نظراته في الإصلاح المستمدة من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله..

 

يقول عنه أحد تلاميذه وهو الأستاذ المرشد عمر التلمساني رحمه الله: "إن كل من يقرأ رسائل الإمام الشهيد ليعجب العجب كله كيف ألهم الله هذا الداعية المخلص المتحرك، كيف ألهمه أن يضع أوسع المعاني في أوجز الكلمات، وبصورة واضحة وضوحًا لا لبس فيه ولا خفاء".

 

كان الإمام البنا مشغولاً منذ صغره يوم أن كان طالبًا بدار العلوم بأمر الإسلام والمسلمين، ويرقب أحوالهم، ويتأمل في سر بعدهم عن دينهم، ثم يرنو بخاطره وقلبه وعقله إلى أحوال الأمة الإسلامية يوم أن كانت تملأ الدنيا علمًا وعدلاً وجهادًا وصدقًا وإيمانًا بربها أولاً، وبحق الإنسان- كل الإنسان بصرف النظر عن دينه أو انتمائه- في الحياة الكريمة وفي الاستقرار وفي السعادة، وفي تمهيد الطريق له لمعرفة ربه الذي خلقه وسواه.

 

ولذلك حين طلب منه وهو في السنة الرابعة من دار العلوم أن يكتب موضوعًا في الإنشاء عنوانه هو (اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها).. فكتب كلامًا مرتبًا دقيقًا لا يقوله من هو في سنه بل يعجز الكبار عن الإتيان به، وذلك في تقديرنا لأنه صدق من سماه (الملهم الموهوب) رحمه الله وتقبله في الصالحين.

 

وقبل الدخول في إجابة الإمام نقول: إن هناك ثلاث حقائق توضح العلاقة بين الإنسان والنجاح في أي عمل وهي:

أولاً: وضوح ما أقدم عليه من عمل في وعيه.

ثانيًا: استغراقه بكل مشاعره فيه.

ثالثًا: إخلاصه التام له.

 

وهذه الركائز تمكنت بعمق من نفس الإمام من أول لحظة، وظلت تلازمه وتتمكن من أقطار نفسه حتى لقي ربه- رضي الله عنه- نعم لقد وهب نفسه وما يملك من طاقات ومشاعر لهذا الحق، لقد بلغ العمل للإسلام في وعيه مبلغًا جلّي كل غموض، وتخطى كل تساؤل، فعاشت قضية الإسلام والمسلمين بأجلى معانيها حية متوهجة في نفسه وحسه وعصبه ودمه وعروقه، عاطفة مشبوبة، وإيمان حي، جعله لا يهتم بطبع الكتب- ولو أراد لفعل- لكنه أيقن أن القرآن من غير أمة تحمله وتتمثله لا يستطيع أن يفعل شيئًا، ولما سُئل: لماذا لا تؤلف كتبًا؟ قال: أربي رجالاً حتى يرى الناس النظريات تتحول إلى واقع ملموس مجسد في بشر يسير على الأرض.

 

لقد تحرك القلم وسجل هذه الآمال التي تدل على نبوغ وصدق وانقياد لله وحده، واتباع لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، يقول رحمه الله: "أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم وذود المكروه عنهم وتعدّ التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحًا وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية- على توعر طريقهما وما فيه من مصاعب ومتاعب- راحة ولذة تنفذ إلى أعماق القلوب، فتشعر بأدوائها وتتغلغل في مظاهر هذا المجتمع وتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم وما يزيد هذا الصفاء، ويضاعف تلك المسرَّة".

 

ثم يقول رحمه الله: "وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه، ولا تتجاوز فائدته عامله قاصرٌ ضئيل، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره من أسرته وأمته وبني جنسه، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره وعلى هذه العقيدة سلكتُ سبيل المعلمين لأني أراهم نورًا ساطعًا يستنير به الجمع الكثير، ويجري في هذا الجمّ الغفير، وإن كان كنور الشمعة التي تضيء للناس باحتراقها".

 

وواضح أن الإمام يعرف هدفه جيدًا ومهمته بالنسبة للناس جميعًا، ومكانته بينهم، ودوره معهم، وضرورة هذا الدور كأمانة في رقبة المسلم، وهذا طريق استقاه من عمل الرسل والأنبياء ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "خير الناس أنفعهم للناس، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن يسر على معسر يسر الله عليه".

 

لقد استدلت السيدة خديجة- رضي الله عنها- على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بقولها: "كلا لن يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتقري الضيف وتغيث الملهوف وتعين على نوائب الدهر".

