الإخوان والسياسة:

من التهم القديمة الجديدة التي توجَّه إلى الإخوان أنهم سيَّسوا الدين، أي خلطوا الدين بالسياسة، وقد حذَّرهم أحد الحكام يومًا فقال: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.

 

والمؤكد أن الذي سيَّس الدين هو الله، شارع الدين، ومصدر الأحكام، فالإسلام منهاج شامل للدين والدنيا، للعقيدة والشريعة، والحضارة والأخلاق.

 

يقول الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق: "والدعوة إلى إبعاد الإسلام بالعلمانية عن سياسة الدولة وشئون العمران هو قطع لإحدى ساقيه، وتعطيل لإحدى رئتيه، وكفران ببعض آيات كتابه، ينتقص من كمال واكتمال الإيمان بهذا الإسلام، وإذا كانت العلمانية في نشأتها الغربية قد جاءت كرد فعل للتجاوز الكنسي، وتحكم الكهانة، وتحكم طبقة الكهان.. فإنها بذلك تكون حلاًّ غربيًّا لمشكلة غربية، وهذه المشكلة -الكهانة والكهنوت ووجود طبقة لرجال الدين واحتكار هذه الطبقة لشئون الحكم- هي مشكلة لم تعرفها الحضارة الإسلامية، ولا تاريخ المسلمين؛ لأن الإسلام يرفض ذلك كله من الأساس.

 

لقد أقام المسلمون دولة الإسلام إنجازًا بشريًّا مدنيًّا، مرجعيته الشريعة الإلهية، فأقاموا بذلك الدين، وساسوا به الدولة بل وكل مناحي العمران، فعرفت الإنسانية حضارة أبدعها البشر لكنها مصطبغة بصبغة الإسلام، فكل عمرانها المدني من علوم وآداب وفنون وكل تطبيقات لها إنما تتغيَّا تحقيق السعادة الأخروية بواسطة هذا الإبداع في هذه الحياة الدنيا.

 

وعلى نفس الدرب وبذات المنهاج استمرت دولة الخلافة الراشدة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، يسوسها أولو الأمر بالاجتهاد البشري المحكوم بمرجعية الدين.. طاعتهم مشروعة بطاعة الله ورسوله، فإن تخلَّفت طاعتهم لله ورسوله وخرقوا إطار حاكمية الشريعة سقطت تلقائيًّا وفورًا فريضة طاعتهم عن المحكومين، يقررون هم ذلك في إعلان ولايتهم قبل أن تعلنه الرعية، فيخطب الصديق أبو بكر رضي الله عنه عقب بيعته فيقول: "وُليتُ عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

 

إذا طبيعة الدين الإسلامي نفسه لم تفرق بين الدين والسياسة، وتَعَرُّض الإخوان للسياسة سواء كانت من حيث المطالبة بحرية البلاد وحقوقها أم وجوب الأخذ بنظم الإسلام الحنيف في أوضاعها الاجتماعية على اختلافها تعرض مستمدٌ من الإسلام نفسه، ومعتمد عليه وهو جزء من أجزاء هذا الدين لا انحراف عنه.

 

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن شمولية الإسلام ليست ابتداع الإخوان، بل هي ما قرره القرآن والسنة، وأجمعت عليه الأمة، وتأسست عليها ثقافة وحضارة، وامتد به تاريخ وتراث.

 

وكل المصلحين الكبار الذين سطعت نجومهم في آفاق الأمة وحاولوا النهوض بها في العصر الحديث كلهم أدخلوا السياسة في الدين والدين في السياسة، محمد عبد الوهاب، والسنوسي، والمهدي، والأمير عبد القادر، والأفغاني، والكواكبي، ومحمد عبده، ورشيد رضا, وابن باديس وغيرهم، كلهم نظروا إلى الإسلام تلك النظرة الشاملة التي لا تفرِّق بين دين وسياسة، فهم جميعًا مشتركون في تسييس الدين.

 

فليس حسن البنا بدعًا في المصلحين، ولا دعوته بدعًا في دعوات الإصلاح والتجديد.

 

والملتزمون بالإسلام شأنهم شأن سائر المواطنين من حقِّهم أن يمارسوا السياسة وفق معتقداتهم ومفاهيمهم، ولا يجوز أن يحرموا منها لمجرد أنهم متدينون.

 

والإخوان لم يعلموا يومًا من الأيام على أساس المناورات الحزبية أو المغانم السياسية، ولكنهم عملوا بروح الوطنيين المجردين الذين ينظرون إلى المسائل من حيث نفعها للوطن أو مساسها بمصلحته، وإن كانت طبيعة الحزبية السياسية لم تعفهم من مظاهر الخلاف والخصام، ولكنهم مع ذلك لم يخرجوا عن حدود الدفاع المهذب، وتمنِّي الخير للجميع، والترحيب بالوحدة والجماعة والدعوة إليها في كلِّ حدث من الأحداث.

