا قبل أن يتم إجلاء قواتها هو إجراء باطل، ولن يلزم الأمة".

 

وفي اليوم السابق على رحيل صدقي إلى إنجلترا أكد الإخوان هذا التحذير بدعوتهم إلى مظاهرات ضخمة في جميع أنحاء البلاد، وقد حصلت جريدة (الإخوان) على بعض النصوص الهامة للمعاهدة التي أطلق عليها اسم (معاهدة صدقي بيفن) فقادت حملةً شعواء ضد هذه المعاهدة.

 

وقد عاد صدقي في 25 أكتوبر؛ ليقدِّم استقالته إلى فاروق لتنتهي وزارته، وتأتي وزارة محمود فهمي النقراشي، وعند ذلك قامت جماعة الإخوان بعدة فعاليات لنصرة القضية الوطنية أولها كان شارة الجلاء.

 

حيث قامت لجنة الدفاع عن وادي النيل بالمركز العام للإخوان، بطبع وعمل عدة ملايين من شارة لها طابع خاص، لونها أحمر، وعلى شكل قلب، مكتوب في وسطها كلمة (الجلاء)؛ ليقوم شباب الإخوان في جميع البلاد من أسوان إلى الإسكندرية، بتوزيع هذه الشارات على جميع أفراد الشعب على اختلاف طبقاته، وخرجت الأمة في يوم واحد، وهي تحمل هذه الشارة في إجماع رائع مثير، وقد أصدر الإخوان بيانًا طالبوا فيه بعدم التعامل مع الإنجليز، فقامت المؤسسات بشطب اللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية.

 

ثانيا: حرق الكتب الإنجليزية

وقد قام الإخوان يوم 25/11/1946م في كل الأقاليم بِجَمْع الكتب والصحف الإنجليزية وحرقها في الميادين الكبيرة.

ثالثًا: ممثل الإخوان في الأمم المتحدة

وقد أعلن النقراشي في 25/1/1947م عن اعتزامه عرض المشكلة المصرية على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

 

وكان الإخوان قد دعوا إلى ذلك من قبل، وقد قرروا إرسال ممثلهم مصطفى مؤمن مع النقراشي، وتجوَّل مصطفى مؤمن في الولايات المتحدة، وخطب من أجل القضية المصرية، وأسمع صوته الأمم المتحدة نفسها.

 

وفي 22/8/1947م ألقى خطبةً ملتهبةً من شرفة الزوار، وأشهر وثيقة موقَّعة بدماء الطلاب تستنكر المفاوضات، وتطالب بالجلاء التام، وبالتوحيد الكامل لوادي النيل، وقد قام مصطفى مؤمن بمظاهرة خارج مبنى الأمم المتحدة، بمساعدة من نقابة عمال البحرية بنيويورك، التي كان من أعضائها بعض المصريين.

 

وعاد النقراشي ليستقبله الإخوان استقبالاً حافلاً، هذه صور من جهد الإخوان المتواصل في نصرة القضية الوطنية، فهل كانت في الخفاء بحيث لم يدركها مؤلف هذا المسلسل.

 

أما النظام الخاص" بجماعة الإخوان المسلمين فهو نظام عسكري أسسته الجماعة في العام 1940م، وهدفه- بحسب محمد مهدي عاكف- "إعداد نخبة منتقاة من الإخوان للقيام بمهمات خاصة، والتدريب على العمليات العسكرية ضد العدو الخارجي، ومحو الأمية العسكرية للشعب المصري في ذلك الوقت؛ حيث كان كل فرد يمكنه دفع 20 جنيهًا يستطيع التخلص من الخدمة العسكرية"، وبحسب محمود عبد الحليم في كتابه "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ" فقد قام النظام الخاص من أجل محاربة المحتل الإنجليزي داخل القطر المصري، والتصدِّي للمخطط الصهيوني اليهودي لاحتلال فلسطين" وكان من أشهر أعضائه جمال عبد الناصر، وخالد محيي الدين عضوا مجلس قيادة الثورة وفق شهادة خالد محيي الدين نفسه، وقد انضما إلى النظام الخاص عام 1943م وفق رواية أحمد رائف.

