الصورة غير متاحة

 د. جمال نصار

شهدت الآونة الأخيرة العديد من التغيرات في المنطقة العربية نتيجة لكثرة الفساد، واستحكام الاستبداد في شتى الدول العربية، وظهرت بوادر ذلك جليةً في أحداث تونس الأخيرة، التي كان للشعب التونسي وحده فضل السبق في خلع حاكمه المستبد طيلة (23 عامًا)، حَكَمَ خلالها شعبه بالحديد والنار، وبدأت الأحداث بحادثة صغيرة، عندما قام محمد بوعزيزي (26 عامًا) بإحراق نفسه.

 

فهذا الشاب حاصل على شهادة جامعية، لكنه لم يستطع الحصول على فرصة عمل مناسبة، فقام ببيع الخضروات والفاكهة في الشارع بدون ترخيص، وعندما أوقفته السلطات غضب بشدَّة وقرَّر التخلص من نفسه جرَّاء هذا الضيق والعنت.

 

هذه المعاناة مُكَرَّرة في الكثير من الدول العربية بسبب التزاوج الخطير بين الثروة والسلطة، وعدم وجود عدالة اجتماعية، وانتشار الفساد والمحسوبية في معظم المؤسسات، ونهب المال العام، وتزوير إرادة الأمة، وغياب الديمقراطية وثقافة تداول السلطة، وتغييب الشرفاء من أن يكون لهم دور في الإصلاح.

 

ونظام بن علي وفساده نموذج مكرر في المنطقة العربية، وبنظرة سريعة لما حدث في تونس في فترة الرئيس المخلوع نجد أن أهم معالم الفساد والاستبداد تمثلت في: إطلاق يد الأمن في المجتمع التونسي، ومصادرة حرية الصحافة، واحتلال المجال العام، وتدمير ممنهج للقوى السياسية والمدنية في المجتمع التونسي من خلال الاعتقال أو التشريد، والحرب على الهويَّة الإسلامية، ومنع الحجاب، وفصل كلِّ طالبة أو معلمة في مراحل التعليم العام والعالي ترتدي الحجاب بقوة القانون 108، وتوحيد الأذان عن طريق المسجّل، وتوحيد خطبة الجمعة، والاستهتار بشعائر الدين علنًا، وترك الساحة لكلِّ من يريد سبَّ الإسلام والمسلمين، وألغى إجازة الجمعة، معتبرًا أنه يوم عمل، والصلاة لا تكون إلا بعد نهاية الدوام قبل صلاة العصر بقليل، ومنع صلاة الفجر للشباب إلا ببطاقة ممغنطة وتصريح من الحكومة.

 

وقد أسَّس بن علي دولةً مرتكزة على جهاز أمني ضخم يضم أكثر من 130 ألف فرد، فلكلِّ مائة تونسي يوجد 1.3 عنصر أمن، ناهيك عن الشرطة السرية غير المعروف عددها والمتخصصة في ملاحقة الناشطين السياسيين والمدنيين وغيرهم من الحقوقيين والنقابيين، أو من تسول لهم أنفسهم أن يعبِّرُوا عن آراء غير متطابقة حرفيًّا مع الخط العام للحكم من قضاة أو محامين أو صحفيين، وبثِّ الرعب في نفوس المواطنين، والسيطرة على كلِّ وسائل الإعلام والاتصال، ووضع قائمة طويلة من المواضيع المحظور على الصحافة التطرق إليها مثل أخبار الرئيس وأسرته وأعوانه ونشاطاتهم الاقتصادية، وتأسيس حزب سياسي يكاد يكون مستحيلاً، وهو أمرٌ مرهون بموافقة شخصية من الرئيس، أما الجمعيات والمنظمات فتؤسس ضمن قانون مقيد لعملها.

 

وواصل بن علي قمعه للحريات، فقام بإغلاق جميع الأبواب التي يمكن للشعب التونسي من خلالها معرفة حجم الفساد والجرائم التي يرتكبها هو وذووه.

 

وقدّرت مصادر مالية وإعلامية فرنسية ثروة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي بخمسة مليارات يورو جَمَعَها خلال سنوات حكمه الثلاث والعشرين، مشيرة إلى أنه لم يكن يملك شيئًا يُذْكَر قبل وصوله إلى الحكم.

 

أقول إن أسرة بن علي وحاشيته ليست الوحيدة المتهمة بالفساد والمحسوبية، فالغالبية الساحقة من الأسر الحاكمة في المنطقة العربية غارقة في الفساد ذاته، وأفرادها ومن حولهم الذين يتقاتلون على الصفقات التجارية، واحتكار الشركات، ووكالات السلع الأجنبية، معروفون لجميع المواطنين.

 

جرائم عديدة يرتكبها القائمون على السلطة في أكثر من بلد عربي، ولا يتم اكتشافها بسبب تواطؤ السلطة وأجهزتها الأمنية مع هؤلاء المجرمين وحمايتها لهم، وتجاهل أجهزة الإعلام الرسمية لهذا الفساد.

 

في ضوء ذلك كله، يمكن القول إنه آن الأوان للقوى الحيَّة الشعبية والمدنية في العالم العربي، أن تتحرك لقيادة الشارع من أجل التغيير الحقيقي الذي يمنح الحرية للناس في تحديد مصيرهم، ويضع حدًا لعبثية المشهد القائم.

 

وليس أمام هذه القوى سوى تمثيل الشارع وغضبه، بل وتدريبه على النضال السلمي القادر على مواجهة الأنظمة وشراسة أجهزتها الأمنية، مع العلم أنه كلما كانت ردود تلك الأجهزة أكثر عنفًا اقترب فجر التغيير.

 

وعمومًا ليس ثمة تغيير من دون تضحيات، وهذه الأنظمة لن تستسلم بسهولة، لكنها ستفعل ما تريده الشعوب الحية، عندما تدرك أنه لا مناص من ذلك.

 

على أن يتم ذلك من خلال تحالفات واسعة بين قوى المجتمع الحيَّة، وذلك من خلال أهم مطلب يجمع سائر القوى المختلفة، يتمثل في أولوية الحرية في جميع الميادين، وحين يستعيد المجتمع حريته المسلوبة، سيكون بوسعه أن يحقق الإجماع على الأفكار ومستقبل الحكم، أما قبل ذلك فسيظلُّ أسير فئة محدودة لا ترى إلا مصالحها بصرف النظر عن الأفكار التي تستخدمها؛ لأن الإسلام في جوهره دعوةٌ لحرية الإنسان وتكريمه وليس استعباده.

 

ما جرى في تونس هو فاتحة التغيير في العالم العربي، وهذا الانتصار الجماهيري الباهر سيكون له ما بعده؛ حيث سيدرك الإنسان العربي وقواه الحية أن النضال السلمي سيكون قادرًا على الإطاحة بالدكتاتوريات واحدة تلو الأخرى، فهذه الأمة ليست أقل من الأمم الأخرى التي انتزعت حرِّيتها من بين أنياب الدكتاتورية بقوة النضال السلمي الذي لا يتراجع أمام سطوة الأمن ورصاصه الحي مهما كانت التضحيات، فما ضاع حقٌّ وراءه مطالب، ولا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر.

 

طالع ملفًا كاملاً عن يوم الغضب