كنت في جنازة لأحد عائلة صباحي ببلطيم، وأنا أرجع للخلف بعد الانتهاء من الجنازة أمسك ذراعي أحد الإخوة، وقال لي بصوتٍ هادئ هذا قبر أخيك حامد زايد صباحي، لست أدري رغم أني في جنازة، ورغم أني زرت قبره كثيرًا إلا أن قلبي قفز من مكانه وكأنه سيعانق القبر ويعانق كلمة الحق.. فحامد وكلمة الحق وجهان لعملة واحدة، قالوا كبيرة هي وتقف في الحلق!.. قد تُغير طريقك جملةً وتفصيلاً!.. قد تؤلب عليك أناسًا كثيرين كنت تظنهم أحبابك، ولن يغضبوا منك أبدًا؛ ولكنك إن واجهتهم بالحق؛ كأنك كشفت عورتهم وعريت سوءتهم.

 

قد تكون سببًا في دخولك الجنة؛ فسيد الشهداء حمزة، ورجل قام عند سلطان جائر، لا يقولها إلا من ربَّى نفسه على الأعمال الكبيرة والنيات الكبيرة والأهداف الكبيرة.

 

أيها الإنسان.. في هذا الكون الواسع الراحب اللاحب أنت لا شيء يُذكر, أنت ضعيف بل قل هباءة منثورة أو ريشة مبتورة تتقاذفك الرياح والأنوار؛ لكن بانتمائك إلى الحق وقولك الحق تكون قويًّا كبيرًا صاحب قدم هي أرسخ من جبال الأرض، فأنت تستمد من الحق قوتك وقيمتك، وتتجه إلى الحق صولتك وجولتك، وبه ستظل باقيًا مزهرًا أبدًا ما حييت.

 

رأيت في حياتي أفرادًا تربوا على كلمة الحق، خسروا مواقف لا محالة، وخسروا بعض الناس الذين لا يستحقون لا محالة؛ لكنهم كسبوا كثيرًا: كسبوا حب أعدائهم قبل إخوانهم.. طبيعتهم عجيبة لا يحاولون التورية، ولا تمييع الأمور، ولا إيهام المستمع بشيء خلاف ما يسمع.. الحق يجري على ألسنتهم دون تردد ولا تلعثم، تكتشف في النهاية أنك تتق فيهم وتستريح في ساحتهم، وتسلم لهم في الأمر، بل هم يحسمون المختلف فيه.. وفي المقابل كانت هناك مثل كبيرة وأشخاص عماليق أحببتهم، ووثقت فيهم، وأودعت لهم أسرارك وأفكارك وقلبك، وبعد أن عاشرتهم لم يقولوا الحق في المرة الأولى التمست لهم العذر.. ولم يقولوه في الثانية وفي الثالثة بل وفي العاشرة.

 

أصبح في نفسك شيء منهم وإن كنت لم تصرِّح, لكن تكتشف أنك لست وحدك من لمس فيهم هذه الخصلة المقيتة المميتة المذلة.

ربما يحاولون أن يكسبوا وقتًا.

ربما يحاولون أن يتأولوا أمرًا.

ربما يحاولون ذلك من أجل المصلحة العامة.

ربما يحاولون من أجل فريق العمل.. من أجل ألف صنم.. ربما.

 

لكنك في النهاية لن تثق فيهم، تراهم يمشون القهقرى, نعم قد يجدون إخوة كبارًا أصحاب قلوب كبيرة ونفوس كبيرة ومسئوليات كبيرة، يغفرون لهم، ويلتمسون لهم الأعذار؛ لكن سيظل الفضاء الذي يتحركون فيه ضيقًا منخفضًا غير طبيعي.. وإلى متى.

 

الأخ حامد زايد صباحي- رحمه الله- كان الحق يجري على لسانه ببساطة بتلقائية.. هل رأيت إنسانًا أنت تدعوه إلى الله وتهابه وتحترمه وتقلق منه.. نعم نحن سبقنا العملاق المرحوم إلى الدعوة بعدة سنوات منذ أن رأيته وأنا أهابه منذ أن رأيته بوجهه الجميل الرائع وجسمه الممشوق القوي وابتسامته الساحرة الصادقة، وأنا أحترمه.. كنت أسكن بعيدًا عنه؛ لكنه كان أقرب الناس إلى قلبي كنت عندما أتعب لا أجد إلا بيته، وعندما تزيد المشاكل وتتعقد الأمور كنت أجد عنده الحل ولست وحدي بل الجميع.. كان يعمل في مجال المعمار، ولك أن تتخيل المشاكل في هذا المجال فكان التجار يحلون مشاكلهم على بابه قبل الولوج إلى مكتبه المفتوح ليل نهار؛ حتى الصيادين البسطاء والعمال البسطاء تراهم في مكتبه رحمه الله، كانت الأسر الفقيرة والأيتام والأرامل يستريحون في حضنه الدافئ.. نعم رغم قسوته في كلمة الحق.. نعم رغم قوة شخصيته المبهرة لدرجة أن المخبرين و"البصاصين" و"الخباصين" كانوا يتلاشونه، كل مَن له حق يذهب إليه، وكل من أكل حقًّا يهرب منه.. كنت أتعجب وأنا أراه يفصل بين إخوانه الكبار.

 

كان لي مبلغ عند رجل كبير في المسئولية جدًّا, اتصل به حامد في حوار، كان قطعة فنية رائعة من الصدق والإبهار والتلقائية والثقة والمتعة، نعم كأنها، كان يتمتع وهو يمارس هذه الموهبة.. اتصل به، سلم عليه، سأله عن حاله، ثم سكت برهة حتى أحسست أن الطرف الآخر يتحسب الموقف، وقال فين فلوس الأستاذ علي؟ وسكت فلم يتكلم الطرف الآخر.. أردف، قلت لك متى؟ ولم يكن قال شيئًا.. كأنه يتحدث بلهجة الماضي الذي تم.

 

تكلم الطرف الآخر طويلاً وأرغى وأزبد وهو ساكت!! فرد بكلمة واحدة بمقاطع جميلة هادئة، جملها وحلاها لثغته في حرف الراء: بكرة سأعطيها له ونتحاسب لاحقًا.

 

نعم كان الحضن الذي يلجأ إليه الرضيع المفطوم، والبيت الذي يلجأ إليه المحروم، والطيب الذي يلجأ إليه المريض المكلوم والقاضي الذي يستنجد في ساحته المظلوم.

 

ابحث في (جوجل) عن الاسم "حامد زايد صباحي" الذي تُوفي وعمره 37 عامًا.. ستجد عنه الكثير، اذهب إلى أقصى الشمال؛ حيث مدينته الساحرة بلطيم بل وقبلها بكيلومترات كثيرة، وتلفظ بالاسم ستلهج الألسن جميعًا عليه بالثناء، ادخل إلى موقع (إخوان أون لاين) وابحث عنه.

 

قد يكون هناك إخوة أفاضل في مثل ظروفه ومستواه، وقدموا للدعوة أكثر منه؛ لكنه يتميز بتلك الصفة التي نغفل عنها جميعًا.

 

أحبابي.. العمر يمر بسرعة مذهلة، فهلا ربينا أنفسنا على كلمة الحق على النيات الكبيرة والأعمال الكبيرة.