 

أراد حسن البنا أن يُكَوِّن ذلك "الجيش المسلم" للتصدِّي لليهود والإنجليز؛ حيث كانت قناعته بأن الإنجليز بتواطئهم مع اليهود لن يتركوا مصر ولا فلسطين، ومع شعوره بضعف الحكومات العربية، وهزل الجيش المصري في هذا الوقت، فكان هذا حافزًا آخر لتكوين "النظام الخاص"، وقد كان التأسيس وليد فكر مشترك بين الحاج أمين الحسيني (مفتي فلسطين) وحسن البنا (مرشد الإخوان).

 

ولم يكن النظام الخاص فكرةً جديدةً ابتدعها الإخوان في ذلك التوقيت، فكل القوى السياسية الموجودة بالساحة في الوقت كان لديها أجهزة عسكرية سرية مثل "الوفد" و"السراي" و"مصر الفتاة" وعرف وقتها أصحاب الياقات الزرقاء والحرس الحديدي حتى إن "الضباط الأحرار" كان تنظيمًا سريًّا في هذا الوقت.

 

أما المفاجأة التي سيحاول وحيد حامد بكل يقين إخفاءها، فهو الحكم التاريخي للمحكمة التي حاكمت أعضاء النظام الخاص؛ حيث برَّأت أكثرية المتهمين، وحكمت على أفراد قليلين، منهم بأحكام مخفَّفة، ما بين سنة و3 سنوات، ولكن الشيء المهم في الحكم أنه أنصف الإخوان بوصفهم جماعة إسلامية وطنية، وأبرز دورهم الوطني والجهادي في مصر وفلسطين، ودورهم الثقافي والاجتماعي في خدمة مصر، ثم كانت المفاجأة أن انضم رئيس المحكمة المستشار الكبير أحمد كامل بعد ذلك إلى الإخوان، ونشرت الصحف ذلك بالخط العريض، حاكمهم ثم انضم إليهم! فهل سنرى تلك الحقائق التاريخية عن الجهاز الخاص في مسلسل وحيد حامد.

 

الدراما السوداء.. بين الدعاية والجريمة

تبلغ بغضاء وحيد حامد وعدوانيته تجاه شخصية الشيخ حسن البنا ذروتها في هذه الحلقة، فهو بعد أن وصفه في حلقات سابقة بمواصفات المستبد المهيمن المصر على الزعامة والتفرد إلى درجة الهوس، يعود في هذه الحلقة إلى تناقض غريب؛ ليلبس تلك الشخصية بمواصفات الجبن والخوار والخسة؛ وذلك عندما يذهب إلى عبد الرحمن عمار وكيل الداخلية في شكل رجاء وتوسل لعدم حلِّ الجماعة، ثم ما يلبث أن يبكي بين يديه لدرجة ضياع صوته واختناقه، ثم تكون الدهشة الكبرى عندما يبدأ بضرب يديه خلفية رأسه بقوة عدة مرات، مبديًا الأسف والندم، هذا المشهد يتكرر تقريبًا عندما يعود الشيخ إلى مكتبه ليجلس عليه وحوله أتباعه محتشدين، وعندئذ يسمعون قرار الحل في المذياع، فيبدأ الشيخ بضرب رأسه على المكتب بشكل هستيري ومستمر، قمة الازدراء والسخرية من أهم شخصية تاريخية في العالم الإسلامي في القرن العشرين.