 

أما السياسة التي يدعو إليها الإخوان فهي سياسة القوة والصراحة والطهر والشرف والكرامة، سياسة لا تجامل في الحق ولا تتهاون في العدل ولا تخشى في الله لومة لائم، سياسة يحكمها دستور مُنَزَّل من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دستور يكون فيه المسلمون وغير المسلمين متساوين في الحقوق لا على أساس من النفاق السياسي والأهواء والمداهنة.

 

أما ما يدعيه العلمانيون من أنهم لا يخشون الإسلام، وإنما يخشون التطبيق البشري له مدعين أنهم يريدون تنزيه الإسلام عن أخطاء التطبيق البشري، فتلك شبهة فاضحة مردودة عليهم، فإن كل التطبيقات لجميع النظريات هي تطبيقات بشرية، فالجاهلية يطبقها البشر الجاهليون، والماركسية يطبقها البشر الماركسيون، والليبرالية يطبقها البشر الليبراليون.

 

إن الإسلام كدين إلهي ووضع إلهي هو "مثال"، وإنَّ (إقامة البشر) وتطبيقاتهم للدين هي واقع وستظل مسافة ما دائمًا وأبدًا بين الواقع وبين المثال، في وجود هذه المسافة يكمن ويتجسد الحافز الذي يستحث الإنسان دائمًا وأبدًا على محاولة تجاوز الواقع؛ ليقترب أكثر فأكثر من المثقال، ولولا هذا لفرغ جدول أعمال الحياة، وأصيب الأحياء بالقنوط والإحباط، فوجود المسافة بين "التطبيق البشري" للدين وبين "المثال" الديني ضرورة حياتية طبيعية اقتضتها وتقتضيها الفوارق بين "الإلهي" و"البشري"، واقتضتها وتقتضيها حكمة الله في استمرار وتجدد الآمال في التقدم دائمًا وأبدًا.

 

يقول الإمام الشهيد:

يا قومنا إننا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا، وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيًّا فنحن أعرق الناس- والحمد لله- في السياسة، وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة، فقولوا ما شئتم، فلن تضرنا الأسماء متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات.

 

يا قومنا: لا تحجبكم الألفاظ عن الحقائق ولا الأسماء عن الغايات ولا الأعراض عن الجواهر، وإن للإسلام لسياسة في طيِّها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة، وتلك هي سياستنا لا نبغي لها بديلاً، فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الأخروية ولتعلمن نبأه بعد حين.

 

موقف الإخوان من التطرف والعنف:

لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها، مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي.. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحَكَم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافسًا شريفًا في ظلِّ الدستور والقانون، وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر لجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة، والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية، ولكنه لا يتيح لهم أبدًا فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة... كما أنه يمثل شرخًا هائلاً في جدار الاستقرار السياسي، وانقضاضًا غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع.

 

وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر على الأمة قد ورَّط فريقًا من أبنائها في ممارسة إرهابية روَّعت الأبرياء وهزَّت أمن البلاد، وهدَّدت مسيرتها الاقتصادية والسلمية، فإن الإخوان المسلمين يُعلنون- في غير تردد ولا مداراة- أنهم برءاء من شتى أشكال ومصادر العنف، مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب، وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم، واقعون في المعصية، وأنهم مطالبون في غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق، فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وليذكروا- وهم في غمرة ما هم فيه- وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة وداعه: "أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة، كحرمة يومكم هذا، في عامكم هذا، في بلدكم هذا".

 

أما الذين يخلطون الأوراق عامدين ، ويتهمون الإخوان ظالمين ، بالمشاركة في هذا العنف والتورط في ذلك الإرهاب، متعللين في ذلك، بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف، وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء، وأن تستوعب في دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات، ولا تكتفي بالمواجهة الأمنية، فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها في المجالس النيابية والانتخابات التشريعية، واستُبْعِدُوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة، ولكنهم ظلُّوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون، حريصين على أن تظلَّ الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره، يجاهدون به في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، والأمر في ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة، ولكنه أمر دين وعقيدة، يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء).

 

حقيقة النظام الخاص:

في سنة 1940م انشأ الإمام البنا جهازًا خاصًّا داخل الجماعة سمَّاه (النظام الخاص) يضم إليه من أفراد الجماعة من عرفوا بإخلاصهم للدعوة وثباتهم عليها، كما يتميزون باللياقة البدنية، والقدرة على الاحتمال، والصبر على المكاره، وكتمان الأسرار، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، والاستعداد للتضحية والبذل.

