كنت قد تمنيت أن يطَّلع الناس على رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، ومنهج الإخوان في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتربية جماعة من أصحاب الهمم العالية والإيمان العميق والأخلاق الطيبة، يعملون بروح الفريق، ويلتزمون بمبدأ التكافل والأخوَّة؛ لتحقيق ذلك.

 

تمنَّيت ذلك حتى لا يظل هذا المنهج يبسًا في عقول الإخوان فحسب, ولكن يبدو أن مسلسل (الجماعة) قد حقَّق ما تمنَّيته، ودفع بالكثيرين إلى الإقبال على شراء وقراءة (رسائل البنا) وكتب الإخوان؛ لما شاهدوه من تحامل على الإخوان، وكان إبراز ضباط أمن الدولة في صورة الحمل الوديع منذ البداية قد أفقده المصداقية، وأفقد مؤلفه الحيادية والموضوعية، وبدا كما يقول الشاعر:

 

كناطح صخرة يريد أن يوهنها           فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

 

فالرسالة السلبية التي أراد المؤلف توصيلها إلى المجتمع عن الإخوان هي وصمهم بالعنف وترديد مقولات تستهدف قطع صلة الإسلام بالسياسة، وشئون الحكم، فهو مع من يرى أن الإسلام دين شعائر عبادية فحسب، وليس منهجًا وتشريعًا راقيًا في الاجتماع والسياسة والقانون والاقتصاد، والحث على العلم والعمل، فهو منهج شامل لتنظيم حياة البشر، ومقولة لا علاقة للدين بالسياسة مقولةٌ نابعةٌ من رؤية علمانية تدعو إلى عزل الدين عن الحياة، وتعتبر الدين في خصومةٍ مع الفن والسياسة، والعلم والحريات، والحقيقة أن الإسلام ليس في خصومة مع هؤلاء، وإنما هو ضد كل ما يمنع تحقيق العدل، وضد من تحكمهم الأهواء والشهوات، سواءٌ كان ذلك في السياسة أو الفن أو غيرهما، وهذا من منهج الإسلام وشريعته، وأيضًا هي رؤية الإخوان ورسالتهم؛ وذلك ما جاء به القرآن الكريم، وعلَّمه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وعلى الرغم من غزارة ما كُتب عن شخصية الإمام وتاريخ الإخوان ومناهجهم في التربية والدعوة، وأبحاثهم في السياسة والحكم والاقتصاد والاجتماع، وهو رصيدٌ فكريٌّ ضخمٌ، نال إعجاب الخصوم قبل الأصدقاء، على الرغم من ذلك فقد أخفق المؤلف في رسم شخصيات تقنعنا بواقعيتها أو تقترب من الحقيقة، فالشخصية في العمل الفني الناجح ترتبط بمدى قدرة الكاتب على التأثير والإقناع، ولكن المؤلف في هذا المسلسل قدَّم لنا شخصيات كرتونية غير واقعية، لا تتساوق مع الشخصيات الحقيقة التي يعرفها الكثيرون من الذين عاصروها في الماضي والحاضر.

 

والشخصية التاريخية على وجه الخصوص مقيَّدة لا يملك الكاتب صناعتها، ولكن عليه دراستها وتغطية جميع جوانبها الخفية والظاهرة بموضوعية وحيادية، ولكن المؤلف تعامل مع نصوص مصادره بالتحوير والتدوير والحذف والاقتطاع من السياق، أو الإيحاء بما يخرجه عن حقيقته؛ وذلك للتعبير عن صورة ذهنية أملتها عليه قناعته الفكرية ورؤيته المسبقة، دون أن يقترب منها ويعرفها عن كثب, وتعامل مع الأحداث التاريخية بسطحية شديدة، واختزلها في حدث واحد يدور محوره حول العنف، فبدا هذا العمل مشوَّهًا مغرضًا، يستهدف النيل من الإخوان، وليس عملاً فنيًّا يصوِّر فترةًَ مهمةً من تاريخ مصر، وجماعة صاحبة مشروع فكري حضاري يأتي بعد سقوط الخلافة، ثم قيام الاحتلال ووزرائه بتغريب القوانين وعلمنة الدولة التي تحوَّلت مصر بعدها إلى جنة خضراء، ترفرف العدالة في سمائها، ويعمُّ الأمن في ربوعها إلى يومنا هذا.