 

لا يقتصر وحيد حامد في سخريته وازدرائه على قدر تلك المشاهد، فهو يحب أن يؤكد بصورة مباشرة ولفظية ما يريد الذهاب إليه، أو التأثير به، كعادته في هذا المسلسل، وهو ما يجافي مفهوم الدراما، ولكن للدعاية السوداء أولوياتها، فيُجري المؤلف حديثًا في مكتب وكيل الداخلية؛ ليصيغ من خلال حوار الحضور- الذين لم نتعرف بهم- ما يشاء من جمل السب والقذف المباشر، ومنها جملة تجري على لسان شيخ في الملبس الأزهري تقول: "إن النقراشي بحلِّ الجماعة أنقذ البلاد من عار يرتدي ثياب الفضيلة"، وكأن المؤلف يريد عندما يضع هذه الجملة على لسان شخصية ترتدي الرداء الأزهري أن يتقبلها الشعب بخمول عقل دون تفكير، وكأن هذا هو رأي الدين (من يستغل الدين الآن؟)، والحقيقة أن هذا المشهد يسيء به وحيد حامد لرجال الأزهر، عندما يظهرهم في مجالس الحكام يوافقونهم دون تردد، وهم منهيون شرعًا عن الدخول على السلاطين أي أصحاب السلطان، فضلاً عن مجالستهم، وبالتالي هذه الصورة تسيء إليهم، وبخاصة أن المؤلف لم يبين سبب وجود هذا الشيخ المجهول في مكتب وكيل الداخلية يسخر ويستهزئ من رجل دين مُبْتلى، حتى وإن كان مخطئًا، فهل تقع المشكلة في ثقافة وحيد عن الإسلام أم في ارتباطه بلغة وأسلوب شخصيات عادل إمام التي يكتبها له، وعدم قدرته على التخلص من "إفيهات" و"لزمات" تلك الشخصية الخارجة غالبًا عن حدود القيم والأخلاق الفاضلة.

 

لا ينسى وحيد حامد أن يطعن في جماعة الإخوان بصورة واضحة ومباشرة على لسان كريم ثابت، عندما يجعل شيخهم ومؤسسهم يندم على اشتغاله بالسياسة، ويقول: بأنه كان خطأً كبيرًا، مع أن الحقيقة أنه هو- رحمه الله- القائل: لو كان هذا الإسلام كما نفهمه هو السياسة فنحن أهل السياسة، وهو القائل: إن في آية واحدة من كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل)، تحتاج لعمل ست وزارات، ولقد استشهد الأستاذ البنا وهو يطارد قاتليه، فلم يكن جبانًا ولا خوارًا.

 

لقد استدعى وحيد مشهد بكاء شخصية البنا مرة بين يدي خصمه، ومرة بين يدي تابعيه وتلامذته، وضربه لرأسه في المرتين ندمًا وحسرةً، استدعى من ذاكرتي موقفًا شخصيًّا لي وأنا في الصف الأول الابتدائي، ولم تمضِ إلا أيام قليلة من الدراسة عندما اعتدى عليَّ ضربًا مدرس الفصل، فكان ثباتي الصامت والمندهش أمام زملائي سببًا لأن يزيد من عدوانه حتى اضطر أن يطردني خارج الفصل، عندها فقط التفت حولي فلم لم أجد أحدًا يراني، بكيت كما لم أبك في حياتي، بعدها وعندما عملت مدرسًا وكنت أعرض بعض التلاميذ لنوع من العقاب، فأجد منهم صمودًا وتحديًّا كنت أكتفي بما نويته مقدمًا لأنني أعلم أن أثر هذا العقاب سيغزو أنفسهم بمجرد ابتعادهم عن زملائهم، هكذا يحافط يا وحيد الأطفال والصبية على عزة نفوسهم أمام الناس، فكيف يخور زعيم بهذا الحجم، وعلى هذه العقيدة الإسلامية بهذا الشكل المُذِل والمخزي إلا إذا كان كذبًا وافتراءً.