 

كان الإمام البنا قد أدرك أن الأعداء الحقيقيين للدعوة هم المستعمر وأذنابه، وأن هذا المستعمر لا بد من الوقوف له بالمرصاد، كما أدرك رحمه الله أن قضية فلسطين مؤامرة عالمية اشترك فيها العديد من الأطراف، وهؤلاء بحاجة إلى قوة تفتت جمعهم وتردعهم عما يرتكبونه من جرائم على أرض فلسطين، كان البنا يائسًا من قيام الأنظمة العربية والإسلامية بنصرة القضية الفلسطينية، وكان واثقًا أن عصابات الصهاينة في فلسطين وجنود الإنجليز في مدن القناة لن يستطيع التصدي لهم إلا عصابات الإخوان، أما الانتظار لحين حدوث يقظة عند الأنظمة أو الجيوش العربية فهذا حلم الغائبين عن الوعي.

 

وبدأ النظام الخاص في تنفيذ عملياته ضد الإنجليز التي زادت على عشرين عملية نوعية، إضافة إلى عمليات أخرى محدودة، فكان أول عمل له هو مهاجمة النادي البريطاني ليلة عيد الميلاد؛ حيث ألقى إخوان النظام قنبلة على النادي لم تقتل أحدًا لكنها بثت الرعب في قلوب الجنود الإنجليز الذين جأر سكان القاهرة بالشكوى من أفعالهم من قتل المواطنين وهتك أعراضهم وتحطيم محلاتهم.

 

هل هناك الآن تنظيم خاص للإخوان:

من المؤكد أنه ليس هناك تنظيم خاص للإخوان الآن، لقد أسس الإمام البنا التنظيم وفي ذهنه قيام أفراده بالجهاد ضد الإنجليز والصهاينة، فلما انحرف قادته بدأ رحمه الله في تفكيكه حتى جاء المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي فاستكمل ما بدأه البنا، وقد نجح في ذلك.

 

ومن وقتها لم يعد للإخوان جهاز سري مسلح، ولو كان لهم مثل هذا الجهاز لكنا قد سمعنا عن أعماله، فمن غير المنطقي أن يبقى الجهاز كامنًا وفي حالة بيات دائم لمدة تصل إلى سبعين عامًا.

 

كما أن الواقع يتعارض مع من يفترض وجود هذا الجهاز، فقد صار الإخوان يمارسون كافة أنشطتهم بشكل علني، وما من قرية أو مدينة إلا وبها أعداد كبيرة من الإخوان، يعرفهم الناس ويحبونهم ويتعاطفون معهم، وتعرفهم كذلك الحكومات وأجهزة الأمن، بل لقد صارت كلمة "المحظورة" مثار سخرية الجميع؛ حيث ترد أخبار تلك الجماعة المحظورة في وسائل الإعلام أكثر من ورود أخبار الحزب الحاكم.

 

ولقد أصدر الإخوان المسلمون بيانًا جامعًا أوضحوا فيه موقفهم من العمل السري جاء فيه: ليس لدى الإخوان المسلمين أية تنظيمات سرية أو النية لعمل تنظيمات تعمل تحت الأرض بعيدًا عن الأعين، فليس هذا من منهاجهم أو توجههم، فضلاً عن أن العمل السري يضر بالعمل الدعوي.

 

فأما أن التنظيمات السرية لا تتفق ومنهج الإخوان فذلك واضح من خلال حركتهم ونشاطاتهم في مجالات كثيرة ومتعددة عبر العقود الأخيرة، كما أن لافتاتهم وملصقاتهم موضوعة في كلِّ مكان شاهدة على أنهم يعملون في وضح النهار، وأنهم موجودون وسط الميدان يعيشون مع الناس ويمتزجون بهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم.

 

ولم يتخلف الإخوان المسلمون يومًا عن الإدلاء بدلوهم، وتبيان آرائهم ومواقفهم في أية قضية محلية أو إقليمية أو دولية.

 

فلماذا بعد كل هذا يلجأ الإخوان لعمل تنظيمات سرية?

وأما أن التنظيمات السرية تضر بالعمل الدعوي، فهذا يرجع إلى أن التنظيمات السرية تعمل في الظلام، والظلام بطبيعته يستحيل معه- مهما كانت القيادة نشطة وواعية ومتحركة وجادة- متابعة كل الأفراد (خاصة إذا كان عددهم عظيمًا) من حيث العقيدة والأفكار والسلوكيات والأخلاق، ومدى مطابقة هذا من عدمه مع العقيدة الصحيحة، والأفكار الأصيلة للدعوة، والسلوكيات والأخلاق الأساسية للإسلام.

 

الإخوان أحيوا فريضة الجهاد:

شرع الإسلام الجهاد أو القتال لسببين الأول: منع الاعتداء على الأوطان لقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 190) والسبب الثاني: لمنع إكراه المسلمين على الخروج من دينهم لقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: من الآية 193)، ومع ذلك فإن الإسلام حريص على العودة إلى أجواء السلام فور زوال أسباب الحرب: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: من الآية61) ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (النساء: من الآية90).

 

ولقد أجمع فقهاء المسلمين على امتداد عصور الإسلام على وجوب القتال؛ دفاعًا عن أوطان المسلمين، بل إن جميع الشرائع السماوية والمواثيق الدولية وهيئات حقوق الإنسان تحفظ لجميع الشعوب حقَّها في السيادة على أرضها ورد العدوان عنها.

 

ولهذا وقف الإخوان وراء كل القضايا الإسلامية وأنشئوا لذلك قسم الاتصال بالعالم الخارجي الذي قام بدور كبير في مناصرة قضايا الدول الإسلامية كفلسطين ولبنان وسوريا ودول المغرب، كما قام بالدور نفسه مع الأقليات المسلمة المضطهدة في أماكن كثيرة في العالم.

 

ولقد جعلت الحركة شعارها وعملها مصحفًا يحوطه سيفان كتبت تحته عبارة "وأعدوا" إشارة إلى الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية60)، كما جعلت أحد هتافاتها الرئيسية "الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

 

لقد قام الإخوان بأعمال جهادية عظيمة ضد المحتل الإنجليزي في مصر، وضد الصهاينة في فلسطين، ولقد سجَّل أعضاء الجماعة بطولات لفتت الأنظار، واعترف بها العدو والصديق، ولقد دُفن من شهدائهم عدد لا يحصى على أرض فلسطين المباركة.

 

وما زلنا نسمع عن بطولات الإخوان في فلسطين ضد العدو الصهيوني وانتفاضاتهم المتتالية التي بفضلها وبفضل تضحياتهم الجلية سادت ثقافة الجهاد، حتى صار الشعب الفلسطيني كله متحفزًا للانقضاض على دولة الكيان الغاصب وتفكيكها.

 

وما زلنا نسمع عن دور الإخوان الجهادي في دول أخرى كالعراق وأفغانستان ضد من لا يرقبون في المؤمنين إلا ولا ذمة.

 

الإخوان أولى بالأقباط من أنفسهم:

يؤمن الإخوان المسلمون كأصحاب عقيدة إسلامية صحيحة بالمساواة بين البشر واحترام عقائدهم وحرياتهم وخصوصياتهم وهم يحاربون العنصرية بجميع أشكالها ويعترفون بحقوق الإنسان كاملة غير منقوصة، ويضعون أيديهم في أيدي من ينادي بتحرير البشر من الظلم والاضطهاد.

 

وموقف الإسلام من الآخر وهو الموقف القائم على احترامه وإنصافه والتعاون معه لخدمة الإنسانية هو موقف الإخوان نفسه، وهو ليس موقفًا انتقاليًّا أو اختياريًّا مستحسنًا، وإنما هو موقف في أصل الدين صادر عن الكتاب والسنة.

 

والإخوان المسلمون يؤكدون في كل مناسبة التزامهم بالنظر الإسلامي الرشيد ويذّكرون أتباعهم والآخذين عنهم بأن يكونوا عناوين صدق لهذا المنهج، فلا يستكبرون على أحد ولا يمنون على أحد ولا يضيقون على أحد، بل أيديهم مبسوطة إلى الجميع بالخير والحب والصفاء، وأن يبدءوا الدنيا كلها بالسلام.

 

وفي هذا المعنى يقول مؤسس الجماعة: "فنحن نعلم أن الإسلام عني أدق العناية باحترام الرابطة الإنسانية العامة بين بني الإنسان في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13) كما أنه جاء لخير الناس جميعًا ورحمة من الله للعالمين، ودين هذه مهمته أبعد الأديان عن تفريق القلوب وإيغار الصدور، وبهذا جاء القرآن مثبتًا لهذه الوحدة مشيدًا بها في مثل قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: من الآية 285)، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).

 

وموقف الإخوان المسلمين من أهل الكتاب عامة هو موقف الإسلام منهم، فلا يُكره أحد على ترك دينه وأحقيتهم في المساواة مع المسلمين في الواجبات والحقوق وأمور المواطنة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، واحترام خصوصياتهم الدينية من زواج وطلاق وغيرها.

 

ويرى الإخوان أن حماية غير المسلمين في عقائدهم وعباداتهم جزء من وظائف الدولة، فللدولة وظائف دينية أساسية، فهي مسئولة عن حماية وحراسة الدين والدولة الإسلامية يكون عليها حماية غير المسلم في عقيدته وعبادته ودور عبادته وغيرها.

 

وموقف الإخوان من الأقباط يتلخص في:

1- أنهم جزء من نسيج المجتمع المصري

2- أنهم شركاء الوطن والمصير

3- لهم مثل ما لنا وعليهم مثل ما علينا

4- حرية الاعتقاد والعبادة محترمَة للجميع والتعاون في كل ما يخدم الوطن ويحقق الخير لكل المواطنين أمر لازم.

 

5- تأكيد الوحدة الوطنية، وعدم السماح لأي نشاط يؤدي إلى إثارة مشاعر التفرقة الدينية أو التعصب الطائفي.

 

6- الحرص على روح الأخوة المصرية التي أظلت أبناء مصر على مر القرون مسلمين وأقباطًا وإشاعة الأصول الداعية إلى المحبة والمودة بينهم؛ لتمكين الأمة من العمل المتكامل لبناء مستقبلها، وحماية لها من ويلات التعصب الطائفي المقيت وعدم السماح لأية محاولات تؤدي لإثارة مشاعر التفرقة أو التعصب الطائفي بين المصريين.

 

المواطنة.. أصل إسلامي:

ويؤمن الإخوان بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين ويعتبرونه ضروريًّا لتحقيق العدالة وتعميق الانتماء، وذلك عن طريق عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو الجنس أو اللون كحق التملك والتنقل والتعلم والعمل وممارسة العمل السياسي والتعبير عن الرأي في ظل الحفاظ على القيم الأساسية للمجتمع والترشح للمجالس المحلية والنيابية وتولي جميع الوظائف القضائية والتنفيذية في كل المجالات وعلى جميع المستويات.

 

ويؤمنون بمبدأ المواطنة ويعتبرونه ضمن المنهج الإسلامي لإصلاح الدولة، فمصر دولة لكل المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها، وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية يكفلها القانون وفق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وتعتبر المواطنة هي القاعدة التي تنطلق عنها المطالبة بالديمقراطية ليس بغرض تداول السلطة فحسب، بل بغرض ممارسة الديمقراطية المتجاهل لمبدأ الأغلبية ويجب أن تعزِّز النصوص القانونية معاملة كل المواطنين على قدم المساواة دون تمييز وعلى الدولة والمجتمع العمل على ضمان قيام الأوضاع الاجتماعية اللازمة لتحقيق الإنصاف وأن يمّكن الأفراد من المشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم وخاصة في القرارات السياسية.

 

حماة الوحدة الوطنية:

اتسم موقف جماعة الإخوان منذ نشأتها وحتى اليوم تجاه الأقباط بالتسامح والاعتدال وهم يدركون أن المستفيد من الفتنة الطائفية هم أعداء الأمة الذين يسعون إلى إفساد الوحدة الوطنية والتفريق بين أبناء الوطن الواحد.

 

كما يدرك الإخوان أن هناك نقاط تلاقٍ مع الأقباط على رأسها: الوقوف في وجه التيارات الإلحادية المعادية للأديان وكذلك تيارات الإباحية والانحلال الخُلقي والوقوف في وجه الصهيونية البغيضة والانطلاق لصالح الإنسانية والوطن.

 

ويعتقد الإخوان أن انتشار الفتن الطائفية ليس أثرًا من آثار التدين وإنما هو على الحقيقة أثر من آثار غياب الفهم الصحيح لروح الأديان وأهدافها الكبرى ومظهر من المظاهر العامة للتخلف الفكري والسلوكي كما أنها ورقة يلعب بها الصهاينة على المستوى الدولي والعلمانيون والملحدون على المستوى المحلي.

 

والأقباط في نظر الإخوان: إخواننا في الوطن كما أن المسلمين حيثما كانوا هو إخواننا في الدين فالأخرة ليست دينية فقط كالتي بين أهل الإيمان بعضهم وبعض وهي التي جاء فيها قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية10)، بل هناك أخوة قومية وأخوة وطنية وأخوة بشرية، وإذا أثبت القرآن هذه الأخوة القومية بين الرسل وأقوامهم فلا حرج أن نثبت أخوة وطنية بين المسلمين ومواطنيهم من الأقباط في مصر أو أمثالهم في البلاد الإسلامية ولا يكون ذلك سببًا للطعن في عقيدة الإخوان وأنهم لا يعرفون الولاء والبراء في عقيدتهم، بل يكون هذا من حسن فقه الإخوان وفهمهم عن الله ورسوله ما لا يفهم الآخرون.

 

ولقد تُرجمت أفكار الإخوان ومبادئهم إلى واقع عملي منذ خروج الجماعة إلى الوجود، فهم أحرص الناس على دماء الأقباط وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم، متعبدين بذلك إلى الله.

 

وهم بذلك لا ينجَّرون إلى فتنة ولا يقعون فيما يقع فيه عوام الناس من تعصب وطائفية، بل يعون أن إنصاف الأقباط والإحسان إليهم من الدين، وأن الإساءة إليهم وظلمهم مجافاة للسنة واستدعاء غضب الله ورسوله على من يفعل ذلك.

 

وما من ظلم وقع على الأقباط إلا استنكره الإخوان وطالبوا بعقاب من قام به، حتى قال البعض إن الإخوان أولى بالأقباط من أنفسهم؛ لدفاعهم عن حقوقهم ورحمتهم بهم وشفقتهم عليهم.

 

لقد أصدر الإخوان العديد من البيانات التي تدين الاعتداء على ممتلكات الأقباط وعلى أفرادهم، ويصرح العديد من قادة الجماعة بأقوال تصب في صالح الأقباط وتدعو إلى حل مشكلاتهم المختلفة وتلبية مطالبهم.

 

نظرة الإخوان المسلمين للمرأة:

تنطلق رؤية الإخوان المسلمين للمرأة من رؤية الإسلام لها، فهي الأم التي ورد في شأنها الأثر الكريم أن الجنة تحت أقدامها، والتي قدمها الله تعالى على كل من عداها في حق صحبة الأبناء لها، وهي الابنة التي تولد كما يولد أخوها الذكر من الصلب ذاته ومن الرحم نفسها، وهي الزوجة التي هي سكن للرجل والرجل سكن لها.

 

وتقوم تلك الرؤية على المساواة الكاملة في الكرامة الإنسانية بين الرجل والمرأة، وأهمية العمل على الحفاظ على التمايز بينهما في الأدوار الاجتماعية والإنسانية دون أن يؤثر ذلك على مكانة كل منهما، ودور المرأة في الأسرة قائم على أساس أنها المسئول الأول عن تربية الجيل الجديد، والأسرة في حضارتنا المصرية والعربية والإسلامية هي الوحدة الأساسية للمجتمع.

 

ويرى الإخوان أن العبرة بالإيمان وتقوى الله وحسن الخلق فيما يخص الفرق بين المرأة والرجل أما الفوارق الطبيعية فهي التي تنتج عن المهمة التي يقوم بها كل منهما في الأسرة والمجتمع، ويردون على مزاعم بعض الأديان والمذاهب الفاسدة التي افترت على الله الكذب وادعت أن حوَّاء- عليها السلام- هي التي أغوت آدم عليه السلام بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليهما في الجنة، بأن نصوص القرآن والثابت من صحيح السنة المطهرة تسد كل منابع هذا الادعاء الزائف، وتلك الخرافات الباطلة.

 

ويهتم الإخوان المسلمون بالمرأة عمومًا لإدراكهم خطورة مهمتها في إعداد النشء وإقامة البيت المسلم، وكذلك لأهمية دورها الإصلاحي في المجتمع وفي التواصل مع الأمة الإسلامية، وهم لذلك يرفضون تعرضها لأي عنف أو اضطهاد، ويساعدونها على تحقيق دورها المهم المنوط بها، ويعدونها لمهام المستقبل ولأداء دورها على أكمل وجه.

 

ويرى الإخوان أن المرأة متساوية مع الرجل تمامًا في مجال الدعوة والإرشاد إن لم تفقه أحيانًا ويقولون في ذلك: "إن الدين لم ينزل للرجال فقط، وإنما للرجال والنساء، وأن التكليف للرجال والنساء على السواء ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة)، ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت موجهة للنوعين، ولذا لم تغفل الجماعة هذا الأمر وانطلقت في إعداد المرأة؛ لتحمل تكاليف الدعوة ومسئولياتها، بإعداد البيت المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خُلُقِه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه.

 

المرأة إذًا في الإخوان، هي شريكة الرجل، لها رسالتها التي ربما فاقت رسالته، فهي التي ترضِّع أبناءها لبان الدعوة، وهي التي تحمل البيت عندما يغيب الرجل.. ولها دورها التربوي في إعفاف زوجها، كما لها دورها الدعوي الفاعل في محيط المجتمع.. هي إذا ليست جارية في البيت، وليست كمًّا مهملاً وطاقة معطلة، كما يحاول أعداء الإسلام أن يصورها، إنها إنسان سوي له رسالة، وقد شرفت بحمل عقيدة يوم أن حملتها مع الرجل.

 

الإخوان والحقوق السياسية للمرأة:

يرى الإخوان أن المرأة مكلفة كالرجل تمامًا بالمشاركة في اختيار أُولى الحل والعقد، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة)، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران)، بل يعتبرون هذه المشاركة واجبة وضرورية الآن أكثر مما مضى؛ لأن إحجام المرأة المسلمة عن المشاركة في الانتخابات يُضعف من فرصة فوز المرشحين الإسلاميين.

 

ولا يرون ما يمنع من توليها مهام عضوية المجالس النيابية وما يماثلها، إذ ليس في نصوص الشريعة حسب قولهم ما يمنع ذلك، وقد ردوا في الوثيقة التي أصدروها حول حقوق المرأة المسلمة عام 1994م على الآراء التي تعارض ترشيح المرأة للمجالس النيابية والوظائف العامة، وأكدوا فيها تولي المرأة جميع الوظائف العامة بما فيها القضاء، باستثناء الإمامة الكبرى، وهي من الولاية العامة المتفق على عدم جواز أن تليها المرأة، والتي يقاس عليها رئاسة الدولة.

 

ويستند خيار الإخوان المسلمين الرافض لتولي المرأة رئاسة الدولة، إلى الواقع الاجتماعي الذي يمنع أن تكون المرأة رئيسة دولة.. لكن أمامها الوزارات والمؤسسات، فهناك واقع اجتماعي موجود في مصر يرفض ذلك، ونحن نتحدث عن مصر ولا نتحدث عن بريطانيا أو الولايات المتحدة، بل إن ما يحدث في الإسكندرية قد يكون غير مقبول في الصعيد.

 

إضافة إلى أن طاقة المرأة- غالبًا- لا تحتمل الصراع الذي تقتضيه تلك المسئولية الجسيمة، وإنما قلنا: "غالبًا"؛ لأنه قد يوجد من النساء من يكن أقدر من بعض الرجال، مثل ملكة سبأ، التي قصَّ الله علينا قصتها في القرآن، ولكن الأحكام لا تُبنى على النادر، بل على الأعم الأغلب، ولهذا قال علماؤنا: النادر لا حكم له.

 

أخوات على أعتاب البرلمان:

رشح الإخوان أول سيدة منهم للانتخابات التشريعية عام 2000م الأخت جيهان الحلفاوي، وقد شهدت دائرتها بالإسكندرية استعدادات أمنية غير عادية، وتم قُبَيل إجراء الانتخابات القبض على زوجها د. إبراهيم الزعفراني، وعلى العشرات من إخوان الدائرة، وتم اعتقال مندوبيها في اللجان، ثم تم تزوير الانتخابات بشكل فجٍّ، ورغم ذلك ترجح فوزها، فأسرعوا بوقف الانتخابات، التي أجريت بعد عامين 2002م بعد تحويل الدائرة إلى ثكنة عسكرية، مُنِع فيها الناخبون من الوصول إلى صناديق الاقتراع، بل مُنع التجول في هذا اليوم داخل أحياء الدائرة، وتم تزوير الانتخابات وإعلان فوز مرشح الحزب الحاكم.

 

وفي عام 2005م رشح الإخوان سيدة أخرى (الأخت الدكتورة مكارم الديري)، وقد وقع في دائرتها مدينة نصر ما وقع في دائرة الأخت جيهان، من تزوير فاضح وبلطجة وإرهاب، حتى أعلن الحزب الحاكم فوز نائبه بالدائرة على غير الواقع والحقيقة.

 

وقد كان للأخوات دور مهم في إيصال 88 من مرشحي الجماعة إلى قبة البرلمان في هذا العام 2005م؛ حيث اعتمد الإخوان في تلك الانتخابات على أصوات النساء التي تمثل حوالي 40% من إجمالي القيمة التصويتية للناخبين، وقد حشد الإخوان في هذه الانتخابات أخوات على درجة كبيرة من التدريب والمهارة، جعلتهن يسحبن البساط من تحت أرجل الحزب الوطني الذي اعتمدت نساؤه على البلطجة والرشوة، قبل وأثناء العملية الانتخابية.

 

الإخوان والقضية الفلسطينية:

لفلسطين في نفوس المسلمين عامة، وفي نفوس الإخوان بصفة خاصة منزلة كبيرة، لما حباها الله من كونها مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين.. وفلسطين تحتل من نفوس الإخوان موضعًا روحيًّا قدسيًّا فوق المعنى الوطني المجرد، إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح عليه السلام، وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويغذي الأرواح.

 

ولقد وعت الجماعة منذ نشأتها ما يحاك لفلسطين من مؤامرات لسلخها عن طابعها الإسلامي، وتقديمها وطنًا قوميًّا للصهيونية العالمية يكون سرطانًا دائمًا في جسد الأمة، يعمل على تفتيته وإذلاله، وليحقق حلم اليهودية لدولتهم.. من النيل إلى الفرات.

 

فها هو حسن البنا يبعث برسائل إلى السفير البريطاني في القاهرة يحذره من المساس بأرض الإسراء، مؤكدا أن "الإخوان المسلمون سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبرٍ من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا حتى يرث الأرض ومن عليها"، ويبعث برسالة إلى الحكومة المصرية بعد أن أفرجت عنه السلطات بسبب نشره وتوزيعه كتاب "النار والدمار في فلسطين" يعيب عليهم قعودهم وتخاذلهم عن نصرة إخوانهم في فلسطين فيقول: (يا أيها الجالسون على كراسي الحكم، أما آن لكم أن تفهموا بعد، أن من استعز بغير الله ذل، وأن الناس من خوف الذل في الذل، ومن خوف الفقر في الفقر، وأن من حرص على الموت وهب الله له الحياة، وأن الله يقول: ﴿بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)﴾(النساء).

 

ولم يدخر الإخوان المسلمون جهدًا في التنبيه إلى أهمية وخطورة القضية الفلسطينية، فجاهدوا بالكلمة المسموعة والمقروءة في تجمعاتهم ومؤتمراتهم وفي وسائل إعلامهم، حتى تبنت الأمة الإسلامية القضية الفلسطينية بعد أن طغت الإقليمية والقومية إلى حدٍّ بعيد على فكر كثير من قادة وزعماء الشعوب الإسلامية الذين حادوا عن الفكر الإسلامي وتأثروا بالفكر الغربي والعلماني.

 

ولقد أحيا الإخوان فريضة الجهاد، من أجل نصرة فلسطين، بعد أن ظنَّ أعداء الإسلام أنها قد خبت، فشاركوا في معارك عام 1948م وقد أبلوا فيها بلاءً حسنًا إيمانًا منهم بأن الجهاد في سبيل الله هو سبيلهم، وأن الموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.

 

ويعتقد الإخوان المسلمون اعتقادًا جازمًا بأن فلسطين جزء من العقيدة الإسلامية، وأن أرضها وقف إسلامي على جميع أجيال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة، لا يجوز لأحد كائنًا من كان أن يفرط أو يتنازل ولو عن جزء صغير جدًّا منها، ولذلك فهي ليست ملكًا للفلسطينيين أو العرب فحسب، بل هي ملك للمسلمين جميعًا، وعليه تكون فلسطين بالنسبة للإخوان المسلمين السوق الذي نربح فيه الصفقة مع الله" ونفوز بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، لذلك أفتى الشيخ سيد سابق أحد فقهاء المسلمين أثناء حرب فلسطين عام 1948م بتأجيل أداء فريضة الحج وتقديم المال للجهاد في فلسطين.

 

ويعتقد الإخوان أن مصر أقرب البلاد خطرًا من الغزو الصهيوني، وهي على مرمى من سهام اليهود، وذلك لما لليهود من ذكريات فيها، ولأن سيناء غنية بالثروات الطبيعية والمواد الخام، ما يمثل حافزًا للصهاينة للاستيلاء عليها.

 

وكان الإخوان أول من تنبأ بخطر ذلك الكيان البغيض، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث سيؤدي إلى خلق مشكلات لا تنتهي، ناهيك عن المشكلات الداخلية في كل بلد عربي من قِبَل الجاليات اليهودية التي تعيش فيها، والتي تشكل "طابورًا صهيونيًّا خامسًا"، كما نظر الإخوان إلى أن إقامة هذه الدولة سينتج عنه أيضًا خطر اجتماعي يهدد البلاد العربية بالانحلال؛ لأن الصهيونية ستعمل على نشر الإلحاد والإباحية.

 

وسينتج عنها خطر روحي يهدِّد العالم الإسلامي من ناحية العقيدة والإيمان؛ حيث إن هناك خطرًا يستهدف الأماكن المقدسة في فلسطين التي هي موضع الإسراء والمعراج، ويتمثل هذا الخطر في تصور الإخوان المسلمين بشكل واضح بـ"حلم اليهود" بهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان مكانه.