 

فهذه المفاهيم وتلك الكلمات إنما هي بداية لبعث جديد وتجديد للدعوة الإسلامية، وإحسان عرضها والانتفاع بها وهذا ما كان على مر السنين، فقد بدأت اليقظة الإسلامية ثم الصحوة الإسلامية، وولد الجهاد الحقيقي في سبيل الله بعد أن انصرفت الأمة عن رسالتها وقعدت عن واجباتها، ونامت وطال نومها، حتى أسقط اليهود- لعنهم الله- الخلافة وهي رأس الأمة، ثم استيقظت الأمة بقيادة الأبرار الصالحين الذين قدروا الموقف وأدركوا الحقيقة، فعادت الأمة مرة أخرى إلى شموخها وجهادها، فهي يقظة ما دامت على الحق ولن تموت ولن يستطيع مخلوق مهما كان أن يرد قضاء الله وقدره الذي قدّره أزلاً، وسطره في كتابه العزيز ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).

 

ثم يقول الإمام- رحمه الله- متحدثًا عن الغاية التي يجب على كل إنسان أن يسعى إلى تحقيقها وهي رضوان الله ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (آل عمران: من الآية 185).

 

ويقول: "وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرنو إليها الإنسان وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضاء الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه"، ولذلك اختار الإمام الشعار الدقيق للتعبير عن الغاية والمصير فهي غاية كل إنسان فكان الشعار: الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

 

لقد كان في عصره يعيش بعض الغافلين على شعارات غريبة نابعة من عقول بعدت عن الطريق: يسقط فلان ويحيا فلان، ويعيش التوجه الفلاني.

 

معاني وألفاظ لا وزن لها، ولا قيمة لها، فإذا بالهتاف الصادق ينطلق ليحيي الموات ويوقظ النائم ويرد التائه: الله أكبر ولله الحمد.

 

لقد كان وما زال وسيظل ما بقيت السماوات والأرض أن الكبير هو الله، وأن العظيم هو الله، وأن المالك هو الله، وأن المحمود هو الله، وأن الإسلام وحده هو قارب النجاة من ركبه فقد نجا، ونحن ننادي بأعلى صوت لجميع المخلوقين: أيها الناس استجيبوا لربكم، هانت وذلت حياة يحجب المرء فيها عن ربه ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية 42).

 

أيها الناس: لا ملجأ لكم من الله إلا إليه فعودوا إلى ربكم واستقيموا على أمره، واتركوا هذا التيه فإنه لن يغني عنكم من الله شيئًا.

 

ثم يتحدث الإمام عن الطريق الموصل لما سبق أن بينه ويحصره في أمرين ثم يختار الأدوم والأنفع فيقول "والذي يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين أولهما: طريق التصوف الصادق، الذي يتلخص في الإخلاص والعمل، وصرف القلب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم وهو أقرب وأسلم.

 

والثاني: طريق التعليم والإرشاد، الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الاختلاط بالناس ودرس أحوالهم وغشيان مجامعهم، ووصف العلاج الناجع لعللهم، وهذا أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم، ونادى بفضله الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وقد رجح عندي الثاني- بعد أن نهجت الأول- لتعدي نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم وأجملهما بمن فقه شيئًا ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ (التوبة).

 

وأحب أن يقرأ الناس- كل الناس- هذا الكلام الدقيق عن تقرير الحقائق وعدم التشنج من أنصاف المتعلمين الذي يندفعون في تعصب إلى النيل من الدعاة، واتهامهم بالباطل والزور ونقول لهم: إن كلمة التصوف التي وردت في كلام الإمام وقد عرّفها تعريفًا دقيقًا المراد بها: الجانب الروحي في حياة المسلم المنضبط بعقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا بعيد كل البعد عن الانخراطات والخرافات والشطحات غير المتزنة ويجب التأني في قضية الإنكار من البعض على مجرد الاسم لأنه مجرد اصطلاح على علم بعينه، إنما الذي يجب أن ينظر إليه هو المضمون، وعلى المندفعين- بغير بينة- أن يعودوا إن كانوا جادين إلى فتاوى الإمام ابن تيمية رحمه الله وقد كتب مجلدين تحت عنوان التصوف، وفنده تفنيدًا دقيقًا ووضع كلمة الحق الصادقة، والواضعة الأمور في مواضعها الصحيحة، وكثير من العلماء الأجلاء الموثوق بعقيدتهم وعلمهم وفقههم كتبوا عن التصوف وفندوه كما فعل الإمام ابن تيمية رحمه الله.

 

ومجرد الإنكار بغير علم ولا بينة لاسم ما لا يكون تحقيقًا صحيحًا ولا علمًا نافعًا ينتفع به، بل هو أقرب شيء إلى عدم أداء الأمانة، ومع ذلك نقول لهم: الإمام البنا حين وضع رسائله التي بنى عليها الجماعة، وفكره الذي أقامها عليه وخطه الذي التزم به وسار فيه لم يكن من قريب أو بعيد له أدنى صلة بالصوفية أو غيرها، بل كان فكرًا سلفيًّا دقيقًا في الالتزام بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء من بعده من الخلفاء الراشدين الذين مثلوا العصر الذهبي لحسن استقبال هذا الحق ولحسن تطبيقه، فجاء الاستقبال على الفهم الصحيح الذي تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء التطبيق في أعلى درجات التوفيق لما فهموه بأمانة وصدق وإخلاص.

 

ثم يتحدث الإمام البنا عن واقع الأمة والأمراض التي ألمت بها فيقول: "وأعتقد أن قومي بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها والمؤثرات الاجتماعية التي مرت بهم، وبتأثير المدنية الغربية والشبه الأوروبية، والفلسفة المادية، والتقليد الإفرنجي؛ بعدوا عن مقاصد دينهم، ومرامي كتابهم، ونسوا مجد آبائهم، وآثار أسلافهم، والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلمًا وجهلاً، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء، وتعاليمه الحنيفية السمحة بحجج من الأوهام يحسر دونها البصر وتقف أمامهم الفكر، فوقع العوام في ظلمة الجهالة، والمتعلمون في بيداء حيرة وشك، أورث العقيدة فسادًا وبدل الدين إلحادًا".

 

أيها الأحباب.. هذه الرسالة لم يكتبها مؤرخ ولا رجل قضى طول عمره بين الكتب، لكن الذي كتبها طالب بدار العلوم السنة النهائية، لم يتجاوز عمره التاسعة عشرة ولذلك يجب علينا بحق- إن كنا جادين وهي بنصها موجودة في مذكرات الدعوة والداعية- يجب علينا أن نستخرجها من الكتاب، أن نسجلها بخطوط واضحة، وأن يحفظها الآباء والأبناء، وأن يدرسها الدارسون فهي بحق تلفت الأنظار وتنبه الضمائر وتعلمنا أن الإمام- رحمه الله- لم يكن إنسانًا عاديًا بل أنعم الله عليه وأعطاه ومنّ عليه بإخلاصه وصدقه "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها".

 

الإمام في هذه السن يتحدث حديث الواعي.. عن هذه الأمة وعن الظروف التي مرت بها والنتائج التي وصلت إليها، ويشير إلى أنهم ضحايا لظروف مرت بهم، ويجب التعامل معهم على هذا الأساس، إنهم ضحايا لظروف أكبر منهم ومن طاقاتهم، وهذا ما يحمّل الدعاة بالنسبة لهم مسئولية أكبر لقد حُرموا من التعليم، وحين تعلموا حُرموا من التعليم الصحيح.. إنهم ضحايا الفقر المنهك، والمرض المهلك، ضحايا الاستعمار الخبيث الذي سرق خيراتهم، وما زال يسرقها، وأكل حقوقهم وما زال يأكلها، ودمر بنيانهم، وما زال يدمره، إنهم عصابات أوروبا المستعمرة، وعصابات أمريكا الباغية وعصابات اليهود الآثمة المجرمة.

 

يقول الإمام البنا في ختام رسالته: "فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان: خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، وعام: وهو أن أكون مرشدًا معلمًا؛ إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة".

 

وقد أعددت لتحقيق الأول: معرفة بالجميل وتقدير للإحسان ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ (60)﴾ (الرحمن)، ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية: الثبات والتضحية وهما ألزم للمصلحة من ظله، وسر نجاحه كله، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقًا يزري به أو يشينه.

 

ثم يقول: (ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: من الآية 10).

 

هذا ما استطعنا أن ندونه من كلام الإمام مع تعليق مناسب عليه، ولقد وفّى الإمام فأحسن الوفاء وعاهد فالتزم بالعهد، وحبب الله إليه هذا الحق وزينه في قلبه، فانطلق به، وانطلق من حوله الأبرار فسمعت الدنيا كلمة الحق، وأقبل المخلصون الصادقون عليه، حتى لقي ربه راضيًا مرضيًا عنه.

 

اللهم أجزه عنا خير الجزاء، اللهم تقبله في الصالحين اللهم ارزقنا التوفيق والسداد واجعلنا من أهل دعوتك وحملة رسالتك، اللهم لا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم، واغفر اللهم لنا ولهم.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-----------

* من علماء الأزهر الشريف