أخيرًا كسرت الجماهير حاجز الخوف، وانتصرت لأول مرة على قوات الأمن التي اعتادت منع التظاهر بالقوة.. انتفاضة بدون أحزاب ولا رموز ولا شعارات أيدولوجية، تحاكي ثورة تونس التي تمثل أول ثورة عربية شعبية ضد الاستبداد والفساد، نجحت في تغيير الحاكم لأول مرة منذ سلسلة الحركات العسكرية (بداية بمصر1952م)، التي طردت المستعمر الأوروبي من الدول العربية.

 

كما نجحت كنموذج للقياس نسترشد به في  مصر كالآتي:

- بن على قبل هروبه, توسل وصرَّح للشعب: لقد فهمتكم، وسأفعل ما تريدون (لم يفهم شعبه إلا بعد23عامًا)، ولن أترشح لرئاسة جديدة (لم يصدقه أحد).. المسئولون غالطوني (صرحوا بالعكس)، أمرت بعدم إطلاق الرصاص على المظاهرات، ثم أمر بالعكس والمسئول رفض التنفيذ..

 

كل ذلك مرشح وبكل دقة لمصر, فأعلى سلطة في البلد تقول: "خليهم يتسلوا" بشأن البرلمان الشعبي البديل، ولم تعلن عن أية خطوة سياسية معتبرة بعد أحداث تونس (على الأقل حل البرلمان للترتيب لانتخابات حقيقية) أما بعد 25 يناير فلن تكتفي الجماهير إلا  بتغيير السلطة تمامًا.

 

- مدير الأمن الرئاسي لاحظ اهتزاز عرش بن علي فأوهمه بأن قصره معرضٌ لهجوم وشيك، فهرب بسرعة بدون شنطة ملابس، شلة الحكم اتخذوه كبش فداء، وتحالفوا ضده، ويسيطرون الآن على السلطة، مع تقديم تنازلات للجماهير، وإطلاق سراح المعتقلين، وتعويض أسر الضحايا، ورفع الحظرعن حزب النهضة الإسلامي، مع استقالة رئيسي الدولة والوزراء من الحزب الحاكم، ومع ذلك الثورة مستمرة ضد هذه الشلة.

 

ما الذي يمنع تكرار ذلك بمصر؟! فجريدة (الأهرام) نشرت في 20 يناير أن عدد حالات الانتحار وصل سنويًا إلى 104 آلاف لم ندرك ذلك إلا بعد أحداث تونس، ولم يعكس ذلك أي تغيير في موقف الرئيس، والآن موقف الشارع في 25 يناير قوي جدًّا، والدولة والجهاز الأمني مرعوبان عاجزان عن كل شيء إلا تحميل الإخوان مسئولية الانتفاضه بدلاً من ردٍّ سياسي إيجابي سريع يستوعب الموقف، لا أحد يريد أن يعتبر!! إذًا فلنتابع القياس على تونس.

 

- اختفى بن علي فأصبح الحزب الحاكم مثل الوباء الذي يهرب الجميع منه, لم يكن حزبًا حقيقيًّا بل  شلة من محترفي مصّ ثروات البلاد ودماء العباد، والمشكلة في عدم وجود أحزاب معارضة حقيقية، لا يوجد البديل.. لا يوجد مشروع سياسي.. لا أحزاب، لا قيادات، ولا مجتمع مدنيَّ نهائيًّا، وكل مؤسسات الدوله عبارة عن ديكور لخدمة الحاكم الفرد، ولذلك بالثورة اختفى الديكتاتور وظلت الديكتاتورية  بنفس الشخصيات.. الحالة المصرية مشابهة تمامًا لتونس قبل الثورة.

 

- أكدت تونس أن التغيير بمصر لن يأتي بدعم من الخارج وسيأتي حتمًا وأقرب مما نتوقع, وله ثلاثة احتمالات:

الأول: أن تستمر الانتفاضة بدون مشروع سياسي ولا قيادات (فوضى نأمل أن تكون خلاقة).

والثاني: أن يتخذ النظام  خطوات معتبرة وسريعة في طريق إطلاق الحريات العامة والعدالة الاجتماعية (غير مطروح عمليًّا حتى الآن).

والثالث: مشروع سياسي له رؤية فكرية ورموز وطنية، تعبر عنه مع قاعدة شعبية تستطيع إجراء التغيير المأمول.

 

هناك عقبات لأن الحكام بتونس ومصر كرَّسوا كل إمكانات الدولة لتفكيك المجتمع المدني وإغلاق المجال السياسي ودفن إمكانية ظهور أي رموز وطنية حتى تمنع تواصلها مع الجماهير؛ ليتم القضاء على محاولة إقامة نظام حكم جديد له مرجعية شعبية ودولة قوية.

 

الاحتمال الأول هو الأقرب؛ حيث إن شباب تونس اعتمد على الإنترنت لتنظيم المتظاهرين كأساس استمرار ثورتهم حتى الآن التي قدمت كثيرًا من الشهداء, والشباب والإنترنت أيضًا كانا أساس انتفاضة مصر، لكن هل يكون كل ذلك مع استمرارالديكتاتورية؟ هل هذا هو أمل مصر والمصريين؟ لا يوجد الآن أهم من تواصل الرموز والقيادات مع الشباب والجماهير.

 

- التداخل والتلازم عميق وضروري بين دول الأمة العربية الإسلامية بشأن كل القضايا والمصير المشترك (التاريخ والجغرافيا واللغة والهوية)، خصوصًا في موقفها في مقابل الأمة العلمانية الغربية الحالية، فنحن نتعامل مع أنفسنا كدول وكتل متفرقة، لكن الغرب يتعامل معنا ككتلة واحدة وبإستراتيجية عدائية واحدة، وعلى أساس أن مصر هي رأس الحربة بالمنطقة.

- مما يعني أن المشوار أمامنا طويل، ويجب أن نفهم ثورة تونس بلغة السينما، بروفة للشعب العربي لما سيحدث في المشهد النهائي في مصر مع اختلاف الثقل الإستراتيجي والتأثير الواسع الذي سيحدث في الشرق الاوسط؛ نتيجة لأحداث مصر، وبالتالي لا يمكن أن تغيب القوى الغربية بقيادة أمريكا والممثلة في الكيان الصهيوني عن سيناريو وإخراج هذا المشهد، فهل من معتبر؟!

-----------

* رئيس جمعية المقطم للثقافه والحوار- [email protected]