تعالت الأصوات، وتسابقت الصيحات، وتشابكت الانفعالات، وتباينت المقالات بعد قرار الإخوان المشاركة في الانتخابات، ولا أدري لماذا كل هذا؟! فبعيدًا عن التخطئة أو التصويب لهذا الرأي أو ذاك نقول:

 

أولاً: إن قرارًا كهذا بالمشاركة في الانتخابات من عدمه يُعَدُّ من قبيل المصالح المرسلة أو الأمور الاجتهادية التي يلزمها دراسة، ومشورة، وقراءة متأنية للواقع، وترجيحًا للمصلحة ونحو هذا، ثم بعد ذلك يكون القرار.

 

في هذه المرحلة: مرحلة اتخاذ القرار يجب أن يكون الذي يشغلنا هو شيء واحد: هل الآلية والطريقة التي يُتَّخذُ بها القرار هي ما يجب أن يكون؟ وهل مَنْ يَتَّخِذُ القرار هو المنوط به ذلك أم لا؟

 

إذا اطمأننا إلى ذلك تبدأ مرحلة ثانية: مرحلة ما بعد اتخاذ القرار، في هذه المرحلة لا يتم الحكم على القرار، فلا نناقش القرار من ناحية الخطأ والصواب، أو نُخَطِّئَه لمجرد أننا نرى غيره، ولكن يجب العمل بمقتضى هذا القرار بكل ما أوتينا من قوة.

 

وبعد انتهاء العمل تأتي مرحلة ثالثة: وهي مرحلة المراجعة والتقييم، لا من أجل أن نُثْبِتَ أننا كنَّا على الحق عندما عارضنا من قبل، ولكن لنصَوِّب ونُطوِّر ونحقق الأمثل، مع يقيننا التام في هذه المرحلة أيضًا، أن مُتَّخِذِي القرار في مثل هذه الحالة مأجورون على أي حال، فالمخطئ في اجتهاده لا يُحْرم الأجر كما نعلم.

فمن ذا الذي ما ساء قط       ومن له الحسنى فقط

 

وبمراجعة الواقع، وتدبر الحال، وتحري الإجراءات، وتخليص النيات، نجد أن القرار اتُّخِذَ وفقًا للمؤسسات الشورية والإدارية والفنية في الجماعة، وبالتالي فمناقشة القرار الآن لا محل له من فقه الدعوة، ولا أسس التنظيم، ولا قواعد الثقة، ولا حتى قواعد الإعراب.

 

ثانيًا: عندما نُقَيِّم الأمر بهدوء ورَوِيَّة وإنصاف من النفس، نجد أن الأصل في منهاجنا الفكري والدعوي هو المشاركة في مثل هذه الأحداث، والأعمال المهمة والمؤثرة في حياة الأمة لسنين قادمة، والمقاطعة استثناء، فإذا فعلنا الأصل، فالطبيعي أن لا يتم التساؤل لماذا! فهذا حق لنا مارسناه، وإذا فعلنا الاستثناء، هنا تكون المراجعة والتساؤلات، لأن الاستثناء يستوجب حالة استثنائية تقتضي العمل بهذا الاستثناء.

 

وبتأملنا للواقع الآن: ما هو الجديد؟ ومتى كان دخولنا للانتخابات في ظروف غير التي نعيشها؟ ومتى كنا نَبْني مواقفنا على حال النظام معنا لينًا أو شدةً؟ وهل كان النظام الفاسد المستبد يومًا راضيًا أو ساكتًا عن أنشطتنا التربوية أو الدعوية أو الخدمية أو الخيرية أو السياسية أو غيرها؟ وهل موقف أمريكا أو الغرب من نزاهة الانتخابات أو عدمها هو الذي يجعلنا نتخذ هذا الموقف أو ذاك؟

 

لا أعتقد ذلك، فنحن نقدِّر المصلحة العامة لوطننا أولاً، ثم مصلحة دعوتنا ثانيًا، وإن كانت المصلحتان لا تفترقان، ثم نأخذ قرارنا.

 

وأضف إلى ذلك حال التردي والهوان الذي وصلنا إليه في كل القطاعات ومرافق الدولة، وكذلك رغبة النظام الجامحة في تعميق روح اليأس والانهزامية في نفوس الناس، ومحاولة إجهاض كل محاولة للإصلاح والتغيير نقوم بها نحن أو يقوم بها غيرنا.

  يا مصر حتى متى نعنوا لهم إبلا  لجَّ الذئاب وبات الليل مُتَّصِلا

عصابة من رفاق السوء تحكمنا  قد أرهقت شعبنا من حكمها عِللا

الناس من هونهم ملوا حياتَهُمُ  وغدا شعبنا في سوئه مثلا

في مصر للتهم النكراء قائمة   إن لم تكن هذه فبأختها بدلا

من قال أف كأن قد قال منكرة   أو قال واهٍ ثوي في السجن معتقلا


 فهل نترك الميدان- وهذا هو ما كان يتمناه هذا النظام- في هذا التوقيت، وندع النظام يكذب ويتحرَّى الكذب بأنه أجرى انتخابات حرة ونزيهة، وهي في الواقع ستكون انتخابات ينافس فيها النظام نفسه، ولكن في شكل أحزاب رَضِيَت أن تبيع الوطن بحفنة من المقاعد مَنَّ عليه النظام بها؟!.

 

ثالثًا: ما فائدة المقاطعة مع نظام عُرِف بالصفاقة، وعدم الحياء وغياب المروءة، ولديه جهاز إعلامي قادر ومتمرس على قلب الحقائق وتزييف الواقع؟.

 

ولو قارنَّا ما حدث في الأردن من مقاطعة الإخوان للانتخابات هناك، والموقف هنا في مصر، لوجدنا بونًا شاسعًا، فبالرغم من تشابه النظامين في كثير من الرؤى حول قمع المعارضة وتكميم الأفواه، إلا أن النظام الأردني هناك لديه من الحياء والمروءة ما جعله يغازل الإخوان، ويحاول إثناءهم عن اتخاذ قرار المقاطعة، إلا أن الإخوان اتخذوا قرارهم بالمقاطعة، فحاول النظام أن يمنع الإخوان من تبنِّي المقاطعة مع الغير، كل ذلك ليقين النظام الأردني هناك بأن المقاطعة تحرجه وتسيء إلى سمعته، أما عندنا فالوضع مختلف تمامًا، وأنتم أعلم بالحال من المقال في هذا.

 

رابعًا: لا غرابة أبدًا، ولا إنكار على كل من كان يريد عدم المشاركة، فهذه وجهة نظر لها اعتبار، وكما أن هذه أيضًا هي طبيعة النفس البشرية التي لا تود النزال، ولا المواجهة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 7).

 

ولكن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾ (البقرة).

 

صحيح أن الانتخابات ليست بقتال، فالقتال هو أعلى صور الجهاد لتحقيق الأهداف العالية والسامية للدعوة الإسلامية، ولكنها صورة من صور الجهاد والصدع بالحق لتحقيق غاية نبيلة، وهي إخراج هذا الوطن مما هو فيه من فساد واستبداد إلى حيث شريعة العدل والرحمة.

 

 وبالرغم من احترام وتقدير هذا الرأي الآخر، إلا أنه يبقى في النهاية أننا جماعة لها مؤسساتها التي يجب أن نثق بها ونلتزم بقراراتها.

 

 خامسًا: لا شك أن القاسم المشترك بين غالب الدعوات التي كانت تتمنى عدم المشاركة هو أمران: النظام سيزور الانتخابات، والتضحيات ستكون غالية.

 

نعم قد يحدث هذا، ولكن أليس هذا حق لنا نمارسه؟ وعندما يمنعك أحد من حقك، هل تستسلم له وترضى بالأمر الواقع؟! فأين سنة التدافع في الكون، التي تمارسها جميع الكائنات، أو ليس يقول ربنا مبينًا ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: من الآية 251).

 

ثم بعد ذلك فنحن نعلم أن الأجر على قدر المشقَّة، وعلى قدر التضحيات تكون الأعطيات من رب البريات، فالله لا يضيع عنده عمل أُرِيدَ به وجهه سبحانه.

 

ومن هنا فنحن نعمل ونجتهد ونحتسب ما يصيبنا عند الله سبحانه وتعالى ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً(104)﴾ (النساء).

 

فلننطلق للعمل إذًا وأمامنا هذا النموذج القرآني: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ(20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ(21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ(22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(23)﴾ (المائدة).

أسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب ويحقق الآمال.. اللهم آمين.