 

هل تفكرت يا سيد وحيد في تكلم الناس عن كذبك وافترائك؟ ألم يهز كبرياءك احتمال حدوث ذلك؟ هل أيقنت أن الله يجمعك مع كل خصم لك في محاكمة يوم القيامة، وقد اختصمت الرجل بشهادتك هذه عليه؟ هل نفسك مطمئنة؟ أو دعنا من هذه، هل ضميرك الفني والأدبي سعيد بهذا الاختلاق والسب المباشر والتلفيق في التاريخ ورجاله، حتى مسخت شخصية رجل إلى شخصية مغايرة تمامًا لإرضاء أناس لهم أهداف سياسية معلنة، احتفيت أنت بها على لسان شخصيات كالنقراشي وإبراهيم عبد الهادي عندما قلت أنت على لسانهما: "لا نريد إخوان في مصر"، ولا أحد يعلم في أي وثيقة وجدت ذلك أم أنه هوى النفس، وأهداف مَن تبحث عن رِضَاهم.

 

النقطة الرئيسية الثانية في هذه الحلقة كان موضوع اغتيال النقراشي، ورغم إدانة الأستاذ البنا له، وإدانة الجماعة من بعده، وبالرغم من أن الجماعة في عداد فترة وجيزة قامت بخطتين لتعديل وضعية الجهاز الخاص، في المرة الأولى جُزِّئ وجُعِلَ عَلَنِيًّا وتابعًا لإدارة المحافظات، والثانية عندما أُلغي تمامًا بعد اكتشاف عدم عملية الحل الأول، وكان هذا في مدة لم تتجاوز 3 سنوات من حادث اغتيال النقراشي، ودون ضغط من أحد بل تعرضت الجماعة لمخاطر عظيمة من جراء إلغائه، ولم يكن تراجعًا عن فكرة الجهاد، بل رأت الجماعة أن يكون الجهاد مُعلنًا للعيان بالأشخاص كما بالمواقف، وأن تُستكمل علنية الجماعة في كلِّ شيء.

 

الأمر الآخر الذي أُريد الإشارة له هو السياق التاريخي الذي جرى فيه حادث اغتيال النقراشي، ولا يمكن منطقيًّا فصل حادثٍ ما عن سياقه التاريخي، كما لا يمكن كتابة عمل درامي بمعزل عن سياقه التاريخي، وهو الخطأ الذي وقع فيه المؤلف، فمن ناحية كان يعلم شباب الإخوان أن قرار الحل كان استجابة لرغبة الاستعمار لإفشال جهود المجاهدين الإخوان في فلسطين، وقد أنزلوا بالصهاينة هزائم منكرة حتى استغاثوا بالقوى الاستعمارية الكبرى، وكانوا يعلمون أن قرار الحلِّ طلب من قبل من النحاس لكنه رُفِضَ، ومن ناحية أخرى كان قرار الحل بما ترتب عليه من مصادرة الممتلكات والأموال والأسلحة المجموعة لإرسالها إلى فلسطين بمثابة نكسة للمجاهدين هناك، وهذا زاد من اشتعال صدور الشباب، من ناحية ثالثة كانت كل قيادات الجماعة معتقلة بما فيها قيادات النظام الخاص، وبقت مجموعة وحيدة بهيكلها وقائدها بدون صلة بالجماعة، وفي غيبة القيادة وظلمة المحنة قرَّرت هذه المجموعة عمل شيء ضد هذه الغارة التي اعتبروها لصالح المحتل في مصر والصهاينة في فلسطين.

