د. أحمد دراج

 
تعد الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية القادمة أهم حدثين خلال ستة عقود مضت منذ قيام ثورة يوليو وحتى اليوم؛ لأنه سيتوقف عليهما- غالبًا- مستقبل أجيال قادمة ولفترة طويلة، ويؤكد المراقبون أن إتمام عملية توريث الحكم بالدم سوف يجر على البلاد ويلات وكوارث لا يعلمها إلا الله، وهذا ليس رجمًا بالغيب، ولكنه استشراف للمستقبل من خلال عدد من المعطيات والمقدمات والشواهد البادية للعيان، ويكفي أن نضع الأحداث التي مرت خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بجوار بعضها البعض على طاولة البحث على قطع البازل لاستكمال الصورة المجزأة التي رسمت للمنطفة بعناية شديدة، ووظف لها الصهاينة وحلفاؤهم من العرب كل مقومات النجاح.

 

القطعة الأولى: موقف الدوائر الأمريكية والصهيونية

يثير دعم الدوائر الصهيونية السياسية والدينية ومراكز صنع القرار في الغرب لاستمرار مبارك وحزب التزوير الحاكم استياء واشمئزاز القوى الوطنية المصرية، وتكشف الدراسات والأبحاث والمقالات في الصحف الصهيونية والأمريكية عن توجه عام نحو فرض التوريث من خلال آليات التزوير المعروفة كأمر واقع على الشعب المصري؛ رغم خطورته البالغة على مستقبل البلاد.

 

وينطلق هذا الموقف الانتهازي للإدارتين الأمريكية والصهيونية من رغبة جامحة لتحويل النظام المصري من تابع ذليل إلى منطقة نفوذ مطلق يعمل على محورين؛ هما: تصفية القضية الفلسطينية على مراحل متعاقبة، وتأهيل الشعوب العربية للهيمنة الصهيونية سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، وقد بذلت جهود حثيثة لابتزاز نظام مبارك بوضعه تحت ضغوط مستمرة لاستشراف واختبار إمكانية الوريث في خدمة الأهداف الإستراتيجية للمشروع الصهيوأمريكي الذي فشل في العراق ولبنان وغزة، وتبين لهم أن الفرصة السانحة لتحقيق أهدافهم يتمثل في الأول: وصول ضعف الدولة المصرية وفساد مؤسساتها في ظل سيطرة رجال النهب العام الموالين لجمال مبارك إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ حتى صار الفساد دولة.

 

والثاني: أن شخصية الوريث يكتنفها ضعف شديد ورغبة عارمة في الاستحواذ على المال والسلطة؛ مما يجعله صيدًا سهلاً للسيناريو القادم على عجل، وهو ما يخدم الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في: إحكام السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على المنطقة العربية، بما تملكه من ثروة بترولية وغازية هائلة وأسواق استهلاكية مفتوحة على مصاريعها للبضائع الأمريكية والغربية والصهيونية.

 

القطعة الثانية: موقف النظام المصري

أقدم النظام المصري وحزبه الحاكم على انتهاج عدد من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المناهضة لمصلحة الشعب المصري، والتي تصب بشكل مباشر لصالح الدولة الصهيونية، سواء بعقد اتفاقيات الكويز وبيع الغاز والبترول بأسعار بخسة في الخفاء تحت الطاولة، ولمَّا انكشفت تلك الخديعة وظهر أثرها على سعر الطاقة والغاز وانقطاع التيار الكهربائي عن مدن وقرى مصر؛ كان النظام أكثر وقاحةً وتبجحًا مع شعبه برفض تنفيذ الحكم القضائي والاستشكال عليه؛ حفاظًا على دعم الطاقة للعدو الصهيوني، واستيراد ما نقص من الطاقة بأسعار باهظة من الدول المجاورة، أو بالحرص على عدم الاكتفاء الذاتي من القمح لدعم المزارع الأمريكي ومحتكر الحبوب المصري؛ لاستيراد هذه السلعة الإستراتيجية بأسعار فوق طاقة المواطن المصري المنهك بالأسعار الفلكية.

 

كما قام النظام الحاكم ببناء الجدار العازل بين رفح المصرية وأختها الفلسطينية؛ امتثالاً لرغبات العدو الصهيوني لإحكام الحصار حول مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة؛ لتخييرهم بين استسلام المقاومة أو انتظار القتل البطيء جوعًا.

 

القطعة الثالثة: رحلات وتساؤلات

لماذا سافر جمال مبارك إلى أمريكا لحضور تدشين المباحثات المباشرة بين نتنياهو وعباس رغم انتفاء الصفة الرسمية عنه؟!، ولم صمتت معظم الصحف المصرية صمت القبور عن لقائه بمجرم الحرب رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو؟!، ولماذا يصر الصهاينة في كل من الكيان الغاصب والإدارة الأمريكية على دعم توريث حكم مصر لمبارك الابن سرًّا وتصنع الحياد علانية؟!، وهل يمكن أن يكون مثل هذا الدعم حبًّا في الشعب المصري ورغبة منهما في نهضة مصر ورفاهيتها؟! أم رغبة في استكمال سلسلة التفكيك الانشطاري لمؤسسات الدولة المصرية وتهويدها والقضاء على ما بقي فيها من روح لمقاومة الفساد والعفن؟!، وما سر صمت الدولة المصرية ومؤسساتها الأمنية على تجاوزات الأنبا بيشوي والتفاف البابا على الدستور والقانون؟!.

 

القطعة الرابعة: الحزام الناسف

تتضح معالم هذا الشكل في المستقبل القريب عندما ينفصل جنوب السودان عن شماله طبقًا لرؤية الإدارة الأمريكية والغربية، وبصمت مريب من جهات ونظم حكم عربية، أبت إلا أن تخضب يدها بدم القطر الشقيق كما فعلت في احتلال العراق، هذا الحزام الذي يلتف بهدوء سينفجر في خاصرة العرب وأولهم من سينال منهم المستقبل السياسي والاقتصادي للنظام المصري.

 

لقد استطاعت الإدارة الأمريكية اختراق المجتمع المصري وزرع عوامل الانهيار في مؤسسات الدولة ومرافقها من خلال برنامج المعونة المشروطة منذ اتفاقيات كامب ديفيد، وأثناء حكم الرئيس مبارك على امتداد ثلاثين عامًا، فهل ينتظر الشعب المصري حتى يكتمل مخطط تدمير مصر الناعم بعد لف الحزام الناسف حول خاصرتها؟!.

------------

* [email protected]