اختتم السيناريست وحيد حامد والمخرج محمد ياسين أحداث مسلسل الجماعة عند الحلقة "28" دون استكمال بقية الحلقات التي كان من المقرر فيها تمثيل مشهد اغتيال الإمام البنا، الذي هزَّ مصر والعالم في شارع رمسيس أمام جمعية الشبان المسلمين؛ بيد أنه- على ما يبدو- فإن جهات سيادية وأمنية تدخلت بقوة لفضِّ هذا المشهد؛ حتى لا يحدث تعاطف مع الإمام وجماعته، وفضل وحيد حامد أن يُنهي الجزء الأول من العمل مبتورًا على أن يقدم للناس الحقيقة كما هي فترتد إليه تشوُّهاته التي أحدثها في جسم الجماعة من الناحية الإعلامية.

 

لم يترك وحيد حامد نقيصةًً إلا ونسبها للإمام الشهيد, فهو لصٌّ في مشهد سرقة الخزينة, وهو قاتلٌ ومحرِّضٌ على القتل عندما رسمه يجلب السلاح ويأمر ضمنيًّا الجهاز الخاص باغتيال القاضي أحمد الخازندار, وهو مرتبكٌ عندما يكلمه رئيس الوزراء أو رئيس الديوان الملكي في التليفون, وهو انتهازيٌّ وموالٍ للملك بكل الوسائل حتى تغاضيه عما أشيع عن لعب الملك للقمار وغرامياته النسائية, وهو ضعيف الشخصية يجر أذيال الخيبة كلما تحدث مع أحد المسئولين, وهو مصاب بلوثة وجنون عندما يضرب رأسه بشدة مرات كثيرة في المكتب الذي يجلس عليه بسبب صدور حل الجماعة, وهو صغير ومحتال و"عبيط" حين يذهب لعبد الرحمن عمار وكيل الداخلية ليرجوه أن تعود الوزارة في قرار حل الجماعة ثم يبكي أمامه متوسلاً كالأطفال, وهو كذَّاب عندما يؤكد لمن حوله من المسئولين وأفراد الجماعة أنه أخطأ في العمل بالسياسة، وأنه قد وعى الدرس ولن يعمل أبدًا في السياسة، والكثير والكثير من المغالطات والافتراءات والسموم التي بثها وحيد حامد في هذا المسلسل الذي لم يخدم وجهة النظر الحكومية والأمنية فقط، بل كان بامتياز في خدمة المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة حين يطعن الجماعة الأم التي تقف في مواجهة هذا المشروع.

 

وتغافل عن عمد مع سبق الإصرار والترصُّد عن دور الإخوان المسلمين الجهادي في فلسطين المحتلة منذ ثلاثينيات القرن الماضي, وحين نسي أو تناسى أن النظام الخاص الذي أنشأه الإمام البنا كان هدفه الرئيسي طرد الاحتلال الإنجليزي من مصر ومقاومة العدو الصهيوني في فلسطين, ونسي وتغافل دور النقراشي في اعتقال المجاهدين من جبهة القتال في فلسطين وإعادتهم إلى بلادهم مكبَّلين في الأغلال وإلى المعتقلات وليس لساحات الشرف والتكريم.

 

وكذب وحيد حامد على المشاهدين بغرض تشويه الصورة، ولكن بخصومة ألدّ للإخوان وإمامهم، حين زعم أن القنبلة التي كانت معدة لنسف محكمة الاسئنناف قد قتلت 25 فردًا من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب الذين سالت دماؤهم خارج المحكمة؛ حيث أكدت التحقيقات والشواهد التاريخية الموثقة أن انفجار القنبلة خارج المحكمة لم يؤدِّ إلى أية إصابات.

 

وشوَّه وحيد حامد الحقائق حين ركز في الحلقتين الأخيرتين على مشاهد قتل النقراشي ونسف محلات وحارة اليهود، ونسف محكمة الاستئناف، ليعطي إيحاءً للمشاهد بأن الجماعة تاريخها عنيف ومليء بالقتل والدمار والدماء.

 

لم يتحدث قط عن الصورة المضيئة لجماعة الإخوان وإمامهم؛ حيث غيَّرت وجه التاريخ والبشرية جمعاء بنور الإسلام والقرآن من جديد ونشرت الفكرة الإسلامية في أكثر من 80 دولةًً حول العالم ودافعت عن كل الأقليات الإسلامية في العالم وبثَّت روح الجهاد وقدمت المجاهدين في كل أرض إسلامية محتلة، وخاصةً على أرض فلسطين وقدمت الإسلام في شكل سهل وبسيط وعميق وشمولي ووسطي في أرجاء الدنيا ووضعت حلولاً إسلامية لكل المشكلات في المجتمعات الإسلامية وقادت الصحوة الإسلامية ككبرى الجماعات الإسلامية في العصر الحديث.

 

نحن لم نحلم أن يقدم وحيد حامد عملاً منصفًا للإخوان وإمامهم ولا التليفزيون المصري وحكومته الفاسدة سيقدمان عملاً فيه 5% من الإنصاف, لكن المدهش في هذا الأمر ليّ ذراع الحقيقة، وإضافة مشاهد في السيناريو مختلقة وكاذبة في عمل هو في الأصل  تاريخي.

 

وأذكر أن السيد وحيد حامد قد أدلى بأول حديث صحفي حول المسلسل لمجدي الجلاد رئيس تحرير "المصري اليوم" في يوم 29/5/2009م, حين سئل، هل ستقدم المسلسل من وجهة نظرك أم من وجهة النظر التاريخية؟، فرد قائلاً:  لن أقدم مجرد رأي أو عمل تاريخي فقط؛ لأن الحقيقة دائمًا هي التي تحكم أداء المبدع وتغير قناعاته إذا ما كانت خاطئة؛ لأنه لا يجوز للمبدع أن يقوم بـ"لي ذراع" الحقيقة ليحقق أغراضه، اللهم إلا إذا كان مأجورًا، ولكنني كاتب حر، وانتمائي الحقيقي يكون للناس وليس للنظام أو لجماعة أو حتى لمؤسسة
وعندما سأله رئيس التحرير بصراحة: هل نستطيع القول إنك على خصومة تاريخية مع الجماعة؟! رد قائلاً: أنا لا أنكر أنني أختلف مع الإخوان ولي أسبابي، ولكن ليست لديَّ خصومة مع أحد، وبصراحة هم الذين لديهم خصومة مع كل من يختلف معهم، ومن الأشياء التي أرفضها جزء من عقيدتهم، فقد قال البنا في إحدى رسائله: "نحب أن نصارح الناس بغايتنا ونجلي أمامهم مناهجنا، وأن نوجه إليهم دعوتنا من غير لبس أو غموض.. أضوأ من الشمس.. وأوضح من فلق الصبح.. وأبين من غمرة النهار.. والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا بالإيمان بهذا المبدأ.. أنه عندهم إيمان مخدَّر في نفوسهم، على حين أنه إيمان مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين.. نحن نفهم الإسلام فهمًا فسيحًا واسعًا ينظم شئون الدنيا والآخرة.. وليس مقصورًا على دروب من العبادات أو أوضاع من الروحانية".

 

فهذه الكلمات تعني أن البنا أخذ الإسلام لنفسه، وأكد أن المسلم الحقيقي هو من ينضم للإخوان، بينما بقية المسلمين إسلامهم مخدَّر، وهذه مسألة لا أقبل بها على الإطلاق.

 

وسئل: إذا تمَّ فتح مجال للتحاور مع الجماعة قبل أن يظهر العمل للنور، ستقبل أم سترفض؟ فأجاب: بالطبع سأرفض أن أتقابل معهم أو مع خصومهم؛ لأنني كاتب محايد، ولا أعرف لماذا يتوقعون مني الشر، رغم أنه ضد الإسلام، وأنا لا أظلم أحدًا.

 

وسئل: برأيك إذا أجريت انتخابات نزيهة في مصر.. هل من الممكن أن يصل الرأي العام بالجماعة إلى الحكم؟! فأجاب: الانتخابات الحرة النزيهة تمامًا صعب جدًّا أن تكون في مصر حاليًّا، ولن تحدث، وهذا ليس شكًّا في النظام، ولكن الناخب نفسه مشوش ويحمل على كاهله تراثًا من فساد الانتخابات لا يمكن رميه بالساهل، ولذلك لا بد أن نربي الناخب أولاً ليعرف الصح من الخطأ، وإذا كان الحزب الوطني يقدم رشى، فالإخوان فعلوها، ولكن الفارق أن الوطني يقدم الرشوة باعتبارها رشوة، أما الإخوان فيعتبرونها صدقةً وإعانةً، ولكن المعنى واحد.

 

هذه مقتطفات من حديث رجل تدل على تخندقه تجاه الجماعة وإمامها المرشد, فلأول مرة يرفض سيناريست مشهور الجلوس مع من يكتب عنهم أو مع أسرة الإمام الشهيد؛ لمجرد حتى معرفتهم عن قرب وليس شرطًا لتبني رؤيتهم, وهو يرى بفكره الثاقب حديث الإمام البنا أن الإيمان مخدر في نفوس المجتمع خروجًا على العقيدة وصحيح الدين، وأن الإمام يملك إسلامًا غير إسلام المجتمع، ويصف نشاط الجماعة المجتمعي بأنه رشوة سياسية كما يفعل الحزب الوطني.

 

غير أن السيد وحيد سقط سقطةً عميقةً ومدويةً في آخر حديث صحفي أدلى به قبل انتهاء المسلسل مباشرة حين وجَّه إليه سؤالاً بأنه كان سببًا في دخول الجماعة كل بيت في مصر وأن المسلسل كان في صالح الجماعة, فردَّ مذعورًا كاشفًا عن وجهه الحقيقي وتخليه عن حياده المصطنع: أرفض ذلك بشدة، فالمسلسل لم يكن قط في صالح الجماعة ولم يؤد إلى انتشارها.

 

لم يكتب أحد بهذه البشاعة عن الإمام الشهيد حسن البنا الملهم الموهوب أستاذ الجيل كما قال المرشد السابق الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله, وأرى ذلك طعنًا في الإمام في حياته ومماته, ولكن هيهات!!, فالويل والثبور لكل من ينال من عباد الله وأوليائه الصالحين "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب".