المنطلقات

يحدد الأستاذ البنا عددًا من المنطلقات الحاكمة للفكر السياسي في مشروع النهضة.. فمثلاً يؤكد حقيقة كون المسلم سياسيًّا من منطلق إسلامه فيقول: "هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل، ولمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيًّا بعيد النظر في شئون أمته، مهتمًا بها غيورًا عليها، وأستطيع كذلك أن أقول إن هذا التحديد والتجريد أمر لا يقره الإسلام وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشئون أمتها السياسية، وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام".

 

أ- شمولية الإسلام تفرض العمل السياسي:

ولتأكيد هذه الحقيقة، يقرر شمولية الإسلام كدين ونظام حياة كامل يشمل بالقطع الجانب السياسي فيقول: (كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحيين.

 

وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك أن الإخوان المسلمين هيئة سياسية؛ لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة، والحرص على قوميته إلى أبعد حد) (المؤتمر الخامس).

 

ب- الدولة ممثلة للفكرة:

فيقول: (اعتبار الدولة ممثلة للفكرة، وقائمة على حمايتها، ومسئولة عن تحقيق أهدافها في مجتمعها الخارجي، وإبلاغها إلى الناس جميعًا... دول إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس ) (بين الأمس واليوم).

 

ج- لا يسع المسلم إهمال التنفيذ:

وتحت عنوان "نحن والسياسة" يؤكد سياسية الحركة كنهج صحيح للإسلام، وتطبيق دقيق لمنهجه، إصلاحًا للأداة التنفيذية، وإقامة للدولة الإسلامية، وفي ذلك يقول: (إننا سياسيون، بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه، وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية لإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك) (المؤتمر السادس).

 

د- على الأمة مطالبة حكامها بحقوقها الإسلامية:

يحث الأمة على المطالبة بحقوقها الإسلامية منها السياسية فيقول: (وكلمة لا بد منها في هذا الوقت هي أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومة من الحكومات التي عاصروها، من ينهض بهذا العبء، أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية، فلتعلم الأمة ذلك، ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية، وليعمل الإخوان المسلمون) (المؤتمر الخامس).

 

هـ- الإقناع ونشر الدعوة، والنضال الدستوري... الوسيلة الأسلم للمجتمع:

ويحدد لتحقيق هذه الغاية بنشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ومن خلال الاشتراك الفاعل في الحياة السياسية فيقول: (أما وسائلنا العامة فالإقناع، ونشر الدعوة بكل وسائل النشر... ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت الدعوة في الأندية الرسمية، وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيقوم مرشحو الإخوان حين يجئ الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله من النجاح ما دمنا نبتغي وجه الله) ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).

 

و- الحكومة ركن من أركان الإسلام:

وأخيرًا يشيد في إيضاحه لموقف الإسلام من الحكم على حقيقة أن الحكومة ركن من أركان (النظام الإسلامي) فيقول: (وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، كما قال الخليفة الثالث "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم من عرى الإسلام والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع، فلإسلام حكم وتنفيذ. رسالة المؤتمر الخامس.

 

ويؤكد الإمام هذه الحقائق التي تنبثق جميعًا من مبدأ أن السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام والنظام الاجتماعي الإسلامي، وهذا يتضح جليًا في كتاباته ومن أمثلة ذلك ما يلي:

 

1- الإسلام وضع إطارًا سياسيًّا فيه سعادة الدنيا وصلاح الآخرة: وهنا يحدد الأستاذ البنا الغاية السياسة للإسلام فيقول:

يا قومنا: لا تحجبكم الألفاظ عن الحقائق ولا الأسماء عن الغايات ولا الأعراض عن الجواهر، وإن للإسلام لسياسة في طيِّها سعادة الدنيا وصلاح الآخرة، وتلك هي سياستنا لا نبغي لها بديلاً، فسوسوا بها أنفسكم، واحملوا عليها غيركم تظفروا بالعزة الأخروية ولتعلمن نبأه بعد حين. (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).

 

2- الإسلام لا يفصل بين الدين والسياسة: ثم يقرر الأستاذ البنا أحد الثوابت الإسلامية وهو عدم الفصل بين الدين والسياسة فيقول:

"قلما تجد إنسانًا يتحدث عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كلَّ واحدٍ من المعنيَيْن في جانب، فهُما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومِن هنا سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماعٌ دينيٌّ لا سياسةَ فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومنهاجها (لا تتعرض للشئون السياسية).. فحدثوني بربكم أيها الإخوان: إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة، وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة.. فما هو إذن؟!

 

أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟! ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89) (رسالة طلبة الإخوان المسلمين).

 

3- السياسة والحكم أصل من أصول الشريعة لا ينفصلان عن بقية الأصول: ويفصل الأستاذ البنا كون السياسة أصلاً من أصول الشريعة فيقول:

 

"يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهو لا يقر الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام يقول تعالى ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: من الآية 49) فمن ظن أن الدين- أو بعبارة أدق الإسلام- لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بهذا الإسلام، ولا أقول ظلم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة والسلطة حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روح فيها، كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها" (رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام: 1- نظام الحكم).

 

4- السكوت عن الحكم جريمة، والمطالبة به واجب إسلامي: ثم يحذر الأستاذ البنا من جريمة السكوت على عدم تطبيق شرع الله ويحث المصلحين الإسلاميين على المطالبة بهذا الهدف فيقول: "وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم عروة من عرى الإسلام، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ... ".

 

فقد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاءً لأوامر الله وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالاً لآياته وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم: أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في وادٍ والتشريع الفعلي والتنفيذي في وادٍ آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف (رسالة المؤتمر الخامس).

 

5- الاعتدال والعقلانية في منهجية التعامل مع مسألة الحكم: وأخيرًا يقرر بوضوح شديد أن غاية الإخوان المسلمين ليست الحكم، وإنما غايتهم تطبيق شرع الله وفي هذا يقول: "وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة مَن يستعد لحمل هذا العبء، وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

 

وعلى هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا بمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تُنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة" (رسالة المؤتمر الخامس).

 

من هذه المنطلقات شديدة الوضوح حدد البنا الفكر السياسي القائم على فهم صحيح للإسلام كمنهج حياة كامل وشامل، والذي يحدد بدوره سياسية حركة الإخوان المسلمين، ويحكم بالتالي مشروع النهضة وعملية بناء الدولة الإسلامية النموذج.