 

فالمشكلة هي بين مشروعين: مشروع يسعى إلى التخلص من سيادة الشريعة على القوانين، وآخر يعتقد أن بها تستقيم حياة البشر، وقد أخفق المؤلف حين حاول أن يلقي بظلاله على البعد الاجتماعي لشخصية الإمام البنا، فعلى سبيل المثال فسَّر سلوكه طفلاً وصبيًّا يميل إلى العنف وقسوة القلب، وهو ما يتناقض مع طبيعة نشأته في أسرة متدينة مستقرة، وأب عالم بالدين عاكف على فهم القرآن وتفسيره، مهتمًّا بما يحدث للمسلمين من احتلال، وعلاقة ذلك بالسياسة، بينما أغفل ما عُرف عن البنا بأنه كان ودودًا عطوفًا بارًّا بوالديه وإخوته.

 

كما يبدو من رسائله لأسرته، وكيف بإنسان عُرف بالورع والتدين ودماثة الخلق وهدوء الطبع، ونال من الوقار والاحترام من خصومه قبل أصدقائه، يبدو في المسلسل حادّ المزاج عصبي الطبع مهزوز الشخصية متردد أحيانًا، يستخدم ذكاءه في تشكيل تنظيم سري، ليس من أجل جهاد الإنجليز، ولكن من أجل تصفية الخصوم، وأن عملياته ضد الإنجليز لم تكن بدافع الجهاد ضد المحتلين؛ ولكن لصرف الانتباه عما قاموا به من اغتيالات، ولم يذكر أن ذلك تمَّ دون علمه وأوحى إلى المشاهد بأن الإخوان وراء كل حوادث العنف آنذاك، بالرغم من ذكره في المسلسل عن وجود تنظيمات مسلحة أخرى، وتغافل دور اليهود في إشعال الحرائق، وأوحى بأنها من تدبير الإخوان، وتجاهل جهاد الإخوان في فلسطين، وتخليص عبد الناصر من حصار اليهود له ولفرقته بالفالوجا، كما أوحى إلى القارئ أنهم وراء اغتيال أحمد ماهر وأمين عثمان، والمعروف أن قاتل الأخير هو السادات مع مجموعة بعيدة عن الإخوان المسلمين.

 

ومن مغالطاته أنه ألقى في روع المتلقِّي الرهبة عند عرضه لمشهد البيعة بإظلام المكان وإنارة الشموع على شاكلة ما تفعل الجمعيات السرية لمحافل الماسون، ولم أعلم أو أشاهد مثل ذلك في حياتي، وإن كانت هناك مبايعة تمَّت مع البعض في الماضي، فليس بتلك الكيفية، ومكروه شرعًا وضع المسدس فوق المصحف، وإنارة الشموع، وهي طقوس لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة.

 

تمنيت أن يقرأ المؤلف رسائل الإمام بعناية وحيادية، ومنها أركان البيعة التي شرحها العديد من المتخصصين؛ ليعلم أن أول أركانها الالتزام بفهم الإسلام وأصوله العشرين، التي تبيِّن شمولية المنهج الإسلامي، وحرصًا من الإمام الشهيد على وحدة فهم الإسلام ووضع ضوابط؛ لتجنب القضايا الخلافية بين المسلمين، وجمعهم على كلمة سواء، وتمنيت أيضًا أن يعلم أن الطاعة تعني طاعة الله عزَّ وجلَّ وأن الدعوة ليس هي دعوة الإخوان، ولكنهم وسيلة تعين الناس على طاعة الله وتعزيز منهج الله في قلوب المسلمين بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وتربيتهم على الالتزام به، وإرشاد المجتمع والحكومات، وكذلك الأمر في باقي الأركان، فالتجرُّد والإخلاص وغيرهما من الأركان لله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كان الأمر غير ذلك لانصرف الناس عن الإخوان.. فما رسالتك أنت؟

------------
* أستاذة الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر.