يرى وحيد حامد جماعة الإخوان المسلمين بل كل المتدينين من خلال نظارة سوداء قاتمة يضعها على عينيه.

 

وهو لهذا لا يرى سوى القبح والسوء، كما لا يرى لهؤلاء الناس حقًّا في الوجود؛ لأنهم في نظره كما جاء في حلقات مسلسله الميمون متعصبون لا يعرفون السماحة، متشددون يتخذون العنف منهجًا وطريقًا، يكرهون الأقباط والمرأة، ولا يعرفون شيئًا عن المواطنة يعتبرون أنفسهم مسلمين، وما عداهم غير مسلمين، مستعلون على الآخرين، يُخفون ما لا يبطنون، انتهازيون، يتاجرون بالدين ويخلطونه بالسياسة، ويتعاونون مع الشيطان في سبيل مصلحتهم، ويستغلون حاجة الناس وفقرهم في تحقيق مصالحهم الشخصية، يبيحون الكذب، ويسرقون أموال الزكاة؛ ليوزعوها على أنفسهم، أما شباب الإخوان فهم تافهون سطحيون يتحدثون الفصحى، مثل كفار قريش في الأفلام السينمائية.

 

يتعامل وحيد مع الإخوان بمبدأ إن رأيت حسنة كتمتها، وإن رأيت سيئة أذعتها، فهو لا يعترف بحقوق الإنسان مع هذه الجماعة؛ ولذا أغلق عينه تمامًا عما وقع قديمًا وحديثًا، وإذا قلنا إنه يجهل ما وقع للإخوان منذ أربعينيات القرن الماضي من انتهاكات يشيب لها الولدان، فلا نعتقد أنه يجهل ما وقع لهم على أيدي أولياء نعمته، ومدعِّمي مسلسله منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي وحتى هذه الساعة.

 

اعتقالات بالآلاف، و7 محاكمات عسكرية، وقتل 4 أعضاء من الجماعة:

إنه بعد مقتل السادات وخروج مرشد الإخوان الثالث عمر التلمساني من السجن اتجهت الجماعة نحو العمل العام مثل: البرلمان، النقابات، نوادي التدريس، العمل الطلابي؛ من أجل التغيير عن طريق النضال الدستوري.

 

وقد تقدَّمت الجماعة أكثر من مرة بطلب لإنشاء حزب وشركات صحافة تستخدمها في عملها السياسي، لكن الحكومات المتتالية ما زالت ترفض حتى كتابة هذه السطور، رغم ما تمنحه لغير الإخوان، ممن لا يتمتعون بأي ثقل شعبي أو قيمة سياسية، وقد خاض الإخوان الانتخابات النيابية في أعوام 1984م، 1987م، 1995م، 2000م، 2002م، 2005م، وفي مجلس الشورى عام 1989م نجح نوابهم، رغم التضييق الشديد والاحتكاكات من جانب السلطة، حتى وصل عدد نوابهم في آخر انتخابات ديسمبر 2005م ، 88 نائبًا، ولقد نجح الإخوان في غالبية النقابات المهنية، ونوادي التدريس، والجمعيات الأهلية، والانتخابات الطلابية بصورة لافتة، وهو ما جعل النظام الحالي متوجسًا منهم طوال الوقت، فعمل بشتَّى الطرق لمنع الإخوان من ممارسة العمل السياسي بسنِّ القوانين، وإطلاق يد الأمن في كل شيء، واعتقال أعضاء الجماعة، ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم وتلفيق التهم إليهم:

 

1- اعتقالات بالآلاف: إنه منذ عام 1983م لم تخل سجون مصر ومعتقلاتها من الإخوان، ولقد استغل النظام مناسبات بعينها، فكان يعتقل في المناسبة الواحدة الآلاف من أعضاء الجماعة، ففي انتخابات 1987م اعتقل أكثر من 2500 عضو، وأثناء مظاهرات الإصلاح 2006م تخطَّى العدد الـ3000 أخ، وفي غير المناسبات أيضًا كانت وما زالت هناك اعتقالات واقتحامات وانتهاكات بشكل يومي، وغنيٌّ عن البيان ما يتم إثر اعتقال الأعضاء من تعذيب وتجاوزات، وغنيٌّ عن البيان أيضًا ما يتم من التضييق على أعضاء الجماعة في معايشهم ومشاريعهم الاقتصادية، وتعمُّد تعطيلها، وإثارة الشبهات حولها.

 

2- مقتل 4 من الجماعة: وقد اغتال النظام منذ مجيئه اثنين من الإخوان داخل السجون، وقُتِلَ أخ ثالث؛ بسبب قنبلة ألقيت عليه، ومات أخ رابع في إحدى سيارات الترحيلات، بعدما تعمدوا عدم إسعافه.. غير كثيرين ماتوا موتًا بطيئًا بعد خروجهم من المعتقلات؛ بسبب التعذيب والإهمال والحالة السيئة التي عليها السجون.

 

ففي 8 نوفمبر 1981م قُتل كمال السنانيري أحد قادة الإخوان بعد تعرضه لتعذيب بشع بأوامر وزير الداخلية وقتها حسن أبو باشا، لقد شنقوه وادعوا انتحاره، وشهد العشرات أن هذه الجريمة الدنيئة خَطَّط لها النظام ونفذتها ثلة من المجرمين الذين لا ضمير لهم بسبب مواقف الشهيد الجريئة ضد الاستبداد والظلم.

 

وفي يوم 3/11/2003م مات تحت التعذيب مسعد قطب من إخوان الجيزة؛ حيث تم اعتقاله بمقر أمن الدولة بالجيزة (جابر بن حيان) يوم 31/10/2003م وقاموا باستجوابه عدة مرات، ومارسوا ضده أشكالاً متنوعة من التعذيب، ورغم إثبات النيابة وقوع تعذيب شديد على الشهيد إلا أن أحدًا من المجرمين الذين اغتالوه لم يُقَدَّم إلى المحاكمة.

 

وفي يوم 9 / يونيو 2004م فاضت روح المهندس أكرم زهيري، كان ضمن 58 معتقلاً من الإخوان من رجال الأعمال والأثرياء؛ حيث صادرت سلطات الأمن أكثر من 4 ملايين جنيه من بيوتهم وشركائهم، إضافة إلى كميات كبيرة من الذهب، وقد تعرضوا للعنت الشديد أثناء اعتقالهم، ونقل بعضهم من السجن إلى مقرات أمن الدولة؛ للتنكيل بهم، وكان أكرم زهيري مريضًا بالسكر، فمنعوا عنه العلاج فساءت حالته، وقد حذَّر إخوانه ومحاموه من تطور حالته لكن المسئولين زادوا في إهمالهم له، وأصروا على حضوره جلسات العرض على النيابة وهو محمول على أيدي إخوانه حتى سقط منهم ميتًا يشكو إلى ربه ما فعله المجرمون.

 

وفي 6 / 5 / 2005م قامت قوات أمن الدقهلية بقتل طارق غنام بمدينة طلخا، بإلقاء قنبلة مسيلة للدموع عليه ضمن أعداد من الإخوان تظاهروا في أحد المساجد من أجل القضية الفلسطينية.

 

3- سبع محاكمات عسكرية: ولقد عقد النظام لأفراد الجماعة- حتى كتابة هذه السطور- سبع محاكمات عسكرية رغم اعتراض الجميع عليها؛ لمخالفتها القانون، وفي الوقت الذي يحاكم فيه الإخوان بتهم باطلة أمام قضاء عسكري كان الجواسيس لحساب إسرائيل يحاكمون أمام القضاء العادي.

 

أما القضايا التي أحيل فيها الإخوان إلى المحاكم العسكرية فهي:

1- القضية 8/95 بتاريخ 23/11/1995م، 49 متهمًا، تم الحكم فيها بسجن 34، وبراءة 15، وتراوحت عقوبة السجن من 3: 5 سنوات.

 

2- القضية 11/95 بتاريخ 23/11/1995م، 33 متهمًا، تم الحكم فيها بسجن 20، وبراءة 12، وتراوحت عقوبة السجن من 3: 5 سنوات.

 

3- القضية 13/95، بتاريخ 30/11/1995م 3 متهمين، تم الحكم بسجن اثنين منهم، وبراءة واحد، (عقوبة السجن: 15 عامًا).

 

4- القضية 5/96 بتاريخ 14/8/1996م 13 متهمًا، تم الحكم فيها بسجن 8، وبراءة 5، (عقوبة السجن من سنة : 3 سنوات).

 

5- القضية 18/99 بتاريخ 9/11/2000م، 20 متهمًا، تم الحكم فيها بسجن 15، وبراءة 5، (عقوبة السجن من 2: 5 سنوات).

 

6- القضية 29/2001 بتاريخ 7/4/2002م، 12 متهمًا، تم الحكم فيها بسجن 15، وبراءة 7، (عقوبة السجن من 3: 5 سنوات).

 

7- القضية 963/2006 حصر أمن دولة عليا 40 متهمًا، تم الحكم فيها بسجن 25 أخًا بمدد تتراوح بين 3 : 10 سنوات، وتبرئة الباقين.

 

وحيد الديمقراطي:

لم يتحدث وحيد الديمقراطي في مسلسله عن تزوير الانتخابات، ولا عن التوريث، ولا عن بيع الغاز لإسرائيل، ولا عن التواطؤ مع الصهاينة؛ للقضاء على المقاومة الفلسطينية، ولا عن الفساد الذي وصل للركب، ولا عن البطالة والعنوسة والأوبئة وغيرها، لم يتحدث وحيد في مسلسله عن كلِّ هذا، وإنما كال التهم للإخوان، وأظهرهم بمظهر الخونة الخارجين على الأعراف والقوانين.

 

كما لم يتحدث وحيد عن دور الإخوان في استعادة هوية الأمة وفي حمايتها من الإباحة والتشدد والعنف، وفي ترسيخ المفهوم الوسطى للإسلام، ولم يتحدث عن دورهم في تقديم نماذج من الجيل المسلم الوطني، وعن دورهم في الارتقاء بالعمل النقابي، وفي الإصلاح، وفي الممارسات السياسية الرائعة، وفي إحياء روح المقاومة السلمية وغير السلمية ضد المستبدين والمحتلين.

 

يقول الباحث القبطي د. رفيق حبيب: لقد أصبحت الجماعة بنيةً قويةً داخل بنية المجتمع، ولا يمكن بالتالي فصلها عن المجتمع أو عزلها عنه، ولا يمكن انتزاعها، فلم تعد الجماعة نموذجًا يقدم للمجتمع بل أصبحت نموذجًا لمشروع بُني داخل المجتمع، لقد وفَّر الانتشار والشعبية التي تحققت لجماعة الإخوان محمية اجتماعية مترامية الأطراف تحفظ الجماعة وتحتضنها وتحافظ عليها، بحيث أصبحت قادرة على الاستمرار بما توافر لها من دعم من جماهير الأمة.

 

يصور وحيد حامد البنا وجماعته في حلقات المسلسل الثماني والعشرين كأنهم مجموعة من الدراويش يجتمعون في مكان بائس ذي أضواء خافتة، وتدور بينهم حوارات سطحية تافهة، ليس لهم أهل أو أزواج أو أولاد، ويبدو زعيمهم البنا شخصًا خفيفًا ضحل الفكر.. وما درى هذا المسكين أن هيئة الإخوان المسلمين عند حلها كانت تضم:

 

1- المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة.

 

2- أكثر من 2000 ألفي شعبة في أنحاء القاهرة والأقاليم.

 

3- ما يقارب هذا العدد من جمعيات البر والخدمة الاجتماعية في أنحاء القطر وبالكثير منها مستوصفات ومدارس ونواد رياضية.

 

4- جيش من الفدائيين يحارب في فلسطين، وكان في تلك الفترة يحمي مؤخرة الجيش المصري، وكان القائد العام للجيش المصري بفلسطين يطالب الحكومة المصرية في نفس تلك الفترة بالإنعام بأوسمة البطولة ونياشينها على ضباط هذا الجيش الفدائي وجنوده لما أظهروا من بطولات فاقت كل تقدير، ولما قاموا من خدمات للجيش المصري لا يستطيعها غيرهم.

 

5- شركة دار الإخوان للصحافة شركة مساهمة مصرية، مركزها القاهرة، وتصدر جريدة يومية ومجلة أسبوعية عدا مجلتين شهريتين.

 

6- شركة دار الإخوان للطباعة، شركة مساهمة مصرية مقرُّها القاهرة.

 

7- دار الطباعة والنشر الإسلامية بالقاهرة، وهي تصدر سيلاً من الكتب الإسلامية القيمة والرسائل النافعة.

 

8- شركة المناجم والمحاجر العربية شركة تضامن، ومنضم إليها شركة المعاملات الإسلامية بالقاهرة.

 

9- شركة الإخوان للنسيج بشبرا.

 

10- شركة الإعلانات العربية بالقاهرة.

 

11- شركة الإخوان للتجارة بميت غمر.

 

12- شركة لإصلاح الأراضي بنجح حمادي، وغير ذلك من المؤسسات.

 

شباب الإخوان في نظر إحسان عبد القدوس:

ونقتطف هنا فقرة للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، نشرها في تحقيق له بمجلة (روز اليوسف) 13 سبتمبر 1945م يصف فيها شباب الإخوان وقتها، نُهْدِيهَا لوحيد؛ ليتعلم أصول المهنة وعلى رأسها الصدق، وليعلم أن شباب الإخوان هم أنضج وأصلح شباب الأمة، أما الذين حضَّرهم في مشاهد مسلسله فلا يزيدون على كونهم كائنات مضحكة موجودين في مخيلته، يقول عبد القدوس:

 

"وهم مع كل ذلك شباب (مودرن) لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم، ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعون بها بين مرافقها، ويناقشون مشكلاتها، ويحسون بأفراحها وأحزانها، وقد تسمع فيهم مَن ينكت ومَن يحدثك في الاقتصاد والقانون والهندسة والطب".

 

ماذا قدم البنا؟

إن العشرين عامًا التي قضاها مرشد للجماعة منذ تأسيسها عام 1928م وحتى وفاته فبراير 1949م حفلت بأعظم الأعمال لمصر والعالم الإسلامي، وهي الفترة التي اختزلها وحيد حامد في مشاهد تحض على البغض والكراهية، وتُظْهر الإخوان كأنهم يعوقون التقدم، ويرجعون بالناس القهقري، ويقفون ضد الحريات، ويجمدون الحياة، ويعادون غير المسلمين، ويريدون أن يعلنوا الحرب على العالم كله.

 

لقد أعلن البنا في الناس أن الإسلام نظام اجتماعي كامل، فهو ليس دينًا فقط بالمعنى الذي قرَّرته النظم الأوروبية في الأذهان مقتصر على المعابد والصوامع والخلوات، ولكنه دين ودولة، ونظام كامل للحياة يتناول كل شيء في المجتمع المؤمنين به والمعتقدين له.. فتنبهت لذلك مشاعر الناس واستنارت أذهانهم، وانطلق بهذه الدعوة بعد ذلك كل كاتب وكل إنسان.

 

وأنشأت دعوة الإخوان جيلاً جديدًا من الناس يعيش بفكرة، ويعمل لغاية، ويكافح في سبيل عقيدته، ويعطي ولا يأخذ، ويؤمن بالله واليوم الآخر، ويتمسك بالفضيلة ومكارم الأخلاق، يؤثر البذل والتضحية في سبيل الله وابتغاء مرضاته، ويعزف عن الدنيا وشهواتها ومطامعها الزائلة.

 

وكانت دعوة الإخوان وحدة جامعة للعناصر الحية العاملة المخلصة في كلِّ بلاد العروبة ومواطن الإسلام، وكانت هيئة الاتصال بين الهيئات والجامعات الإسلامية، وقد ساهمت الجماعة في كل الحركات التحريرية للبلاد العربية والإسلامية، فضلاً عن تنبيهها الأذهان إلى حقوق الأقليات الإسلامية في مختلف الأوطان، فكانت بذلك وحدة جامعة بين المسلمين أينما كانوا، أساسها وحدة الألم والأمل، ولحمتها العمل والإيمان.

 

الدعوة باقية ووحيد ذاهب:

وإذا كان وحيد حامد قد فعل ما فعل ظانًّا أنه قد نجح في شيء، فإننا نؤكد أنه كناطح صخر، إنه ليس أول من يشوه الإخوان، ولن يكون آخرهم، ولقد شهدت الأيام أن الدعوة باقية صامدة ممتدة، يزداد معتنقوها ومحبوها يوما بعد يوم، في حين أُلقى في مزيلة التاريخ كل من تطاول عليها أو حاول استئصالها.

 

يقول الدكتور محمد حبيب (المصري اليوم: 23/8/2010م) معقبًا على أحداث المسلسل:
"إن رصيد هذه الدعوة في قلب وذاكرة ووعي الأمة هو رصيد عظيم، تمامًا كالجبل الراسخ، لا يمكن أن ينال منه معول أيًّا كان حجمه ووزنه، وأيًّا كانت شراسته وضراوته.. صحيح هناك قطاع من الناس سوف يتأثر، لكن الغالبية من الناس لديها حس سياسي، وذكاء اجتماعي، يستطيع أن يميز بين ما هو صالح وطالح.. وفي تصوري أن هذا المسلسل سوف يضيف إلى رصيد الجماعة ولا يخصم منه".

 

لقد قطع هذا المسلسل السبيل على ما يصف الجماعة بـ(المحظورة)، وصارت الجماعة بغضِّ النظر عما يُقال في شأنها متابعة من الأمة كلها.. سوف تكون هناك برامج حوارية على مستوى كثير من القنوات الفضائية، وسوف يدعى إليها بطبيعة الحال الإخوان المسلمون".