كتب الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله في مجلة لواء الإسلام (العدد الثاني)، (السنة 42) شوال 1407هـ يونيو 1987مـ وثيقة مهمة حول دخول الإخوان الانتخابات وجدوى ذلك على الحركة الإسلامية والمجتمع المسلم..

 

وأجاب في تلك الوثيقة عن التساؤلات المثارة دائمًا كلما تجدد موعد الانتخابات البرلمانية:
هل الانتخابات حدث جديد على طريق الدعوة؟

ما الهدف من دخول الانتخابات؟

وما مكانتها في مراحل السير على الطريق؟

وهل يمكن أن يكون لها تأثير على منهج العمل؟

وما أثرها على قضية التربية؟

وما هو التقويم الحقيقي للمعركة الانتخابية؟

وما هي الدروس المستفادة من الانتخابات؟

 

فقال رحمه الله:

قبل أن نبدأ في الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها نحب أن نوضح أننا حينما نسعى لتطبيق شريعة الله لا يعني أننا نقر أخذ رأي أعضاء مجلس الشعب على شريعة الله وعلى مدى صلاحيتها للتطبيق، ولا يجوز أن يدور ذلك بخلد أحد من الناس، إذ لا يجوز في حق الله أن نأخذ رأي خلقه في شرعه على الإطلاق؛ لأننا نعتقد أن شريعة الله جاءت لتطبق، والحاكم عليه أن يلتزم بها، وأهل الرأي أو الشورى يحاسبون الحاكم على تطبيقها على الوجه الصحيح، وإذا كان ثمة حوار أو رأي فيكون حول طريقة التطبيق وما يستلزمه من إجراءات أو مؤسسات.

 

كما أننا لا نقر أن من حق مجلس الشعب أن يقرر قوانين تخالف الأصول الشرعية أو أن يشرع بجانب تشريع الله، ولا يعني أيضًا دخولنا مجلس الشعب موافقتنا على كل مواد الدستور، وعلى كل القوانين القائمة، ولكننا نرفض كل مادة في الدستور تخالف شرع الله، ولا نقر أي قانون مخالف لشريعة الله، ونسعى لإلغاء كل هذه المواد والقوانين المخالفة لتحل الشريعة كاملة محلها.

 

أما عن التساؤل الذي يقول: هل دخول الانتخابات حدث جديد على طريق الدعوة؟

 

والإجابة عليه واضحة وأنه ليس بجديد، فقد رشَّح الإمام البنا نفسه لمجلس النواب في دائرة الإسماعيلية، وكذا بعض الإخوان في عهده في دوائر أخرى، وضغط الإنجليز على الحكومات القائمة، لتحول دون نجاحهم وحدث التزوير، ولم يتم نجاح أحد من الإخوان.

 

وقد شارك الإخوان في الانتخابات في عهد السادات ونجح بعضهم، وحل السادات ذلك المجلس للتخلص منهم، وحينما أعيدت الانتخابات حيل بين دخول الإخوان مجلس الشعب بالتزوير.

 

أما عن التساؤل الذي يقول: ما الهدف من دخول الانتخابات؟

فنقول: هو الاستفادة من فترة الدعاية الانتخابية أولاً في تبليغ دعوة الله إلى الناس، وإفهام المسلمين شمولية الإسلام وأنه منهاج كامل لحياة الناس لصالح دنياهم وأخراهم، وإزالة ما رسب في أذهانهم من حصر الإسلام في طقوس وعبادات، وإبعاده عن تنظيم كل جوانب حياة الناس وتعريفهم أنه نظام محكم دقيق بديع لأنه من عند الله الحكيم الخبير.

 

نريد من خلال المنبر المسموع الكلمة ومن خلال الحصانة الممنوحة لأعضائه أن نوضح معنى الإسلام هو الحل، وأن يتحقق الاقتناع بذلك على كل المستويات، وأن نلاحق الأفكار الخاطئة التي حملها المبشرون والمستشرقون والعلمانيون على بلادنا ومعاهدنا التعليمية والتي تمسخ صورة هذا الدين الحق وتحاول أن تنال منه، وأن نتصدى للفلول الباقية من هذه النوعيات الغربية وما يبثونه من سموم كتاباتهم، ونحن مطمئنون أنهم لن يصمدوا أمام الحق الذي جاء به ديننا الإسلام، وقد قلنا لهم ونقول لا تقاوموا التيار ولا تحطموا رءوسكم على صخرة الحق.

 

هكذا نهدف إلى الدعوة إلى الله وإلى شريعة الله ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونعمل على تغيير المنكرات السائدة في هذا المجتمع عن طريق هذا المنبر، وما يتاح لنا من صحف أو مجلات وإبراز آثارها التدميرية على أبناء الوطن وأسره وعلى المجتمع كله.

 

ونحدث التحول الكامل في أذهان الجميع بالتوجه إلى الله وإلى شريعة الله ونبذ ما عداه من مبادئ وتشريعات، هذا التغيير الجذري في النفوس أمر لازم لكي يتحقق التطبيق الصحيح للشريعة، وإذا أضفنا أنه قد سدت أمامنا معظم النوافذ التي كنا نطل منها على الجماهير فكان في دخولنا الانتخابات تعويض لا بأس به.

 

وفي المجلس يقوم نوابنا بمحاسبة الحكومة عن تصرفاتها وسياستها وترشيدها لما فيه خير الوطن والمواطنين في ضوء التشريع والنظام الإسلامي ما أمكن.

 

ونحن نعلم أنه طالما الأغلبية للحزب الحاكم فستكون الاستجابة لمطالبنا محدودة. ولكن هذا لا يمنعنا من إعلانها والإعذار بها أمام الله ثم أمام الشعب، فإن استجابت الحكومة فذلك خير، وإن رفضت فسيكون ذلك رصيدًا لنا عند الجماهير بما يترك ذلك من انطباعات إيجابية نحو نوابنا وعكسها عن نواب الحزب الحاكم.

 

معلوم أن من مراحل العمل على طريق الدعوة إعداد الفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم، والانتخابات وكل ما يتصل بها خارج وداخل المجلس تؤدي دورًا رئيسيًّا بالنسبة لمرحلة المجتمع المسلم المطلوب، بأن يتهيأ المجتمع ويتوحد حول التمسك بدين الله والإصرار على تطبيق شريعة الله، حيث يقوم النواب بتوعية أبناء دوائرهم ودعوتهم إلى الالتزام بتعاليم الإسلام في أنفسهم وفي بيوتهم، ويوضحوا لهم أنه لا حل لكل مشاكلهم ومتاعبهم بكل أنواعها إلا الإسلام وتطبيق شريعة الله، وحينما تتم التوعية بصورة جيدة على مستوى الجماهير فسيتحقق بعد ذلك تطبيق شرع الله بإذن الله.

 

وتساؤل آخر: هل يكون للانتخابات تأثير على قضية التربية؟

 

فأقول: إن المشاركة في الانتخابات والدعاية المصاحبة لها هي لون من ألوان التربية والإعداد لأبناء الحركة، حيث يتمرسون على تبليغ الدعوة إلى كل طوائف الشعب وفئاته واكتساب خبرة في مجال نشر الدعوة، وترويض النفس على الحلم وسعة الصدر ولين الجانب مع كل النوعيات التي نواجهها في الانتخابات حتى من يجهلون علينا ويتعرضون لنا بالأذى، فتمرس كيف نقابل جهلهم علينا بالحلم والصبر، كذلك التمرس على دعوة الأميين بعد أن تمرس الكثير منا على دعوة المثقفين.

 

وما تعرض له بعض شبابنا من اعتقال أثناء الانتخابات فإن هذا الاعتقال له أثره التربوي الهام في النفوس، ففيه ترويض للنفس على الصبر والتحمل والرضا بقضاء الله، فالسجن مدرسة لها دروسها الخاصة والتي لا يسهل الحصول عليها في غيره.

 

والانتخابات لا يجوز أن تشغل عن التربية الروحية التي تعتبر بمثابة الزاد على الطريق، فأداء العبادات وتلاوة القرآن وقيام الليل وذكر الله وغير ذلك من وسائل التربية يجب المحافظة والدوام عليها في كل أحوالنا ولا يشغلنا عنها شاغل مهما كان هامًّا.

 

وتساؤل آخر وهو: ما الدروس المستفادة منها؟

من الدروس التي يجب أن نستفيد منها هو الاطمئنان إلى أصالة التدين في الشعب المصري، وأنه رغم المخططات الرهيبة التي تآمر أعداء الإسلام في الخارج والداخل للنيل من هذا التدين ومحاولة صرف الشعب المصري عن جوهر دينه بكل ألوان الحرب والغزو، ولكنه حينما دعي إلى الالتفاف حول الإسلام كحلٍّ شامل لكل مشاكله وكواجب ديني عليه أن يؤديه بمناصرة العاملين للإسلام والمطالبين بشريعة الله، إذا به يلبي النداء، ويقبل في إصرار وعزم صادق.

 

فالواجب علينا أن نقرر ذلك ونقدم لهذا الشعب المسلم الكريم الدليل العملي على إخلاص التيار الإسلامي لهذا الشعب وحرصه الشديد على تقديم الخير له ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وأن نزيل كل آثار التشويه والتهم الباطلة التي ألصقت بالإخوان والعاملين للإسلام من قبل الأنظمة الطاغية تبريرًا لبطشهم ومحاولاتهم الفاشلة للحد من هذا المد الإسلامي والقضاء عليه.
ويجب أن نستفيد من الانتخابات تجربة الممارسة وما فيها من خبرات تفيدنا في المستقبل، فالانتخابات فن له قواعده وأصوله وخبراته ومتطلباته.

 

علينا أن ندفع أفراد الشعب الذين قد داخلهم شيء من اليأس في إصلاح أحوال هذا الوطن، ندفهم إلى التخلص من السلبية وندعوهم إلى الإيجابية، ومن منهم لم يقيد نفسه في جدول الانتخابات فعليه أن يسارع إلى تقييد نفسه عندما يفتح الباب لذلك في شهر ديسمبر القادم بإذن الله.

 

ومن الدروس المستفادة من المعركة الانتخابية أنها كشفت لنا الجهات والعناصر المعادية للإسلام، ومن بدت البغضاء من أفواههم وأقلامهم وما يخفون في صدورهم من غيظ وحقد أكبر، وظهر لنا أن أسلوبهم في هجومهم على التيار الإسلامي لا يقوم على منطق سليم ولكن على مغالطات وأضاليل لم تعد تنطلي على الرأي العام الذي صار من الوعي الذي يجعله يرفض هذا الأسلوب.

 

ومن الدروس المستفادة أيضًا أن المعركة الانتخابية كشفت لنا عن أقلام مؤمنة صادقة تدافع عن الإسلام وأبنائه العاملين، وتفند أباطيل أعدائه ومن أفزعهم بروز التيار الإسلامي وتجاوب الشعب معه، أكثر الله من أمثالهم.