حسين رضا

خرافتان تنتشران بين الشعوب العربية، يتبنى كل واحدة منهما فريق عريض يؤمن بها ويروج لها، وفريق ثالث يرفضهما؛ ولكنه قليل.

 

الأولى.. أن الحاكم لا يعرف ولا يعلم شيئًا عن أحوال وطنه.. يشيع أصحاب تلك الخرافة والأكذوبة أن الرئيس شخص طيب النفس، حنون القلب، يعشق تراب وطنه، يتألم لآلام شعبه، ويفرح لفرحه، يسكب العبرات على أحوالهم إن خلص إليهم مكروه، ولا تسعه الدنيا من الفرحة إذا أصاب أحدهم الخير والبشر والسعادة؛ ولكنه للأسف يعيش معزولاً عن شعبه، لا يعلم أحواله ولا ما يصيبه من فقر ومرض، وما ينخر في أصلابهم من فساد، وما يُصب على رؤوسهم من العذاب والهوان من حكومته، فهو مخدوع يخدعه من حوله من وزرائه ورجال حكومته، فهو لا يعرف سوى التقارير الأمنية التي تُرفع إليه، وتصور له أن الشعب يحيا في قمة الانتعاش والرفاهية، ولا يحتاج من الدنيا إلا شيئًا واحدًا أن يديم الله نعمة رئاسته وحكمه على شعبه، فهو خير حاكم، وأرحم رئيس، وأنه هو الأب والأم والابن والصديق والأخ لكل واحد من أبناء شعبه، يتغنون بإنجازاته، ويهتفون باسمه في النوم واليقظة، ويسبحون بحمده في الليل والنهار.

 

تلك الخرافة في أغلب الأحيان تشيعها الأنظمة الديكتاتورية عن نفسها، ويتشدق بها المنتفعون من أذيال تلك الأنظمة، ويلجأ إليها عند سقوطهم أو وقت محاكمتهم على جرائمهم حين ينتفض الناس، كما نطق "بن علي" ديكتاتور تونس من أيام في خطابه المنكسر الذليل (الآن فهمتكم.. أخيرًا فهمتكم)، يريد الحاكم أن يقنع الدنيا أنه ليس له يد فيما جرى وحدث، وأنه وقع وسط عصابة من الأشرار غيَّبته عن واقع شعبه، وأنه حبيس جدران أربع محاطة بالكذب والخداع، وليس له نافذة على دنيا الناس سوى التقارير الأمنية السرية، وادعاءات رجاله.

 

وتلك الأكذوبة وهذه الخرافة لا تقبع إلا في عقول السذج، فلو كان الحاكم الرحيم الحنون الطيب الذي يعشق وطنه وأبناء وطنه كما يذيعون؛ لاختار من بين الناس من يرضى الشعب عنهم، ويرتاح هو لهم، ولعرض كل كبيرة وصغيرة على شعبه ما دام يحبهم.

 

ودليل آخر على الكذب أنك ترى الحكومة تتشكل على فترات وتتغير ربما بعضها أو كلها، ولو كانوا هم المسيطرون عليه ما تغيرت الحكومة، ولرفضوا ترك مناصبهم وما جرأ على عزل واحد منهم، ولو سلمنا ودخلنا نفق السذج وقلنا بذلك، فلن يعفيه ذلك من المثول أمام الله يوم القيامة، يحاسبه على كل كبيرة وصغيرة وصدق ربنا (إذ يقول): ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾ (الصافات)، وصدق نبيه (إذ قال) "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه؛ حفظ أم ضيع".

 

الخرافة الثانية.. الحاكم الذي لا يرحم أو (أنا عبدٌ مأمور).. وتلك الأكذوبة يلجأ إليها أذيال الأنظمة الديكتاتورية، ولكن ليس للدفاع عن الحاكم، وإنما للدفاع عن أنفسهم حتى لا يكرههم الناس، تجلس إلى أحدهم، تقول يا سيدي ما أنت عليه خطأ وخيانة للقسم الوطني الذي أقسمته يقول لك.. والله أنا (عبدٌ مأمور)، ونفسي أغير لكنني لا أقدر، ولا أستطيع، فالحاكم ظالم طاغية ديكتاتور، مَن يخالفه لن يبقى على وجه الأرض يومًا، ولو كان صادقًا لما تفنن في قتل الأبرياء من أبناء الوطن وتعذيبهم، وتزوير إرادات الشعوب، واللعب بكلمتهم، وما اجتهد فوق ما وسعه في إفساد الأجيال وإهدار القيم والأخلاق، وذبح الديمقراطية واغتيال الحرية ولكنه الخداع.

 

إن الخرافة الأولى قد تصدقها العقول أكثر من الثانية، وغالبًا ما يلجأ إلى تلك الأكذوبة أذيال الأنظمة عند محامكتهم حتى يبرئوا أنفسهم، وقد كان ذلك من أتباع هتلر حين جاءت محاكمتهم، قالوا ما كنا نستطيع أن نعصي له أمرًا أو نرد له كلمة، فدورنا التنفيذ؛ وإنهم لكاذبون فلولاهم ما كان هو.

 

فمحال أن يحكم رجل كل الدنيا كبيرها وصغيرها، قويها وضعيفها، ولا يستطيع أن يقف في وجهه أحد.

 

والحقيقة أن الأنظمة الحاكمة بداية من الرئيس ورجال حكومته ومسئولي دولته كلهم نسيج واحد متكامل، يعمل إما للإصلاح أو الفساد، أو تقدم الشعوب وتأخرها.

 

ولعمري.. إن انتشار مثل هذه الخرافات ليس لأننا شعوب طيبة كما ندَّعي، وإنما لأننا شعوب جهلة سذج، تركنا الكتاب وأبينا التعلم، وسلمنا عقولنا لثقافة إعلام الأنظمة الحاكمة ففسدت، وما ازدادت على جهلها إلا جهلاً، وارتضت من الانكسار والذل منهجًا، فلن يفيق جاهل كي يدافع عن نفسه أو يطالب بحقه.. وليت شعوبنا العربية تعود إلى الكتاب فتقرأ.

-------------

* http://elmofker.blogspot.com