نام الشاب ليلته يئن من العبء الثقيل، الذي أرق ليلته، ولم ير فيها النوم، فهو يتذكر مشهد الصندوق الانتخابي والكشوف الانتخابية ورؤساء اللجان، والأرقام في مخيلته تتكرر كأنها عاصفة في يوم شديد الرياح، حاول الشاب أن ينام ليلته، ويرتاح من يوم انتخابي عصيب، إلا أن صورة عشرات البطاقات من التصويت التي قام بتسويدها، لم تفارق مخيلته، فقد استطاع بمفرده تسويد مئات البطاقات في أقل من ساعة، دون أن يرتجف له جفن، أو ترتعش له يد.

 

لم يكن يعلم أن لديه تلك القدرة في سرعة، ودقة التسويد، فعملية التسويد لمرشحين اثنين فقط تحتاج إلى دقة كبيرة، ومقاومة إغراءات اختيار مرشح، بخلاف الهلال، والجمل تحتاج إلى قوة إيمانية عظيمة، كإيمان أولي العزم من الرسل، فتعيين نجله في شركة محترمة، وتسهيل سفر الثاني إلى إحدى الدول العربية، واستخراج رخصة قيادة، وزواج ابنته من شاب ثري يتوقف على نجاح مرشح بعينه في الانتخابات، لذلك لم يهتز من نظرات الترقب،  بل دفعه انبهار من حوله به إلى ثقة عجيبة في نفسه، فردود الأفعال التي ترقبه كانت تزيد سرعته، وكفاءته في التسويد، وكان كل من حوله يشجِّعه حسب قدرته، فمنهم من كان يهتف له، وآخر يصفق، وثالث يصلي ويقنت داخل اللجنة، ويدعو له بدقة التسويد.

 

تخيل الشاب أثناء نومه أن ضميره يصحو، وطارده ذلك عدة نوبات، لكنه هز رأسه وطرد ذلك الخاطر من أم رأسه، حتى شعر بارتطامه في جانب السرير، فقام من نومه مفزعًا، ويصرخ ولكنه استعاد ثقته بنفسه، بعد أن اطمئن إلى أنه يحلم، وأدرك انتهاء الانتخابات وهز رأسه فرحًا.

 

استيقظ الشاب مبكرًا، وتصفح الجرائد، وفوجئ بصورته تتوسط إحدى الجرائد، وفي يده بطاقات يقوم بتسويدها، لكنه سرعان ما أقنع نفسه بأنه ليس مشهورًا، حتى يعرفه كل من يرى صورته في الجريدة، فتناسي الأمر، ولم يكترث، وأقنع نفسه بأن ذلك قضاء الله، وأن ذلك ليس إلا ابتلاءً ربانيًّا، وعليه أن يصبر ويحتسب الأجر والثواب عند الله.

 

حاول الشاب متابعة آخر أخبار الانتخابات، ففوجئ بـ"الريموت" يفتح على إحدى القنوات الفضائية المهتمة بالأخبار الانتخابية، والتي ترصد آخر مستجدات الأحداث الانتخابية، ففُوجئ بها تتحدث عن أحداث تزوير وبلطجة.

 

هكذا امتلأت حياة الشاب بأحداث ذلك اليوم الانتخابي، وهو يتابع بمنتهى الاهتمام صدى ذلك اليوم، الذي لا يزال مقتنعًا بأنه أدى ما عليه، وأنه قضاء الله النافد وقدره الذي لا يرد.

 

وفي إحدى لحظاته دفعته نفسه إلى تلبية نداء الصلاة، فذهب إلى المسجد، فوجد أعدادًا غفيرةً تلتف حول رجل، وتقوم بتهنئته، والتفت إليه ليقوم بتهنئته فاستقبله الرجل بوجه سعيد تغمره الفرحة، فأذهلته المفاجأة، فالرجل هو المرشح الذي قام بالتزوير ضده، فسقطت منه يده عندما صافحه، لكنه سرعان ما تدارك الموقف دون أن يشعر به من حوله، فصوت الرجل الذي اعتاد سماعه يدافع عن حقوق الناس، والذي ساعده في تشغيل أبنائه، وكان المئات بصفة دائمة في مكتبه، هو الذي قام بتسويد الانتخابات لصالح منافسه، ولم ينقذه من ذلك إلا صوت المؤذن يقيم الصلاة، فدخل في صلاته، وعاش مع تلاوة الإمام في الصلاة، وقرر أن يعيد التفكير في ذلك اليوم.