يقول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)﴾ (الأحزاب).

 

أحسب أن والدنا الكريم الحاج/ شحتة من هؤلاء المؤمنين الصادقين، وأسأل الله عز وجل أن يفسح له في قبره مد بصره، وأن يسكنه فسيح جناته.

 

وإلى شباب الصحوة الإسلامية المباركة، أهدي هذه الكلمات عن بعض ملامح سيرته، راجيًا من الله تعالى أن ينفعهم بها، وأن تكون لهم نورًا على طريق الدعوة:

1- وُلد الحاج/ شحتة القصاص- رحمه الله- في شهر فبراير سنة 1955م في أسرة ريفية متواضعة متدينة، وبدأ حياته الوظيفية في القوات المسلحة المصرية, وشارك في حرب العاشر من رمضان سنة 1393هـ في مقتبل شبابه, وتزوَّج في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية أمًّا فاضلة هي الحاجة "أم وائل"، وأنجب منها سبعة أولاد هم: وائل- له ثلاثة أولاد (عبد الرحمن- مهند- القعقاع), أم سندس- لها أربعة من الأولاد (سندس- أبو بكر- عمر- زينب)، أم رفيدة- لها ثلاثة أولاد (رفيدة- سمية- عمار)، أم نور الدين- لها ولد واحد (نور الدين)، فاطمة متزوجة حديثًا، آمنة، محمد (الصف الثالث الابتدائي الأزهري).

 

2- تعرَّف على دعوة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات، ويعد أحد أعمدة الدعوة في قرية تل بني تميم وما حولها إذ كان أحد المربين الفضلاء الذين ساهموا في تربية الأجيال التي حملت الدعوة في هذه المنطقة المباركة.

 

3- قام الظالمون المتحكمون فينا بإحالته إلى المعاش المبكر لدواعٍ أمنية- كما يزعمون- وهذه الدواعي الأمنية أسميها أنا: جواب قوم لوط ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)﴾ (النمل)، فما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمَا وثباتًا على فكرته، وتفرغ لنشر دعوة الله عز وجل وتربية الأجيال على مبادئ الإسلام وتعاليمه.

 

4- كان- رحمه الله- مواظبًا على أداء الصلوات الخمس في المسجد في الجماعة الأولى، فعهد إليه بالإذن في مسجد الشيخ دياب، فظل يعمل بهذا المسجد مؤذنًا محتسبًا وإمامًا للمصلين لفترة من الزمن، حتى حال الظالمون مرةً أخرى بينه وبين خدمة بيت الله عز وجل، ونزعوا منه مفاتيح المسجد.

 

5- كان- رحمه الله- يؤم المصلين في مسجد الشهيد جمال الدين رياض، ويقيم علاقات متميزة مع رواد هذا المسجد، فحال الظالمون بينه وبين إمامة المصلين في هذا المسجد.
6- كان له دور بارز في إنشاء مسجد الصحابة بقرية تل بني تميم، فقد ساهم- رحمه الله- بالوقت والجهد والمال لإعمار هذا المسجد.

 

7- كان- رحمه الله- أحد المساهمين ماديًّا في أعمال الخير بصفة عامة، وفي أعمال الدعوة بصفة خاصة، ولا يضنُّ بذلك على أحد، ولا يستكثر نفقة أنفقها لوجه الله تعالى.

 

8- ظل بيته مفتوحًا للناس بصفة عامة، ولإخوانه بصفة خاصة، ولم يغلق بابه في وجه أحد، حتى إن إخوانه كانوا يسمون بيته (بيت العيلة)؛ نظرًا لرحابته واستيعابه لأكبر عدد من الزائرين، وكان- رحمه الله- يجود بما عنده لإخوانه، ويدم لهم ما تيسر لديه من الطعام والشراب، وللطعام في بيته مذاق آخر- وإن كان بسيطًا- وللجلوس معه راحة قلَّ أن تجدها مع إنسان آخر.

 

9- قام- رحمه الله- بإخلاء الطابق الأول من بيته لعدد من الإخوة المحفظين لتحفيظ كتاب الله عز وجل، واشترك معهم في تحفيظ الأبناء والبنات، راجيًا الثواب من الله تبارك وتعالى، وقد كلفه الإخلاء جهدًا ومالاً، فباع مصوغات بناته الذهبية، واقترض مبلغًا كبيرًا من المال لتجهيز الطابق الثالث لأسرته.

 

10- كان- رحمه الله- ممن يحيون الليل، يقوم قبل الفجر بساعتين ليقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى، يتلو آيات الله، يتضرع إلى مولاه، ثم يمسك بهاتفه المحمول- وقبل ظهور الهاتف المحمول يتصل من الهاتف العادي- ليوقظ إخوانه لصلاة الفجر، وربما مر على بعضهم بعد الصلاة إذا لم يقابله بالمسجد.

