العيد يوم الفرحة، ويوم البسمة، إنه يومٌ مشرقٌ في جبن الزمن.. العيد هدية سماوية من ربِّ الأرض والسماء للذين صاموا طاعةً لله، وعبدوا ربهم، وقاموا رمضان إيمانًا واحتسابًا.

 

هدية لجميع الذين آمنوا بربهم، وصدقوا رسله، وعرفوا فضله، وشكروا نعمه، للذين صاموا رمضان فكرةً وطاعةً تُقوي عزائمهم، وترفع من إيمانهم ويقينهم، ورصدوا أنفسهم طاعةً لربهم وامتثالاً لأمره، وسعيًا لمرضاته، وربطوا حاضرهم ومستقبلهم لنصرة هذا الدين، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ (الحج)، ووصفهم ربهم سبحانه وتعالى بقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (السجدة)، وهم الذين قال الله فيهم أيضًا: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ (الذاريات).

 

إنه العيد الأكبر والأعظم عند الذين آمنوا بشمول هذه الرسالة وكمالها وتمامها، وآمنوا بل أيقنوا بأن القافلة التي قاد خطاها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ومن ورائه الأبرار ما يزال حداؤها وحده هو نداء الإيمان في القلوب، وهو الرحيق المختوم، وهو لهيب الجهاد في العزائم، وهو سعادة الدنيا والآخرة، والشرف الرفيع بين أمم الأرض، وهو الطريق إلى الجنة كما أنهم يوقنون بأن الأمة التي تسير على وقع هذه الخطا ليست ضياعًا ولا مهدرةً؛ لأن الوحي السماوي جذرها وأساسها ومياه المعصوم صلى الله عليه وسلم وسلوكه ضياؤها وبيانها، واجتهاد العلماء العاملين زادها ودليلها، وهي أمة تُوقن بأن البحر لن يضره أبدًا غلام يُلقي فيه بحجر، وأن الشمس لا يطفئ نورها أن يحصبها طفل بحصاة.

 

والأمم الناهضة لا تعرف أبدًا في تاريخها أعز ولا أعظم من يومها الأول الذي وضع فيه الأساس ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185).

 

ويومها الثاني الذي تم فيه صرح البناء ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية  3).

 

وما أجدر اليومين أن يكونا عيدين، ومن هنا عين الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يوم الفطر ويوم الأضحى لأنهما قد ارتبطا في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ البشرية كافةً؛ مما جعلهما غرةً في جبين الدهر كله الأول: يمثل الأساس، والثاني: يمثل التمام.

 

إن كل مسلم عاقل اليوم وغدًا يجب عليه شرعًا وعرفًا وقانونًا أن يُنادي بأعلى صوته في النائمين والغافلين الذين ألهتهم الدنيا وشغلتهم الفانية عن الباقية: أيها المسلمون.. أيها المؤمنون.. كفاكم أفيقوا من الغفلات التي أنتم فيها ومن السراب الذي تجرون وراءه، والذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ (النور).

 

يقول لجميع المسلمين: أفيقوا واستيقظوا وانتبهوا ودافعوا عن أنفسكم وعن أولادكم، وعن بيوتكم وعن شرفكم وعن إسلامكم؛ فلم يعد خافيًا على أحد أن أعداء الإسلام وأعداء الإنسانية وأعداء البشرية قد أجمعوا أمرهم، وبيتوا ومكروا بكم، لم يعد خافيًا على عاقلٍ أن اليهود الفجار الأشرار يريدون محو فلسطين وتدمير المسجد الأقصى وبعدها ينتقل الوباء إلى باقي الأمة، لم يعد خافيًا على أحد أن الغرب وعلى رأسه أمريكا تُدمِّر العراق وتسيل دماء أهله ليل نهار، وتأتي على الأخضر واليابس، وتعمل في أفغانستان ليلَ نهارَ لإبادة أهلها وتدميرهم وإزهاق أرواحهم بلا ذنب جنوه، وقد أحضرت- كما نشر من فترة- أكثر من أربعين فرقةً من فرق الموت من المستأجرين المحترفين للقتل للإبادة الكاملة لدولة إسلامية، كما أنهم يمدون أيديهم إلى باكستان لإثارة المشاكل وزرع الفتن بين أهلها المسلمين الآمنين في ديارهم، وهي وراء الفتنة في السودان وتقسيمه إلى شمال وجنوب، ووراء الفتنة في اليمن، وهؤلاء جميعًا في أوروبا وأمريكا من ورائهم اليهود والتعصب الأعمى، والكيد بالإسلام وأهله.