 

الجدير أيضًا بالذكر أن مصر في هذه الفترة وفي مدارج سياقها التاريخي كانت ممتلئة بالجماعات السرية سواء التابعة لأحزاب وجماعات لم تصل إلى الحكم أو حتى تابعة لأحزاب في الحكم أو جهات حاكمة كالملك، وكان هذا وضعًا طبيعيًّا في بلد محتل على غير رغبة من حكامه، فقد شهد حزب الوفد تأسيس جماعة اليد السوداء، كما كان للسعديين ولمصر الفتاة والحزب الوطني جماعات سرية، بل إن الملك نفسه أنشأ تنظيمًا سريًّا لُقِّبَ بالحرس الحديدي، كما كان للضباط الأحرار تنظيم سري آخر، بالإضافة إلى خلايا عديدة غير تابعة للأحزاب مثل خلية حسين توفيق التي اغتالت أمين عثمان، بل إن النقراشي نفسه وأحمد باشا ماهر واللذين يظهرهما المسلسل كأعداء للفوضى التي يثيرها الإخوان على حسب ادعاء وحيد حامد كانا عضوين بتنظيم خاص تابع لعبد العزيز فهمي من مؤسسي حزب الوفد مع سعد زغلول، بل إنهما اشتركا في اغتيال "السير لي ستاك" وهو الحادث الذي عرَّض مصر لعواقب وخيمة، ولما سُئِل سعد زغلول عن ذلك، قال: "كيف لي أن أراقب كل أعضاء حزبي؟" ولم يتهم أحد سعد زغلول بإنشاء تنظيمات سرية إرهابية، فالوطن كان مُحتلاً، والجهاد كان واجبًا.

 

بل الأدهى من ذلك أنه عندما انشق محمد محمود باشا عن حزب الوفد المصري وكَوَّن حزب الأحرار الدستوريين قامت جماعة من الوفد باغتيال حسن عبد الرازق باشا وإسماعيل زهدي بك من حزب الأحرار، فلم يصف أحد حزب الوفد سواء حينها أو الآن بأنه حزب دموي، وكذلك اشترك إبراهيم عبد الهادي (رئيس الوزراء فيما بعد)، وعبد الرحمن بك فهمي بجرائم اغتيال سياسية معروفة فلم يتهمهم أحد بالخيانة أو يتهم حزب الوفد بالإرهاب، وكانت الثقافة السائدة حينها أن اغتيال عميل تابع لبريطانيا هو عمل ديني وطني في المقام الأول؛ لذلك أنشدت المواويل وحُكيت القصص ودبجت القصائد في مدح إبراهيم الورداني قاتل بطرس غالي، كما اعتبر الشعب المصري أن مشاركة محمد أنور السادات في اغتيال أمين عثمان كان عملاً بطوليًّا، كما شارك السادات أيضًا في محاولة اغتيال النحاس باشا، كما شارك جمال عبد الناصر في محاولة اغتيال حسين سري عامر.

 

هذا هو السياق التاريخي الذي تجاهله وحيد حامد في مسلسله قاصدًا عامدًا حتى يتمكن من أهدافه السياسية، ويكفي أن أختم هنا بما سبق أن ذكرته عن القاضي أحمد بك كامل الذي حاكم أفراد النظام الخاص، فَبَرَّأ معظمهم، وحكم بالسجن على بعض منهم بعد أن أعلن في حيثيات حكمه، والتي أتت كوثيقة تاريخية، عن وطنية هؤلاء الأفراد، ونبل مقاصدهم، وعظيم خدماتهم للوطن، ثم أتبع ذلك بانضمامه لجماعة الإخوان المسلمين؛ لكن هذه حقيقة من ضمن الحقائق الكثيرة التي توجب على وحيد حامد إخفاءها، وهنا نصل إلى السؤال الذي يفرض نفسه؛ هل وحيد حامد في مسلسل الجماعة كان كاتبًا لدراما تاريخية أم متآمرًا حتى النخاع في دعاية سوداء لصالح جهة سياسية؟ ومن يحاسب كاتب الدراما حين يمارس الإرهاب الفكري أو حين يرتكب جريمة الاغتيال المعنوي، وهو أحيانًا أشد خطورة من الاغتيال المادي، وهل بلغت مصر درجة من النضج الثقافي والسياسي والاجتماعي كي تحاسب وحيد حامد على تلاعبه بالتاريخ ورجاله أم أن مصر هي الأخرى سبق اغتيالها معنويًّا؟!.