 

11- ربى بناته على العفة والقناعة والحجاب، وبذل في تربيتهن جهدًا كبيرًا، وكان يعتبر تربية الأولاد الركيزة الأولى في حياة الداعية، وكان يرى أن من أهمل تربويًّا من الأيتام فيقول رحمه الله: "ليس اليتيم من مات أبوه ولكن اليتيم من أهملته أمه وانشغل عنه أبوه", ولم يزوج واحدة من بناته إلا لأحد الإخوة الدعاة, فقد كان شرطه الأساسي فيمن يتقدم لإحدى بناته أن يكون من الإخوة الدعاة، وهذا شرط لم أعهده في كثير من الإخوة حاليًّا إذ تغاضى عنه كثيرون، وإذا تقدم إليه واحد من غير الإخوة رفض على الفور مهما كان منصبه ووضعه المادي والاجتماعي، وقد تقدمت إليه أنا خاطبًا إحدى بناته (أم نور الدين) فرحب بي على الفور، رغم أنني لا أملك من حطام الدنيا شيئًا، وقد تقدَّم لخطبتها كثيرون قبلي أفضل حالاً مني ما بين طبيب ومهندس ومحاسب وطيار، فأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه بي.

 

12- اعتقل- رحمه الله- عام 2000م على خلفية انتخابات مجلس الشعب، وأودع سجن أبي زعبل شديد الحراسة، فكان مثالاً للصبر والثبات والرضا, وقد حدثني أن المعاملة في هذا المعتقل كانت سيئة في البداية؛ ولكنها تحسنت تدريجيًّا بعد ذلك بفضل الله أولاً، ثم بفضل حسن معاملة الإخوان لإدارة وضباط هذا السجن, ثم اعتقل- رحمه الله- مرةًَ أخرى من أمام لجنة انتخابية في جولة الإعادة لانتخابات مجلس الشعب 2005م، وصدر له ولمجموعة من إخوانه قرارات اعتقال، وأودعوا بسببها في سجن طرة ما يقرب من شهرين.

 

13- ابتلاه الله بمرض السكر، فصبر على هذا البلاء، وكان يحقن نفسه بالأنسولين صابرًا راضيًا مبتسمًا, ثم ابتلى بالكبد وآلام القولون, فلم يقنط ولم يعترض على قدر الله يومًا, بل كان يتابع مع الأطباء ويحرص على تناول الأدوية وتنفيذ إرشادات الأطباء بدقة عالية.

 

14- كان- رحمه الله- مبتسمًا دائمًا يبتسم ابتسامته الهادئة الصافية في السراء والضراء، ويحمد الله على كل حال, وكان- رحمه الله- متدفق الحنان، يفيض حنانه على كل من حوله من أهله وجيرانه وإخوانه، بل يشمل حنانه خصوم فكرته.

 

15- لم يتخلف عن موعد مع إخوانه, ولما اشتد عليه المرض كان يحضر مع إخوانه ويشاركهم في الحوار والمناقشة جالسًا تارةً ومتكئًا تارةً ومستلقيًا على ظهره تارةً ثالثة.

 

16- كان- رحمه الله- يتابع الفضائيات الإخبارية والدينية, ويتصفح مواقع شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) وينتقى أطايب البرامج والكلمات والأناشيد والمقالات، فيسجلها لديه لتتداول بين أفراد الصف والمجتمع بعد ذلك.

 

17- اشتد عليه المرض في يوم 22 رمضان سنة 1431هـ، فلم يستطع الخروج من بيته، وكلما عاده أحد من أحبابه وسأله عن حاله قال: الحمد لله على كل حال، وكنا نجلس معه، ونتحدث إليه، ويتحدث إلينا, وأذكر أن أحد الإخوة دعاني لإلقاء كلمة في حفل إفطار سنوي مسجدي يوم 27 رمضان، فاعتذرت للأخ عن تلبية الدعوة، وعندما أخبرته بذلك غضب وقال: أنت رمز دعوي، يجب أن تنطلق في كل مكان- أسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنه بي- وفي يوم عيد الفطر المبارك لبس الجلباب الجديد ولم يستطع الخروج لزيارة أهله وأحبابه وإخوانه- كما تعود- فزاره كل هؤلاء في بيته، واستقبلهم، ورحَّب بهم بابتسامته المعهودة، وشاء الله أن تفيض روحه إلى بارئها في ثاني أيام عيد الفطر المبارك بعد صلاة العشاء في لحظات معدودة, خرجت روحه سهلة تسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء, فقد عاش رحمه الله سهلاً سمحًا بسيطًا متواضعًا رقيقًا رفيقًا حانيًا سخيًّا ثابتًا راضيًا صابرًا.

 

18- طار خبر وفاته إلى أحبابه وإخوانه متأثرًا جدًّا، ولم يملك أكثرهم عينيه فبكى وانتحب على فراق الوالد الكريم- رحمه الله- وصلينا عليه صلاة الجنازة في العاشرة من صباح ثالث أيام عيد الفطر المبارك، خلف زوج ابنته الكبرى الشيخ حامد عبد الفتاح العسيلي, ونعاه عند قبره، ودعا له بالمغفرة والرحمة أخوه الدكتور محمد عماد الدين صابر، وسط حشد هائل من إخوان محافظة القليوبية لم تشهده قريتنا من قبل.

 

19- هذه هي الدنيا وهذا قدر الله, لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار، فلنصبر ولنحتسب, نسأل الله أن يأجرنا في مصيبتنا خيرًا, وأن يخلفنا خيرًا منها, وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

20- اعتبروا يا أولي الأبصار, عودوا إلى الله وعيشوا بالإسلام وللإسلام, ويا شباب الصحوة: هذه الراية التي تسلمها والدكم الحاج/ شحتة القصاص- رحمه الله- قد سلمها لكم؛ فحافظوا عليها حتى تسلموها لمن بعدكم.. عسى الله أن يجعل نصر الإسلام على أيديكم.

 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾ (يوسف).. والله أكبر ولله الحمد.