استقبل الشعب المصري عام 2011م بحادثة انفجار سيارة كانت واقفةً أمام كنيسة القديسين بالإسكندرية حوالي الساعة الثانية والنصف صباحًا، وأسفرت- حتى الآن- عن مقتل ما يقرب من 14 قتيلاً مسلمًا ومسيحيًّا وإصابة 96 مسلمًا ومسيحيًّا، وكم هالني هذا الخبر!!

 

تساءلت: ما ذنب الذين ذهبت أرواحهم من جرَّاء هذه الجريمة الشنعاء؟!

من المدبِّر لتلك الحادثة؟

من المستفيد من جرَّاء وقوع الضحايا؟

ما موقف الإسلام من هذه الفجيعة؟

 

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي كثيرًا بأهل الذمة والمستأمنين وسائر المعاهدين، ويدعو إلى مراعاة حقوقهم وإنصافهم والإحسان إليهم، وينهى عن إيذائهم.. روى أبو داود في السنن عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ فأنا حجيجه (أي أنا الذي أخاصمه وأحاجُّه) يوم القيامة".

 

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا".

 

وإذا أجار أحد من المسلمين مشركًا في دار الإسلام فيجب معاونته على ذلك، ويحرم خفر ذمته، ففي الصحيحين عن أبي مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب، أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟"، فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحبًا بأم هانئ"، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات، ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف، قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي، أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: "وذاك ضحى".

 

وروى أبو داود في السنن عن عمرو بن شُعَيْبٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدّ مُشِدّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، ومتسرِّيهم عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ".

 

وعن عمرو رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما رجل أمَّن رجلاً على دمه ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرًا" (رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحة واللفظ له، وقال ابن ماجة: فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة).

 

وقال ابن حزم في (مراتب الإجماع): "واتفقوا أن دمَ الذمي الذي لم ينقض شيئًا من ذمَّته حرام".

 

وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالذميين خصوصًا أهل مصر

عن أبي ذر عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمَّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا".

 

وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالذميين

وأخرج البخاري من طريق عمرو بن ميمون أن عمر رضي الله عنه قال في وصيته للخليفة الذي بعده: "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم..".

 

قمة العدل معهم ولا يجوز غيبتهم

عن العرباض بن سارية قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيحسب أحدكم متكئًا على أريكته يظن أن الله لم يحرم شيئًا إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم" (رواه أبو داود وفي إسناده: أشعث بن شعبة المصيص قد تكلم فيه، والحديث قابل للتحسين).

 

ويقول القرافي: إن عَقْد الذِّمة يوجب حقوقًا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا وفي خفرتنا، وذمَّة الله تعالى، وذمَّة رسوله، ودِين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غِيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذيّة، أو أعان على ذلك، فقد ضيّعَ ذمّة الله تعالى وذمّة رسوله (وذمة دين الإسلام).

 

فتوى ابن باز

قتل الذمِّي والمعاهد والمستأمن حرام، وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك، فقد روى البخاري في صحيحة (3166) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " مَن قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" (أورده البخاري هكذا في "كتاب الجزية"، باب "إثم مَن قتل معاهدًا بغير جُرم"، وأورده في كتاب "الديات"، في "باب إثم من قتل ذمِّيًّا بغير جُرم"، ولفظه: "مَن قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" قال الحافظ في الفتح (12/259): "كذا ترجم بالذمِّيِّ، وأورد الخبر في المعاهد، وترجم في الجزية بلفظ: (مَن قتل معاهدًا)، كما هو ظاهر الخبر، والمراد به مَن له عهدٌ مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هُدنة من سلطان أو أمان من مسلم).

 

ورواه النسائي (4750) بلفظ: "مَن قتل قتيلاً من أهل الذِّمَّة لم يجد ريح الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا"، ورواه أيضًا (4749) بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قتل رجلاً من أهل الذِّمَّة لم يجد ريح الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا"، وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قتل معاهدًا في غير كُنهه حرَّم الله عليه الجنَّة" (رواه أبو داود (2760)، والنسائي (4747) بإسناد صحيح، وزاد النسائي (4748): "أن يشمَّ ريحها"، ومعنى: "في غير كُنهه" أي: في غير وقته الذي يجوز قتله فيه حين لا عهد له، قاله المنذري في الترغيب والترهيب (2/635)، وقال: "ورواه ابن حبان في صحيحة، ولفظه قال: "مَن قتل نفسًا معاهدة بغير حقِّها لم يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحَ الجنَّة لتوجد من مسيرة مائة عام"، قال الألباني: (صحيح لغيره).

 

وأمَّا قتل المعاهد خطأً، فقد أوجب الله فيه الدية والكفارة، قال الله عزَّ وجلَّ: (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: من الآية 92).

 

الإخوان وحادث القديسين

أدان الإخوان المسلمون الحادث بشدة وأصدروا بيانًا جاء فيه:

إن الإخوان المسلمين وقد هالتهم الجريمة البشعة النكراء التي استهدفت كنيسة القديسين بالإسكندرية يعلنون استنكارهم الشديد وإدانتهم الشديدة لتلك الجريمة الخطيرة.

 

إن هذه الجريمة لا يقرها شرعٌ ولا دينٌ ولا خلقٌ، والإسلام العظيم يؤكد حفظ حرمة الدماء والأموال والأعراض، وحفظ حقوق غير المسلمين، ويعتبر الاعتداء عليهم اعتداءً على المسلمين، ويدين ويجرم ويعاقب مرتكبيها أيًّا كانوا بأشد أنواع العقاب ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).

 

أخيرًا.. ألا ترى معي يا أخي أن من وراء هذا والمستفيد الوحيد هو العدو الحقيقي لنا، أعداؤنا أصحاب التاريخ الملوث بسفك الدماء من منذ أن قتلوا زكريا وحتى الآن.

 

هل عرفتهم؟!

إنهم الصهاينة الذين يريدون أن يقيموا دولتهم الكبرى عن طريق نشر الفتنة الطائفية في مصر، فيلجأ نصارى مصر إلى الأمم المتحدة التي تقسم مصر إلى شمال وجنوب من بني سويف، فيكون من نصيبهم لأهل الأقباط ويقيموا دولتهم والشمال لأبناء الصهيونية كما هو موجود على باب الكنيست.

 

فلنحرص على وطننا الغالي من كل حقد خارجي، ولنتمسك بالقرآن، ولنظهر للآخرين حقيقة الصهاينة لننجو بهم مما يدبرونه لنا.