إن هذه الخواطر والمشاهد السريعة لن توفي هؤلاء الرجال القدوة حقَّهم، ولكن لعلها تفي لنا ببعض الزاد التربوي الذي يزيدنا ولاءً وثباتًا وحبًّا لهذه الدعوة المباركة، أو تُوضِّح لنا بعض معالم طريق الدعوة والجهاد في سبيل إقامة هذا الدين أو تزيدنا يقينًا بحتمية التمكين لدين الله في الأرض أو لعل هذه الخواطر تكون دافعًا للإخوة لأن يكتبوا عمن عايشوهم من إخوانهم فتكون زادًا لنا ولمَن بعدنا على طريق الدعوة إن شاء الله.

 

حنين (4)

الحاج سعد صيام (عليه رحمة الله).. رقة وطهر وصلابة

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير" (رواه مسلم).. "يعني: في رقتهم وتوكلهم".

 

 الصورة غير متاحة

مدينة دمياط

تاجر مستلزمات الأثاث خرج من محنة عام 1965م في أوائل السبعينيات من القرن الماضي الميلادي صلبًا ليحمل مسئولية الدعوة في محافظة دمياط؛ فكان- عليه رحمة الله- دعوة في حركاته وسكناته؛ يفتح "بيته" و"معرضه" بشارع فكري زاهر- سوق الحسبة- للشباب يملأ قلوبهم حبًّا للإسلام، وموضحًا لهم طريق الدعوة في رقةٍ ورفقٍ وحنان.

 

إعلان شرعية الدعوة وثباتها وأصالتها:

فكم أقام من سرادقات في "سوق الحسبة" في قلب مدينة دمياط ليحاضر فيها الأساتذة والدعاة من أمثال المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني والشاعر جمال فوزي والشيخ عبد المتعال الجبري عليهم رحمة الله تعالى وغيرهم، معلنًا شرعية الدعوة وثباتها وأصالتها وليعلم القاصي والداني أن المستقبل لهذا الدين، وأن المحن لن تكون إلا صقلاً لأصحاب الدعوات وعلامات على صحة الطريق وبشريات التمكين بفضل الله تعالى.

 

اجتماع الناس على دعوة الله عز وجل:

فأعاد الحيوية للدعوة الإسلامية في الشارع الدمياطي، واجتمع عليه الناس يريدون معرفة الكثير عن دعوة الإخوان المسلمين التي غيبها الظالمون عن واقع الناس خلف سجون القهر وإعلام التجهيل وتزوير التاريخ.

 

بداية الطريق التربوي:

وبرفق الداعية وعاطفة المربي يأخذ بيد الشباب يربيهم ويعرفهم الطريق ومعالمه حتى لقي ربه في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي- عليه رحمة الله تعالى- وتقبله في الصالحين اللهم آمين.

 

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ألا وإن لله أواني في أرضه هي القلوب؛ فأحب الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقها؛ أصفاها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان". (أخرجه الطبراني إلا أنه قال: "ألينها وأرقها" وإسناده جيد).

 

*****

الحاج أسعد زهران أطال الله عمره.. حنان وقوة

 الصورة غير متاحة

 الحاج أسعد زهران

روى مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإذا أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا، ولكن قل، قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

 

تاجر الأثاث الذي سُجن في الستينيات والتسعينيات من القرن الميلادي الماضي استلم لواء الدعوة من الحاج سعد صيام عليه رحمة الله فأكمل مسيرة الدعوة في محافظة دمياط.

 

انتقاء واحتضان:

احتضن الشباب في رفق المحب الحريص على أحبابه وقوة المدافع عن أولاده وبصيرة المرشد الناصح لإخوانه، موضحًا لهم وسطية الإسلام فكرًا وواقعًا، ودافعًا بهم لحمل الدعوة إلى الناس أجمعين.

 

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ (الفتح).

 

منهجه التربوي:

وله في ذلك أسلوب تفرَّد به؛ فتراه يصحب الشباب إلى زيارة قادة الدعوة أو يدعو هؤلاء القادة إلى زيارة دمياط ومعايشة الشباب أو تراه يصحب الشباب في رحلات فردية أو ثنائية يتعرف على أفكارهم ومشاعرهم، ويصحح ويرشد ويوجه بعاطفة الوالد المحب وبعلم الأستاذ المعلم وريادة الشيخ الرائد وقيادة القائد بحكم السياسة العامة، موضحًا لهم طريق الدعوة دافعًا بهم إلى حمل أعبائها، متدرجًا بهم في حمل المسئولية حتى نضج الشباب، وصاروا رجالاً يحملون لواء الدعوة إلى الله- عزَّ وجلَّ- في محافظة دمياط وما حولها.

 

التوازن التربوي:

ومن أسلوبه كذلك؛ رعاية الشباب اجتماعيًّا ومهنيًّا؛ فيقدم لهم النصح في اختيار الزوجة وبناء الأسرة المسلمة المستقرة فتأسست بفضل توجيهاته أسرًا ناجحةً أثمرت أولادًا واستقرارًا، وكذلك توجيهاته للاستقرار المهني والوظيفي؛ فاستقرت حياة هؤلاء الشباب.

 

آتت تربيته المتوازنة هذه ثمارها فانطلقت طاقات الشباب بدعوة الله- عزَّ وجلَّ- في المجتمع الدمياطي؛ يعمقون قيم الإسلام فهمًا نظريًّا والتزامًا وقدوةً عمليةً.

 

أحبابي في الله:

وما زال الحاج أسعد زهران- أطال الله عمره- منارةً تضيء للسالكين إلى الله دروبهم، فجزاه الله عنَّا وعن دعوة الإسلام خير الجزاء اللهم آمين.

--------

ملحوظة:

هذه الومضات السريعة عن ثلاثة منارات من دمياط الحاج إبراهيم سلمو، والحاج سعد صيام،  والحاج أسعد زهران.. نحتاج لأن يكتب عنهم الكثير بأيدي الأحباب الذين عاصروهم، وكذلك عن نجوم زاهرات أضاءت سماء الدعوة من أمثال الأستاذ محمد كامل أبو العينين، والحاج سيد نور الدين، والحاج علي مطر عليهم رحمة الله، والأستاذ إبراهيم خفاجي، والأستاذ حسن الدسوقي والأستاذ أحمد كيوان، والأستاذ سامي بدوي أطال الله أعمارهم، غيرهم من أعلام الدعوة في محافظة دمياط.

 

بني دمياط ما شيءٌ بباقٍ  سوى الفرد الذي احتكر البقاء

تعالى الله، لا يبقى سواه                 إذا وردت بريته الفناء

ملأتم من بيوت الله أرضًا   ومن داعي البكور لها سماء

ولا تستقبلون الفجر إلا            على قدم الصلاة إذا أضاء

وكم من موقف ماض وقفتم         فكنتم فيه للوطن الفداء

دفعتم غارة شعواء عنه             وذدتم عن حواضره البلاء

أمير الشعراء: أحمد شوقي عليه رحمة الله

------------

* هذه المقالات كُتبت خلف الأسوار منذ ما يُقارب العام، وقدَّر الله- عزَّ وجلَّ- أن ترى النور بعد أن فرَّج الله عن صاحبها، وأسأل الله العظيم أن يُفرِّج الله عن الأخوين م/ خيرت الشاطر والأستاذ حسن مالك؛ لتنتهي هذه المأساة الوطنية المسماة بالقضية العسكرية رقم 2 لسنة 2007م، والمستمرة للعام الخامس.

 

ألا إن فرج الله قريب بفضله وجوده وكرمه، ووالله ليتمنَّ الله أمر هذا الدين بعزِّ عزيزٍ أو بُذلِّ ذليل، فلينتبه الغافل عن سننِ الله عزَّ وجلَّ.