 

أيها المسلمون.. ونحن برغم ما ذكرت نقول لهم: كل ما تصنعون مردود عليكم، وسيحيق بكم المكر السيئ، وسيظل نور الله لا يستطيع مخلوق أن يطفئه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (التوبة).

 

وتلك هي النتيجة الحتمية للظلم والظالمين والبغي والباغين، لا يمكن أن يفلت من قبضة الحق تبارك وتعالى، وها هي الآن تظهر الدلائل على ما نقول، فإن الصحف تنشر أن جميع الجنود الذين اشتركوا في حرب العراق وقتل أهلها قد رجعوا وهم مصابون بحالات نفسية فتحوا لهم عياداتهم لعلاجهم، لكن الحقد الأعمى طمس الأبصار والبصائر، والتعصب المقوت قد أتى على الخضر واليابس ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

تذكر كل هذا في العيد ونحن لا ننساه، ولا نغفل عنه، ولكننا نُذكِّر مَن شُغلوا بغيره من التفاهات أن يتوبوا ويؤوبوا إلى ربهم، ويعودوا إلى الطريق السوي لكي يقدموا شيئًا لإخوانهم الذين دمرتهم الصهيونية، وأمسكت بخناقهم وأحاطت بهم من كل جانب، ورغم ذلك فهم ثابتون صابرون محتسبون رغم ما تفعله الصهيونية بهم، فقد لفظوا الإجرام والمجرمين والخيانة والخائنين الذين يتاجرون بوطنهم ويكذبون على الله وعلى الناس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (البقرة).

 

ولا نستطيع أن ننسى أبدًا إخواننا خلف الأسوار لم يسيئوا لأحد، ولم يعتدوا على أحد، حياتهم كفاح وجهاد وأموالهم حلال طيب، ورغم ذلك يظلمون ويستمر الظلم "والظلم ظلمات يوم القيامة"، ونقول للذين ظلموهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام ويقول: وعزتى وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".

 

ويأتي العيد وهو يوم الفرحة والنشوة، ويوم السرور والرحمة يوم البهجة التي تملأ جوانب النفس وساحات العيد وساعاته المباركة، وكنا نتمنى أن يمرَّ علينا بهذه المعاني، لكن غياب الأبرار وراء القضبان يحول بيننا وبين الفرحة في هذا اليوم، ماذا تقول الأم لطفلها حين يسألها في يوم العيد: أين أبي؟ وبماذا ترد على أبنائها حين يقولون لها: ماذا فعل أبي حتى يوضع في السجن؟ ويحال بيننا وبينه؟ ما الجريمة التي ارتكبها؟ وما المخالفات التي وقع فيها؟ وهنا تكون الدموع هي التي ترد على الأطفال الحيارى، ويكون الأسى والألم، والحزن العميق في يوم العيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

 

ونحن نقول هذا ونعلم أن أسلافنا- رضوان الله عليهم- من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا- رغم ما بهم ورغم الشهداء الأبرار- يعيشون يوم العيد بفرحته وسروره وتبادل التهاني برغم الآلام التي كانوا يعانون منها، فلنصبر ولنحستب، ونكثر من الدعاء لإخواننا ولأهلهم ولأولادهم، أن يثبت الله القلوب وأن يربط عليها برباط الإيمان، والفرج قريب والأمل في ربِّ الكون عظيم، وحسبهم أن الله يرعاهم، وأنه سبحانه معهم يعوضهم على صبرهم، وسيجدون جزاءهم الموفور عند الذي يهب الجزاء، والذي قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 155).

 

وقد تعلمنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في يوم العيد يلبس أجمل ثيابه، وكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، وهذا مظهر من مظاهر الاحتفال التي يدعو الإسلام إليها ويُرغِّب فيها.

 

من المهم أن نذكر في يوم العيد أنفسنا بأن رمضان قد مضى وترك لنا من ورائه ميراثًا طيبًا وخلقًا فاضلاً وإرادةً ماضيةً وسعيًا مشكورًا، مضى وقد زوَّد النفس بشحنةٍ من النور الإيماني يمضي معها المؤمن وهو على نورٍ من ربه ونحن أحق الناس بهذا الزاد الطيب من قيامٍ لليل وقراءةٍ للقرآن وضبطٍ للنفس، وصبرٍ على المشاق، والحق أن نستمر بعد رمضان على ما كنا عليه وأن نواصل في هذا الدرب على هذا المنوال الذي تعلمنا من رمضان.

 

وكل عام وأنتم بخير، وتقبَّل الله منا ومنكم، ووفقنا لما يحب ويرضى.

---------

* من علماء الأزهر الشريف